دين ودنيا..

ماذا بعد الحجّ؟

date 2017/09/14 views 1020 comments 0
author-picture

icon-writer سلطان بركاني

بدأت الأجواء تتعطّر، والأرجاء تتجمّل، والمطارات تكتسي حلّة بيضاء، بصور حجيج بيت الله الحرام، العائدين إلى أوطانهم وذويهم؛ صور عبادٍ لله مؤمنين، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قد لبسوا البيض من الثياب على أجساد وقلوب ابيضّت من تلك النّفحات والرّحمات التي هبّت عليهم في تلك البقاع، وعلى صحائف ابيضّت بعد أن محيت عنها الذّنوب والخطايا والأوزار.

 

إنّها البداية أخي الحاجّ

إنّها نعمة من أجلّ نعم الله على أولئك الذين اختارهم واصطفاهم من بين مئات الملايين ليفِدوا على بيته ويكونوا من ضيوفه، وهيّأ لهم المال الحلال والرّفقة الصّالحة، وأعانهم، فأدّوا مناسك حجّهم، وعادوا إلى ذويهم سالمين غانمين.

منحة من أغلى المنح وأعزّها، ستبقى آثارها في قلوبهم وأحوالهم متى ما لزموا العهد، وتذكّروا أنّ الحجّ هو البداية وليس النّهاية، بداية حياة جديدة، هي حياة الطّاعة والاستقامة الجادّة والصّادقة على دين الله.

لأجل هذا ينبغي للحاجّ أن يحمد الله، ويعلم أنّ من تمام حمده وشكره أن يثبت على ما كان عليه أيام الحجّ؛ كان الصّالحون إذا وفّق أحدهم لقيام ليلة، يصبح في نهارها صائما، ويجعل صيامه لله شكرا على التّوفيق للقيام، ثمّ يتصدّق في آخر النّهار شكرا لله على التّوفيق للصّيام. هكذا فليكن الحاجّ بقيةَ حياته، من طاعة إلى طاعة، حامدا شاكرا مطيعا ذاكرا، يقول الله تبارك وتعالى: ((فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب)). تأمّل كيف نبّهَ المولى- تبارك وتعالى- الحجّاج إلى كثرة ذكره بعد أداء المناسك، لتبقى قلوبهم على نقاوتها وأرواحهم على طهرها، لئلا يتسلّل إليها الشّيطان مرّة أخرى فيردّها إلى ما كانت عليه قبل الحجّ.

لقد ابيضّت صحيفة الحاجّ بفضل الله، وعاد من حجّه كيوم ولدته أمّه، ومن الغفلة والحرمان أن يعود إلى ما كان عليه قبل الحجّ ويسوّد صحيفته مرّة أخرى، فيكون حاله ((كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً)).

الحاجّ الذي يرجو الله والدّار الآخرة، ينبغي أن يكون أكثر حفاظا على صحيفته التي يلقى بها الله، من ثوبه الأبيض الذي يلقى به النّاس، وأحرص على حجّه منه على ماله وأولاده، فيغلق على نفسه كلّ سبب يمكن أن يقوده إلى الغفلة عن الله والدّار الآخرة، وإن زلّت قدمه في موطن من المواطن، فلْيُعجّل بالتّوبة إلى الله من حينه قبل أن يُكتب الذّنب في صحيفته، ولْيتذكّر أنّ ملك الشمال يرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة.

ليحرصِ الحاجّ على دوام طاعة الله، فالذي رآه وهو في تلك البقاع وأحصى أعماله، يراه وهو في بلده وبين أهله ويحصي عليه كلّ صغيرة وكبيرة.. وليجعلْ نصب عينيه قول نبيّ الهدى صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله)؟ قيل: وكيف يستعمله؟ قال: (يفتح له عمل صالح بين يدي موته، حتى يرضى عنه من حوله). فربّما يكون التّوفيق للحجّ علامة لمحبّة الله لعبده، فلْيحذر كلّ الحذر أن يسقط من عين خالقه ومولاه، ويبدَّل بالقرب بعدا، وبالمحبّة مقتا.

 

عبدا توابا لا ملَكا كريما

بعض الحجّاج يظنّون أنّ الواحد منهم مطالب بأن يتحوّل بعد حجّه إلى ملك من الملائكة الذين ((لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون))، فتجد الواحد منهم تتملّكه الهواجس والوساوس كلّما وقع في ذنب، وربّما يسوّل له الشّيطان أنّ حجّه قد فسد وذهب هباءً منثورا، وهذا خطأ، لأنّ الحاجّ ليس مطالبا وليس في إمكانه أن يتحوّل إلى ملك كريم، فكلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون، وإنّما المطلوب من الحاجّ أن يحرص أشدّ الحرص على تجنّب المعاصي والبعد عن أسبابها ما أمكنه، فإن غلبته نفسه وأخطأ، فينبغي له أن يسارع إلى التّوبة، ويستغفر الله ويكثر من الأعمال الصّالحة ليُمحَى ذلك الخطأ من صحيفته: ((إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً)). المهمّ أن يكون ندمه على ذنبه لله، وخوفا من الله، وليس لأنّه يخشى أن يتّهمه النّاس بالنّفاق ويطعنوا في حجّه.

 

إلى الذين يترصّدون أخطاء الحجّاج

بعض النّاس- وأكثرهم ممّن حَرموا أنفسهم الحجّ- لا هَمّ لهم إلا ترصّد أخطاء الحجّاج، ليجعلوا من الحبّة قبّة، ويصدّوا النّاس عن هذا الرّكن العظيم من أركان الإسلام، تجد الواحد منهم قد جاوز الخمسين والستّين من عمره، ومع ذلك يرفض أن يحجّ، فإذا ما سئل عن السّبب، قال: أنا لا أريد أن أكون كأولئك الذين يحجّون ثمّ ينافقون ويعودون إلى المعاصي والذّنوب. وهذا من تلبيس إبليس، لأنّ الذي يحجّ ويذنب خير من الذي لا يحجّ ويذنب. وكفى بترك الحجّ ذنبا وإثما عند الله.

صحيح أنّ الحجّ أصبح عند بعض المترفين لهدف وغرض واحد هو حمل لقب "الحاجّ"، وربّما التّغطية على بعض الأعمال المشبوهة التي يواقعونها، ولكنّ صنيع هؤلاء لا يجوز أن يكون مبرّرا لترك ركن من أركان الإسلام، فكلّ عبد سيأتي الله وحده ويحاسب وحده، ولا عذر لأحد في تقصير المقصّرين، كما أنّه لا فائدة له في إحسان المحسنين فـ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)).

  • print