إدارة الأزمات على الطريقة الجزائرية

date 2017/09/06 views 2911 comments 8

بعد صيف ساخن أنفق في مضاربات نافقة حول فرص "ترحيل المال من السياسة"، قد يباشر نهار اليوم دخولا سياسيا واجتماعيا يغلق بعض أبواب المضاربات، مع انعقاد أول مجلس للوزراء لحكومة أويحيى، والتحاق ملايين التلاميذ بالمدارس، ودخول الأحزاب بجدية في سباق المحليات التي لا يمكن لأي حزب مقاطعتها مع ما توفره لقواعدهم من فرص المشاركة في الريع المحلي.

غير أن الأنظار سوف تثبت على الحدث الأبرز مع انعقاد مجلس الوزراء اليوم، ليس فقط للتعرف على وجاهة الناسخ وحجم المنسوخ مما ترك آل تبون، ولكن بسبب الظهور المرتقب لرئيس الجمهورية، الذي سوف يربك حملة منفلتة العقال كانت قد انطلقت في جميع الاتجاهات، وركبت حصان المادة 102 ورفضت القراءة السليمة لما جاء على لسان قائد الأركان ونائب وزير الدفاع من الناحية الخامسة.

ولعل أفضل تحليل لخلفيات الحملة جاء على لسان السيد ولد عباس، الذي عقد مقارنة جيدة بين ما حصل في صيف 1998 وانتهى باستقالة الرئيس ليامين زروال، وبين الحملة المركزة التي بدأت حتى قبل تعيين السيد تبون ثم إنهاء مهامه، والتي وفرت ـ عن قصد أو غير قصد ـ ذخيرة حية للحملة، وسمحت للمضاربات بالانطلاق في جميع الاتجاهات وقد وظفت لها شبكة التواصل الاجتماعي على منوال ما خبرناه في ثورات الربيع العربي.

الإعلان عن انعقاد مجلس الوزراء قد يربك الحملة من دون أن يعطلها بالكامل، لأن السباق على احتلال مواقع التأثير في رئاسيات 2019 قد انطلق ولن يتوقف سواء على مستوى الفاعلين في الداخل، أو على مستوى القوى الدولية المهتمة باستشراف مرحلة ما بعد الرئيس بوتفليقة، في بلد لا يمكن تجاوزه في معالجة ملفات جيوسياسية خطيرة ومعقدة في المنطقة الممتدة من الحوض الغربي للمتوسط إلى شريط دول الساحل.

بعض من سلوك السلطة في الجزائر ـ الخارق للأعراف والتقاليد ـ لا تفسره فقط حاجة السلطة إلى إدارة الصراعات الداخلية التي تسبق في العادة المواعيد الانتخابية الهامة، لكنها تجد بعض المسوغات في حاجة الدولة إلى صناعة حالة من التعمية، والتخفي خلف ضباب كثيف، يمنعان مثل هذا الاستشراف، وقد رأينا كيف اضطرت فرنسا إلى استبدال سفير من بيت المخابرات الفرنسية بسفير كان يرأس المخابرات الفرنسية ربما يكون أقدر على فك طلاسم النظام الجزائري.

الذين تابعوا الحملة بإمعان يدركون أنها استهدفت في المقام الأول رأسا المؤسستين الأهم في البلد: الرئاسة والجيش، في محاولة لنسف ما تحقق من توحيد لرأس قيادة مؤسسة الجيش، وتنامي التزامها بالطابع الجمهوري وانضباطها الدستوري، وقبل ذلك كانت المؤسسة قد تصدت بنجاح لتبعات الأزمة الليبية وأزمة مالي، ولم تمنعها التحرشات بالحدود من تكثيف المناورات العسكرية شرقا وغربا.

عودة ظهور الرئيس اليوم لرئاسة مجلس الوزراء سوف يكسر ظهر الحملة المشككة في قدرة الرئيس على الاضطلاع بمهامه الدستورية من دون أن تضع حدا للمضاربات حول مآل الخلافة، في بلد لم تتبلور فيه بعد أدوات تنظيم التداول السلس على السلطة عبر مسارات تنافسية مفتوحة، وقد نحتاج إلى المرور بالبلد بسلامة عبر العواصف المستشرفة للسنوات الخمس القادمة، قبل ظهور مؤشرات حقيقية عن استعداد الدولة العميقة لفتح السباق على موقع صناعة القرار في الرئاسة للتنافس المنضبط المتحكم فيه عن بعد.

  • print