مشروعنا الوطني.. من البسملة إلى الماء...

date 2017/09/07 views 3367 comments 165

كلما عادت المشكلات الفرعية إلى استقطاب اهتمامنا من البسملة إلى الماء، تأكد أننا بالفعل لا نمتلك مشروعا وطنيا جامعا يمكن أن يضعنا على طريق التقدم مثل الكثير من الأمم التي شقت هذا الطريق قبلنا وبعدنا. وكلما عدنا إلى ربط حاضرنا ومستقبلنا بمصير أشخاص لا بعمق أمة وطبيعة مجتمع، مهما كان موقع هؤلاء الأشخاص، تأكد أننا مازلنا نستبعد الطرح العميق والشامل وبعيد المدى الذي لا يتنكر لوجود أمة جزائرية لها جذور تاريخية وإطار حضاري تنتمي إليه وآفاق مستقبلية تريد بلوغها بدأت مع طلائع نهضتها الحديثة في الربع الأول من القرن العشرين...

مشكلتنا اليوم، أننا نغرق في التفاصيل، في الحديث عن الأشخاص، في الارتباط بهم، في تنزيههم إلى حد التأليه أحيانا، أو تلويثهم بكل الأدران إلى حد شيطنتهم في كثير من الأحيان، برغم أن الواقع يقول إننا ككل الشعوب والأمم لا نحن بالآلهة ولا الوحوش على حد تفكيك أرسطو لطبيعة الإنسان، بل بشر يعيشون في مدن وأرياف لديهم أدوار اجتماعية يقومون بها لأجل تحقيق العمران البشري على حد تعبير ابن خلدون، أي الحضارة بمفهومها المعاصر كما تصورها فيلسوفنا المعاصر مالك بن نبي. مشكلتنا أننا ابتلينا بأفراد يزعمون أنهم قادة ولكنهم يفتقرون إلى الشرط الأول الذي ينبغي أن يمتلكه القائد وهو الرؤية والمشروع الوطني لتنفيذ تلك الرؤية في الميدان، ويتيه بين كتابة البسملة في مقدمة كتب التلاميذ أو توفير ماء الشرب لسكان مدينة كعنابة الساحلية...

وأنا أتابع التاريخ الوطني المعاصر، وجدت أن جيل الحركة الوطنية ما قبل استعادة السيادة الوطنية هو وحده الذي امتلك نخبة كانت تمتلك رؤية للمستقبل، وكانت تمتلك مشروعا وطنيا لتجسيد حلم الاستقلال كبداية فعلية لتجسيد تلك الرؤية. نخبة من الوطنيين بما في ذلك أولئك الذي انتموا إلى اليسار أو اليمين إلى الإصلاح أو الثورة. كان الجميع يتحرك في انسجام واضح مع الخط الحضاري الصاعد الذي تنتمي إليه الأمة. قلة قليلة هي التي شذَّت عن هذا الخط عندما أعلنت عدم إيمانها بوجود الأمة الجزائرية، ولكنها في غالبيتها صحَّحت الموقف وضمَّت جهدها إلى الجهد الوطني العام الذي غذى الثورة التحريرية ومَكَّننا من تحقيق الانتصار الكبير على تلك الهيمنة المقيتة التي سعت لإلغائنا تماما من الوجود.

في تلك الفترة، سواء تكلمنا عن مصالي الحاج الوطني أم عن ابن باديس الإصلاحي أم عن فرحات عباس الاندماجي أم عن عمار أوزقان الشيوعي، فإننا سنجدهم جميعا في آخر المطاف وحَّدوا جهودهم لأجل الانتصار للخط الوطني. كانوا رغم الاختلافات التي بنيهم، إضافة لبعضهم البعض من منظور حضاري شامل وضمن الرؤية الكلية لمستقبل الجزائر. أي إن الرؤية الشاملة مكنت الجميع من أن يتحركوا، كل من منظوره، لتحقيق أولى الغايات التنفيذية لهذه الرؤية، أي استعادة السيادة الوطنية وافتتاك الحرية من المستعمر الغاشم. بكل تأكيد كانت بين هؤلاء صراعات شخصية وصلت إلى حد العداوات والتخوين أحيانا، ولكنها أبدا لم تكن هي القضية المركزية التي تحرك المسار العام الذي يصنعه الجميع للأمة كافة. كان هناك نوع من الاتفاق غير المرئي بين الجميع حول الهدف المركزي المستقبلي وحول استعادة مكانة هذه الأمة من منظور حضاري وثقافي ووطني لا شك فيه. وكان ذلك هو عمق قوتنا الذي لم تتمكن آلة الاستعمار الجهنمية من قهرها...

