الدّخول المدرسيّ والمظاهر المزرية!

date 2017/09/11 views 2340 comments 0

بعد عطلة تطاولت لما يقرب من 3 أشهر، ها هم أكثر من 8 ملايين ونصف المليون من أبنائنا التلاميذ يتّجهون إلى مقاعد أكثر من 26400 مدرسة بين ابتدائية وإكمالية وثانوية، بعد أن كابد آباؤهم وأولياؤهم عناء توفير لوازم الدراسة من ألبسة وأدوات وكتب مدرسية.. هي مصاريف شاقة ومرهقة، وربّما اضطَرّت كثيرا من الآباء والأولياء إلى الاستدانة، خاصّة وأنّ الدّخول المدرسيّ جاء بعد عيد الأضحى الذي أنفق فيه الآباء والأولياء مبالغ معتبرة لشراء الأضاحي.. نعم، هي مصاريف مرهقة، لكنّ العبد المؤمن سينال لقاءها أجرا عظيما عند الله إن هو أخلص النية، واحتسب الأجر عند الله في الإنفاق على أهله وأبنائه.. في الصحيحين عن أبي مسعود البدريّ –رضي الله عنه- أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: "إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَة"، وعند مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: "دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك".

نعم. نحن مأجورون -بإذن الله- عمّا أنفقناه في الأضاحي، وعما أنفقناه على أبنائنا التلاميذ والطّلبة.. لكن هل ينتهي دورنا عند شراء الألبسة والمآزر والأدوات المدرسيّة، لنخلد بعدها إلى الرّاحة فرحين بما قدّمنا، ونترك أبناءنا يفعلون ما يشاؤون؟ كلا. واجب علينا أن نهتمّ بعقول أبنائنا وبدينهم وأخلاقهم؛ بنوعية الألبسة التي يلبسون وبهيئاتهم وأحوالهم وهم ينسلون إلى المدارس، وبأخلاقهم ومعاملاتهم لأساتذتهم ومعلّميهم.

والله إنّه لأمر مؤسف غاية الأسف، أن نرى هذه الحال المزرية التي يظهر عليها كثير من أبنائنا التلاميذ والطلبة، ذكورا وإناثا، وهم يتّجهون إلى أماكن يفترض أنهم يأخذون منها التربية قبل العلم.. مظاهر تدلّ على أنّ الدّين والخلق والسّمت الحسن، ما عادت تعني بالنّسبة إليهم شيئا.. كيف لا ونحن نرى الألبسة تزداد ضيقا وغرابة وإزراءً عاما بعد عام.. في الأيام الأولى من الدّخول المدرسي لهذا العام، رأينا كيف أنّ كثيرا من أبنائنا التلاميذ خرجوا إلى المدارس في هيئات لا تمتّ بصلة إلى طلب العلم ولا تدلّ على أنّهم خرجوا من بيوت مسلمة! بعضهم دهنوا شعورهم بالملمّعات، وبعضهم يضعون سلاسل تطوّق الرقاب، وبعضهم يلبس سراويل ضيّقة ومقطّعة تلتصق بالأجساد، ورأينا كيف أنّ كثيرا من بناتنا اتّجهن إلى المدارس وهنّ يلبسن السّراويل الضيّقة الملتصقة بالأجساد ويرسلن الشّعور، ومنهنّ من تضع "الماكياج"؛ يخرجن من البيوت على هذه الهيئة المزرية المحرّمة، كأنهنّ متّجهات إلى صالاتٍ لعرض الأزياء والأجساد، من دون أيّ نكير من الوالدين!.. ما عاد كثير من الآباء ينهون أبناءهم وبناتهم عن المنكر، بل إنّ منهم من يفخر بأنّه لا يتدخّل في لباس أبنائه ولا بناته، وإنّما يعطي كلاّ واحد منهم ما يحتاج إليه من مال ليشتري ما يعجبه!.. أمّا بعض الأمّهات هداهنّ الله، فقد أصبحن يأمرن بالمنكر وينهين عن المعروف! قلا يكتفين بالسّكوت، بل يتحوّلن إلى محاميات عن بناتهنّ لتكون لهنّ الحرية الكاملة في لبس ما يعجبهنّ ولبس ما تلبسه زميلاتهنّ ولو كان ممّا يسخط الله!. 

