60 بالمائة منهم يعانون التوتر والإرهاق

الضجيج.. التلوث الخفي الذي يهدد الجزائريين بموت بطيء!

date 2017/09/14 views 3629 comments 9
  • تلاميذ يشكون قلة التركيز بسبب الضوضاء
  • 15 حالة انهيار عصبي تستقبلها مصلحة دريد حسين شهريا
  • تقنيات تحقيق السكينة تبدأ في أحياء
  • حقوقيون يطالبون بتفعيل قانون ردع الضجيج
author-picture

icon-writer وهيبة سليماني

ضجيج دائم وصخب مستمر ليلا نهارا.. هي حال المدن الجزائرية المعروفة بالكثافة السكانية.. ضوضاء.. باتت سمة مميزة لبيئة يضطر الجزائريون إلى العيش فيها محتمين، إلى درجة وصل بهم الأمر في السنوات الأخيرة إلى قضاء ليال بيضاء صيفا.. وحتى شتاءا!

أصوات عالية، ألعاب نارية، أعراس حتى الصباح، صراخ، منبهات السيارات، طنين الدرجات النارية، آلات أشغال عمومية، ضجة الأجهزة الإلكترونية والأعمال المنزلية، شاحنات النظافة.. كل هذا يحدث ليلا، أما في النهار فحدث ولا حرج.. ضجيج مروري، ضوضاء المصانع والورشات، وأصحاب الحرف، وأصوات الباعة، وآلات الأشغال العمومية ورفع الردم.. إنها حالة تلوث بيئي يزحم إلى أجسادنا ويدفعنا إلى الموت البطيء.. تلوث يهدد المستقبل العقلي والفكري للتلاميذ والأجيال الصاعدة.

حسب الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث العلمي"فورام"، مستوى الضجيج المروري تعدى مقياس 78 ديسيبل، وصلت شدة الضوضاء في غرف الأطفال إلى 55 ديسيبل، بينما تضبط منظمة الصحة العمومية، الحد الأقصى للضجيج في المحيط الحضري، عند 70 ديسيبال، و35 ديسيبال في الفضاء المغلق أي داخل المنازل. 

وأكد رئيس هيئة "فورام"، البروفسور مصطفى خياطي، أن 18 بالمائة من الأمراض التي تصيب الأطفال في المدن الكبرى الجزائرية وأكثرها العاصمة، ناجمة عن الضوضاء، والصحة العمومية أصبحت في خطر، بعد أن تحول الضجيج والصخب في الأحياء الشعبية إلى ظاهرة تقلق السكان.

وقال البروفسور خياطي إن 60 بالمائة من الجزائريين يعانون التوتر السمعي والإرهاق اليومي والضغط الدموي بسبب هاجس الضوضاء.

من جهته، كشف البروفسور ونوغي، رئيس مصلحة أمراض الأنف والحنجرة بمستشفى البليدة، عن تسجيل حالات إصابة بالصمم لأشخاص يقطنون في أحياء شديدة الضجيج والصخب وقال إن التلوث الضوضائي بات من أخطر التلوثات البيئية التي تهدد السمع والغدة الدرقية وتصيب الجهاز التنفسي بالحساسية الحادة.


 70 بالمائة من أمراض القلب والضغط الدموي مصدرها توتر ضجيجي

وحذر البروفسور جمال الدين نيبوش، طبيب أمراض القلب بمستشفى نفيسة حمود"بارني" بحسين داي، من ظاهرة الضجيج والضوضاء التي بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة، ولم تعد مشكلا صحيا فقط بل أخلاقيا يهدد الأطفال قبل الكبار.

وأكد أن 70 بالمائة من أمراض نقص ضخ الدم في القلب والضغط الدموي ناجمة عن نقص النوم والتوتر السمعي التي تسببها الضوضاء في الأحياء الشعبية والمدن الجزائرية الكبرى. وقال إن مصلحة حسين داي تستقبل مرضى يشتكون دائما من قلة النوم وقلق الضجيج.