وبدل أن نُعمِّق هذا التوجه، ونُواصل هذا التدفق الحضاري نحو بناء أمتنا الجزائرية لكي تتحول إلى أمة راقية بين الأمم، بدأنا في الانحراف التدريجي عن المسار المتطابق مع لحظتنا الحضارية المشهودة في تلك الفترة... فجأة ومن غير مقدمات ارتبكنا عند اختيار النهج الاقتصادي الذي علينا اتباعه. كان الإفراط في التوجه نحو الاشتراكية التي بدت لنا وكأنها هي المستقبل في حينها، وبدل أن نطرحها أمامنا كخيار من بين الخيارات التي علينا اعتمادها في نطاق خصوصيتنا الثقافية وانتمائنا الحضاري، دفعنا المجتمع دفعا إلى التكيف القسري معها، وأصبحنا نتحدث عن كون الإسلام اشتراكي، وكون "تاجمعت" و"التويزة" التي هي من عمق تراثنا الوطني اشتراكية، وكون الشعب الجزائري وقيادته جميعها اشتراكية. واعتبرْنا خائنا، كلَّ من خالف ذلك أو فكَّر في طرح بديل آخر غير ذلك. وبدأ الفرز الظالم على هذا الأساس، ولبست الأغلبية ثوب الاشتراكية طوعا أو كرها. وتحوَّل الخيار إلى شعار يرفعه كل من أراد الاسترزاق والوصول إلى هدف من الأهداف. ونُعت كل من لم يسر في هذا الاتجاه بالرجعي حليف الإمبريالية. وتم هدر طاقات كبيرة نتيجة هذا التصنيف مازلنا نتحمّل الخسارة الناتجة عنه إلى اليوم.

وذات الشيء وقع مع الديمقراطية. خيار فجائي دون مقدمات.. تغيير على الماشي للدستور الذي كان ينص على أن الاشتراكية خيار لا رجعة فيه، ولو عن طريق الاستفتاء. ورُفعت بين عشية وأخرى يافطة تم قصها على عجل بديلا عنها كتب عليها: الديمقراطية خيارنا الاستراتيجي. ويا ليتها كانت مشروعا ضمن رؤية أو خيار استراتيجي. أبدا ما كانت كذلك، كل ما في الأمر أنها كانت واجهة لإخفاء صراع داخلي بين أفراد كان همهم الأول هو البقاء في السلطة تحت أي تسمية كانت... كل مشروعهم يتلخص في كلمتين: البقاء والسلطة.

ولأن الحال هي هذه، ولأننا لم نعد نعرف إلى أين نريد أن نتجه، ولأننا لم نعد نملك الغاية الكبرى التي نريد تحقيقها كما كان جيل الحركة الوطنية، أصبحت القضايا الفرعية هي مشروعنا، وأصبح صعود ونزول الأشخاص هو همنا الأول. وبدل البحث عن الحلول الشاملة لمشكلاتنا الرئيسة أصبحنا نبحث عن الحلول الجزئية والمؤقتة التي تُمكِّننا من البقاء...

وهكذا غرقنا في بركة البحث عن مشكلة ندرة المياه، وضُعنا في متاهة حل مشكلة السكن، ولم نعرف أي طريق نسلكه للخروج من مشكلات الصحة، وتهنا ضمن تفاصيل إصلاح المنظومة التربوية إلى حد أن أصبحت البسملة قضية، ولم نتمكن من عصرنة منظومة الحكم لتتمكن من التكيف مع متطلبات العصر، وكدنا نختزل كل مصيرنا في مصير شخص أو مجموعة أشخاص نعتقد أنهم هم الذين سيمكنوننا من تحقيق الوثبة الكبرى نحو التقدم والازدهار، في الوقت الذي نكاد نجزم بأن مشكلتنا الرئيسة هي في كون الجميع اليوم أصبحوا لا يمتلكون غاية كبيرة يسعون لتحقيقها أي لا يملكون رؤية واضحة ومشروعا وطنيا تنفيذيا لهذه الرؤية يضعنا ضمن آفاق المستقبل الواعد كما فعل ذلك آباؤنا وأجدادنا عندما كان نضالهم واضحَ المعالم وواضحَ الوسائل والغايات...

وإني إذ أقول هذا الكلام فلِما رأيت من تَفكُّكٍ لمحاور الاهتمام الوطني إلى فروع، ثم تفكك الفروع إلى أجزاء صغيرة فمتناهية في الصغر، إلى أن اختُزل مشروع الأمة في حديث صالونات، وأصبح من بين غاياتها الكبرى توفير الحد الأدنى من ماء الشرب لمواطني مدينة أو قرية، أو توليد امرأة جاءها المخاض، أو تمكين فريقنا الرياضي من الانتصار على زامبيا ولو إيابا، أو إعادة البسملة إلى كتبنا المدرسية ولو بأقلام الأطفال، أو ضمان توفير كيس حليب لمواطنينا أيام العيد...

تلك هي طبيعة مشكلتنا اليوم، ولا حل لها إلا ضمن رؤية مستقبلية شاملة نشرع في تجسيدها من خلال مشروع وطني قابل للتنفيذ ضمن المديين المتوسط والبعيد، نكون خلالهما نعرف بالضبط ماذا نريد...

  • print