لقد حُقّ لكلّ عاقل أن يتساءل: إلى أين نتّجه؟ وكيف وصل الأمر ببعض منّا إلى حدّ السّكوت عن خروج بناتهم إلى المدارس وهنّ كاسيات عاريات يلبسن هذه "الفيزوات"؟ أين ديننا؟ أين أخلاقنا؟ أين مروءتنا؟ أين غيرتنا على أعراضنا؟ ما منّا من أحد إلا وهو يقول بملء فيه: "أبنائي هم خير الأبناء، وبناتي ربّيتهنّ أحسن تربية"، فأين هذه التربية الحسنة من بنات يخرجن متّجهات إلى المدارس بألبسة ملتصقة بالأجساد؟.

المصيبة أنّ اللّباس الضيّق يتّجه ليكون لباسا مشتركا بين الأبناء والبنات، وقد أخذت هذه "الموضة" تنتشر بين الشّباب الذّكور انتشار النّار في الهشيم، وأصبحنا نفجع بشباب يلبسون سراويل وقمصانا ملتصقة بأجسادهم والله المستعان.. بعض النّاس يعيبون على هؤلاء الشّباب أنّهم يلبسون لباس الفتيات الضيّق! مع أنّ مثل هذا اللّباس حرام على الشابّ، وهو أشدّ حرمة على الفتيات.

فإلى متى ونحن نصغي لنزغات الشيطان الذي يغرينا بالسّكوت عن المنكر ويوسوس لنا قائلا: "هذا هو الزّمان، وهذا هو الموضة، وهذا ما يفعله كلّ النّاس...". أكثر التجّار –الآن- ما عادوا يبيعون غير هذه الألبسة الضيّقة الفاضحة، وما عاد يهمّهم غير مجاراة الموضة والجديد في الأسواق، وهم بفعلهم هذا آثمون عند الله عظيم الإثم؛ كلّ تاجر يبيع هذه الألبسة الضيّقة والفاضحة سواءٌ ما كان منها للذّكور أو للإناث هو آثم عند الله إثما عظيما، لأنّه يعين على المنكر ويساعد على إشاعة الانحلال والفساد والله يقول: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب)).. لكنّ إثم التّاجر لا يُعفي الآباء والأمّهات من الإثم؛ فالأب الذي يسمح لأبنائه وبناته بشراء هذه الألبسة آثم إثما عظيما عند الله لأنّه خان أمانة الأبناء والله يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم)).. لا عذر لأحد في ارتداء هذه الألبسة الضيّقة الفاضحة، ولا عذر لأحد في قوله إنّ هذا ما يوجد في الأسواق!. أ ليس الواحد منّا يتعب ويُجهد نفسه في البحث عن قطع الغيار الجيّدة والأصلية لسيارته أو مركبته، ويسافر المسافات الطّويلة لأجل ذلك؟ كذلك يجب عليه أن يتعب لشراء الألبسة الواسعة اللائقة لأبنائه المسلمين وبناته المسلمات، ولا يجوز له أبدا أن يلتفت إلى هذه الموضة. الموضة صنم لا يليق لعبد مسلم أن يتعبّد له. 

إخواننا مديرو المدارس والمراقبون، مطالبون من جهتهم، بالحرص على تخفيف هذا الفساد، بتطبيق القانون ومطالبة الطلبة والطالبات بارتداء لباس محترم يليق بمؤسّسة تربوية، وينبغي أن يطبّق القانون ليس على الذّكور فقط، وإنّما على الفتيات اللاتي يحضرن إلى المدارس بالسراويل الضيقة والشعور المرسلة، أيضا، ينبغي أن يكونوا حازمين في الأمر ولا يخشوا فيه لومة لائم.

ينبغي أن تتكاتف جهود الأئمّة والأولياء والأساتذة والمعلّمين والمديرين والمراقبين، لوقف هذا الانحدار الذي ينقاد له كثير من أبنائنا التلاميذ والطّلبة في مظاهرهم وفي قناعاتهم التي أصبحت تصطبغ بصبغة مادية مصلحيّة لا علاقة لها بالدّين ولا بالأخلاق؛ انحدار طوعيّ يتزامن مع جهود حثيثة تبذلها الأوساط العلمانيّة لإبعاد الدّين عن التّعليم، لتزداد زاوية الانحدار ونصل إلى الهاوية في أقصر وقت!.

  • print