وحسب البروفسور جمال الدين نيبوش، فإن ضجيج النقل يزيد من فرص الإصابة بالسكري، حيث تزيد الضوضاء هرمون التوتر الذي يؤثر على عملية التمثيل الغذائي "الأنسولين". 

 

انهيارات عصبية نتيجة الأرق واضطراب النوم

في السياق، كشف البروفسور محمد تجيزة، رئيس مصلحة الأمراض العقلية بمستشفى دريد حسين، لـ"الشروق"، أن الضوضاء في المدن الجزائرية هي تلوث خفي خطير أسهم في الآونة الأخيرة بشكل ملفت للانتباه، في أمراض نفسية وعصبية وعقلية، حيث يؤدي شهريا إلى 15 حالة انهيار عصبي ناتج عن أصوات مرتفعة بينها الألعاب النارية والمفرقعات وضجة آلات الحفر ورفع الردوم ليلا، وحالة الأرق وقلة النوم، مضيفا أن 10 بالمائة من الأمراض العقلية التي تعالج في مصلحته، سببها اختلال الجهاز الحلزوني للأذن.

وأوضح أن التلوث البيئي الضوضائي يؤدي إلى تغيرات فيسيولوجية وهرمونية تصيب أجسام الجزائريين، خاصة الذين يقطنون في شوارع مكتظة بالسيارات والشاحنات وآلات الحفر، ومعدات البناء والورشات والمصانع والمحطات والمطارات، ويقصدها الباعة المتجولون.

 

تلاميذ المدارس الجزائرية مهددون بالسرطان وعدم القابلية للتعليم

ويعتبر الأطفال الأكثر عرضة لمخاطر التلوث البيئي الضجيجي، حيث قال البروفسور مصطفى خياطي إن ضجيج المدن الجزائرية تعدى 55 ديسيبل داخل البيوت حيث كان وراء تزايد حالات الإصابة بنقص السمع وسط شريحة الصغار، وهو ما ينعكس سلبا على تعليمهم، وتركيزهم مع الدروس.

ويرى أن أغلب المدارس اليوم، تقع في محيط تعلو فيه الأصوات ويكثر فيه ضجيج آلات البناء والردم وورشات الصناعة، وأشار إلى أن هناك جوانب نفسية تؤثر على التلاميذ، وتظهر في سلوكهم.

وقال البروفسور خياطي إن الأطفال مع مرور الوقت يصبحون عرضة للصداع النصفي "الشقيقة"، وارتفاع نسبة الكليسترول في الدم، والإصابة بأمراض سرطانية.

إن تأثير الضجيج على الأطفال يزداد مساءً وبالأخص لدى الأطفال الذين يرتفع مستوى الضجيج الذي يتسلل إلى غرفهم إلى 55 ديسيبل.

يؤكد البروفسور مصطفى خياطي، رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث"فورام"، أن دراسة قامت بها الهيئة سابقا، بينت أن التلاميذ الذين يعيشون في مناطق كثافة سكانية تنتشر فيها الضوضاء، ويدرسون في مدارس تقع في نفس المحيط، يعانون عدم القابلية للتعليم نتيجة ضعف التركيز.

ومن جهته، قال البروفسور سليم نافتي، رئيس مصلحة الأمراض التنفسية بمستشفى مصطفى باشا، إن

  20 بالمائة من الأمراض التنفسية تصيب أطفالا يقطنون في بيئة تعج بالضجيج، وتقع بالقرب من ورشات البناء والمصانع ومحطات النقل، مؤكدا أن الضوضاء تهدد هذه الفئة بالربو وقلة المناعة.

 

الفضاء العمومي غير منسجم.. والهدوء خارج الأخلاق!

وبالنظر إلى حدة الضجيج الذي تسببه وسائل النقل وآلات الحفر، وشاحنات المؤسسات العمومية، فإن الضجيج الاجتماعي الناجم عن قلة الوعي واللامبالاة من طرف الجزائريين، الذي يرجعه الدكتور يوسف حنطابلي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر، إلى فقدان رمزية الفضاء العمومي عند هؤلاء، وعدم تحديد المسؤولية وتطبيق القوانين الرادعة.

