نحو تأسيس عقد اجتماعي وسياسي من أجل الجزائر

date 2017/09/07 views 2087 comments 6
محمد بوالروايح

حينما تسوء الأوضاع ويستبد كل ذي رأي برأيه أو تطغى فئة على فئة أخرى، فإنه لا مناص من التفكير في حلحلة الأمور، وهو شأن لا يحسنه إلا أهل التدبير من النخبة التي تجعل المصلحة العليا الهدف الأسمى والغاية المثلى. وفي التاريخ الحديث نماذج لمفكرين وسياسيين اهتدوا إلى الحلول وسط ركام من الخلافات السياسية والاجتماعية، على شاكلة ما فعله جان جاك روسو الذي دعا إلى تشكيل عقد اجتماعي يجمع الفرقاء ويقلص الفوارق الاجتماعية، ولاقت دعوته قبولا لدى الفئات الاجتماعية التي ضاقت ذرعا بالملكية المستبدة والإمبريالية الكانزة.

نحن في الجزائر لا نحتاج إلى عقد اجتماعي من شاكلة ما أسسه جان جاك روسو، لأن روسو أسس هذا العقد الاجتماعي بعد معايشته ومعاينته ظروفا اجتماعية عصيبة عملت على تقسيم المجتمع تقسيما عنصريا ترجح فيه في كل مرة كفة الملوك وتطيش كفة المملوكين بسبب الحكم الجائر والتحيز الظاهر. قد تعاني بعض الفئات الاجتماعية عندنا من الحرمان الاجتماعي وقد تكون ضحية الظلم الاجتماعي ولكنها لا تعاني من الاستبداد السياسي الذي لم يعد له مكان في عهد التنوير والتحرير.

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد اجتماعي يقوي روح المواطنة المشتركة التي تحفز المواطنين على اختلاف مواقعهم للعمل بمقتضى هذا العقد لإشاعة التكافل الاجتماعي الذي من شأنه أن يحول دون وقوع الصدامات الاجتماعية التي برحت بمجتمعات كثيرة.

 نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد اجتماعي يشعر المواطن بأنه لبنة أساسية في تكوين المجتمع، وبأنه جزء من الدولة بمفهومها القانوني والاجتماعي والأنثروبولوجي، وليست الدولة بالمفاهيم المغلوطة التي تنظر إليها على أنها كيان منعزل وسلطة مطلقة.

 نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد اجتماعي يشعر أفراد المجتمع بواجبهم في بناء الحياة الاجتماعية، والكف عن إلقاء المسؤولية بكل ثقلها على كاهل الدولة .

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي يضع حدا للخصومات السياسية التي أفرزها سوء ممارسة السياسة أو أفرزتها بالأحرى الأمية، أو النرجسية أو الشوفينية السياسية التي تجعل فصيلا سياسيا ينظر إلى الشركاء السياسيين على أنهم رأس كل المشكلات السياسية وعلى أنه وحده من يملك الحلول السياسية المثالية والسحرية.

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي يمكنه أن ينهي مظاهر التراشق السياسي الذي جعل الفرقاء السياسيين ينفخون في الخلافات السياسية بدلا من أن يعملوا على تبديدها وتضييق دائرتها، فما لم نحقق هذا أو نسبة كبيرة منه، فإنه لا يحق لنا أدبيا أن نتحدث عن عقد سياسي بالصيغة التي أشرت إليها.

إن من مقتضيات هذا العقد السياسي وقف حملات الإساءة إلى رموز الدولة التي يلجأ إليها بعض السياسيين، معتقدا بأنها الطريق الأقرب إلى كسب الثقة الشعبية وتحقيق معنى الاحتراف السياسي، مع أنها بالتعبير الصحيح انحراف سياسي لا يختلف فيه اثنان، إن الإساءة إلى رموز الدولة بهذه الطريقة مع العجز عن إيجاد البدائل هي في اعتقادي نفاق أو استعراض سياسي بامتياز لا يفيد العملية السياسية بل يكون بيقين عاملا من عوامل الإرباك والإخفاق السياسي.