يقول حنطابلي إن الضجيج العلني من طرف الباعة وسائقي السيارات والدراجات النارية ليلا، ومقيمي الأعراس والأفراح بالألعاب النارية، يعود إلى نقص الوازع الأخلاقي والتربية في الأسرة، حيث أصبح الجزائريون يتحركون في الفضاء دون الشعور بضوابطه.

وأوضح أن العلاقة بين الجزائري والفضاء العمومي غير منسجمة، وأن المدينة لم تعد مراعاة أخلاقية وقواعد عيش تحكمها الأخلاق والقوانين.

ويرى الأستاذ يوسف حنطابلي أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أدت إلى تراكمات في نفسية الشباب، حيث أصبح يصرخ ويحدث الضجيج لإخراج كبت، لم يجد مرافق ترفيهية وثقافية للتخلص منه.

 

الإخلال بالنظام العام يقتصر على مناوشات السكر العلني فقط!

وأكد محامون في تصريح لـ"الشروق"، أن المادة 442 مكرر من قسم المخالفات في قانون العقوبات الجزائري، تعاقب بغرامة مالية قد تتعدى ألف دج لكل متسبب في فوضى وضوضاء، وقال المحامي إبراهيم بهلولي، أستاذ بكلية الحقوق ببن عكنون، إن تطبيق هذه المادة في الجزائر يقتصر في الغالب على بعض المناوشات والشجارات التي تكون متبوعة بشكاوى من طرف الجيران، أو على حالات السكر العلني، وأن ضجيج الأعراس وأبواق المركبات والدرجات النارية وآلات الأشغال المنزلية، وغيرها من التصرفات التي تثير الضوضاء، لم تعد محل اهتمام السلطات. وأوضح أن استعمال المنبهات وبعض الأصوات قد يتم توقيف أصحابه على مستوى السدود الأمنية.

ويرى المحامي لدى المحكمة العليا خالد برغل أن اللوائح والأنظمة الموجودة لا يعار لها الاهتمام من طرف المواطن والسلطات، موضحا أن الإخلال بالنظام العام يستدعي القضاء على الصخب رغم أن تحقيق السكينة يكاد يكون أمرا مستحيلا بسبب اعتياد الجزائريين على الفوضى والضجيج.

وأشار في سياق ذلك إلى أن المحاكم الجزائرية شهدت قضايا اعتداءات وقتل كان وراءها شجارات حول ضجيج أبواق السيارات والدراجات النارية أو الأعراس.

ودعا في السياق، رئيس الاتحادية الوطنية لموظفي الصحة العمومية، خميس علي، إلى تطبيق مرسوم تحقيق السكينة العمومية، وتفعيل القانون من طرف وزارة الداخلية، لما نجم من أمراض عضوية وقلق نفسي جراء التلوث الضوضائي الذي بات يزعج المرضى حتى في المستشفيات العمومية.

 

مشاريع في الأفق.. وتقنيات حديثة في مدن جديدة

وفي انتظار التطبيق الصارم للقوانين الرادعة للفوضى والضجيج، تسعى الدولة لتحقيق السكينة في الأحياء الجديدة، من خلال اعتماد تقنيات حديثة في البناء مع توفير مساحات خضراء وأماكن للعب الأطفال يمتص فيها الصخب، وهذا ما وقفت عليه "الشروق" في بعض الأحياء السكنية الجديدة في الجزائر العاصمة، التي تدخل في إطار سكنات عدل والسكن الترقوي.

وأكد رئيس الجمعية العامة للمقاولين الجزائريين، ميلود خلوفي، لـ"الشروق"، أن المشاريع السكنية الجديدة في الجزائر، خاصة المتعلقة بسكنات "عدل" و"الترقوي"، اعتمدت فيها مكانيزمات العزل الصوتي، عن طريق دعامات وألواح رقيقة بين شقق العمارة، وأبواب خاصة تخفف من التلوث الصوتي. وقال إن مواقع المشاريع السكنية الخاصة بالترقوي، خضعت لدراسات متكاملة قبل إنجاز مخطط البناء.

  • print