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي بالشروط التي ذكرتها وليس إلى ديماغوجيا سياسية يعيد أصحابها في كل مرة الأسطوانة القديمة التي تقحم المجتمع في مواجهة مع السلطة التي تعد وفق هذا المنظور الديماغوجي أم المشكلات وسبب كل المعضلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. أليس من الديماغوجيا السياسية أن يدعو المفكر السياسي نور الدين بوكروح المؤسسة العسكرية إلى الخروج عن صمتها وحماية الجمهورية؟ ماذا يمكن أن نقرأ في هذه الدعوة غير الزج بهذه المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي بدعوى أن الجمهورية في خطر، وهي ليست كذلك إلا في تصورات بعض السياسيين لأغراض سياسوية محضة؟

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي ينهي سجال الموالاة والمعارضة بطريقة سلبية ويقضي على مظاهر وآثار الاتهام المتبادل، التي أدت منذ بداية التجربة التعددية إلى حدوث صدامات سياسية كبيرة من خلال رغبة كل طرف في التمسك برؤيته السياسية وإقصاء الطرف الآخر، وهو الإقصاء الذي يفسر دائما أو غالبا من قبل المعارضة السياسية على أنه من صنع الموالاة التي تمثل السلطة الحاكمة، في حين نجد أن المعارضة- بالاعتماد على تقييم واقعي وعقلاني– تتحمل جزءا كبيرا منه.

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي يحدد المجال السياسي الذي تتحرك فيه الأحزاب السياسية ويحظر التدخل في صلاحيات الهيئات الأخرى إلا ما تحدده طبيعة العلاقة بين هذه الهيئات والأحزاب مما يندرج ضمن التوجهات المشتركة التي تمليها المصلحة الوطنية. وأسجل هنا أن أساليب النقد السياسي التي تعتمدها بعض الأحزاب من شأنها أن تعمق الهوة بين الشركاء السياسيين وتزج بنا في صراع سياسي يخرج في بعض الأحيان عن التقاليد السياسية المعمول بها.

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي يعمل فيه الشركاء السياسيون ضمن الدائرة التي تشكل توافقا سياسيا لا يقبل الاختلاف، وأقصد بذلك ما يتعلق بالثوابت الوطنية التي لا يقبل الاختلاف بشأنها بأي حال من الأحوال، ولا يمكن أن تكون عرضة للأخذ والرد إلا ما يصب في خدمتها وتثبيتها في المجتمع الجزائري.

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي يجيز الاختلاف السياسي ولكنه لا يجيز استغلال هذا الاختلاف لخدمة أي دعوة انفصالية مخالفة لأحكام العقد السياسي، وهذا من شأنه أن يحافظ على الصبغة السياسية للاختلاف السياسي، على خلاف الدول الأخرى التي أدى عدم توظيف الاختلاف السياسي فيها بالكيفية المعقولة والقانونية إلى ظهور أشكال من الطائفية السياسية التي تشكل تهديدا مباشرا للأمن السياسي والوطني بصفة عامة.

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي يكون مؤطرا بمرجعية قانونية وأخلاقية ودينية، لأن هذه المرجعيات هي العاصم من أي انزلاق سياسي قد ينتجه التوظيف غير العقلاني للعملية السياسية.

نحن في الجزائر، نحتاج إلى عقد سياسي يجعل الدستور الوثيقة السياسية والمجتمعية العليا التي يلتقي حولها الشركاء السياسيون، فلا يقبل من أي كان أن يجعل من أفكاره وآرائه السياسية مرجعا يعلو على الدستور، هذا مع إعطاء الأولوية القصوى للأحكام الأخلاقية والدينية التي تندرج ضمن المادة الثانية من الدستور الجزائري: "الإسلام دين الدولة".

  • print