المجتمع السعودي صراع وأجيال !! الجزء(1)

date 2017/09/16 views 2277 comments 18

ونقصد بالمجتمع السعودي، الشعب والنظام ومؤسساته وأعيانه ونخبه وكل مكوناته، إذ لكل ذلك دور وأثر فيما يقع فيه من تحولات وتغييرات سلبية كانت أو إيجابية، في السابق وفي الحاضر وفي المستقبل، والعادة في المجتمعات أنها أجيال تتصارع وتتنافس فيما بينها وتتوارث القيم، بينما المجتمع السعودي رغم التغيرات التي شهدها في عدد السكان وفي المستوى العلمي والثقافي حكم خلال 85 سنة -1932/2017-، بجيلين: جيل الملك عبد العزيز المؤسس للدولة الحديثة، وجيل أبنائه، من الملك سعود إلى الملك سلمان الملك الحالي. والجيل الثاني الذي يمثله أبناء عبد العزيز في مجملهم يحملون نفَسًا واحدا في تصورهم للدولة، وتقارب السن بينهم يجعلهم ينظرون للأمور بمستوى متقارب أيضا، ولذلك نلاحظ أن جوهر الدولة لم يتغير، ونظرتهم إلى الدين وموقعه في منظومة الحكم لم تتغير، وموقفهم من المؤسسة الدينية كذلك متشابهة، وموقفهم من التيار اللبيرالي يكاد يكون موقفا واحدا.

وبمبايعة محمد بن سلمان يكون النظام قد أشرف على نقل السلطة من جيل إلى جيل جديد، لتخرج بذلك الدولة السعودية من عهد إلى عهد جديد مختلف تماما عن الجيل الذي قبله؛ بل إن المجتمع اليوم مقبل على تغييرات قد تكون جذرية على جميع المستويات، وما يشاهده العالم من اضطرابات في السعودية اليوم، هو نتيجة طبيعية للحراك القائم في المجتمع السعودي منذ عقود، كما سنرى يظهر ويختفي في مناسبات معينة وبأشكال مختلفة.

فالمجتمع السعودي تميز عن غيره من المجتمعات المسلمة بإنشاء نظام اجتماعي سياسي مبني على سلطتين: سلطة سياسية يشرف على السياسيون وهم آل سعود، الذين شرعوا في إنشائها منذ حولي قنين، وسلطة دينية يشرف عليها آل الشيخ الذين تحالفوا معهم منذ ذلك الوقت تقريبا، وسارت على هذا التوافق ردحا من الزمن، لا يمكن لإحدى السلطتين أن تتجاوز الأخرى في شأن من الشؤون، اعتقادا بصحة ذلك وضرورته، وليس تكتيكا، لا سيما في المراحل التي سبقت تأسيس الدولة الحديثة سنة 1932، حيث كانت الدولة تعمل على جمع القبائل في إطار واحد، لمواجهة السلطة القائمة "السلطة العثمانية"، وفي بناء مجتمع، وتقبل المجتمع هذا التوافق وتفاعل معه، لا سيما والمجتمع السعودي مجتمع قبلي ومحافظ لا يجد أقوى من الدين حماية له ولمستقبله، فضلا عن أن هذا الدين مسند بالسلطة السياسية.

فالسلطة السياسية تقوم على الشأن السياسي وهي في الحقيقة وفي طبيعتها لا تختلف كثيرا عن غيرها من أنظمة العالم الإسلامي، في تعاملها مع الشعب وفي علاقاتها الدولية وفي موقفها من قضايا الأمة والمسائل التنموية، مع اختلافات بسيطة في علاقتها بالسلطة الدينية التي تعتبر شريكا لها، وفروق طفيفة أيضا بين ملوكها من الملك سعود إلى الملك سلمان في بعض الأمور المتعلقة بقضايا المسلمين في العالم وفي أمور التنمية المحلية، وما يقال عن الأنظمة العربية الإسلامية من استبداد سلطوي وتهميش للشعب وضعف تنمية ونجاحات وإخفاقات يقال عن النظام السعودي فهو نظام ليس أفضل من غيره من أنظمتنا المترهلة ولا هو أسوأ منها، ولذلك لا أجدني مضطرا للتوغل في ذكر محاسنه أو مساوئه، وإنما سأقف أكثر عند أثر هذا الذي تميز به النظام السعودي عن غيره من دول العالم، وهو جعل السلطة الدينية شريكا لها في إدارة الشأن العام، بتوزيع المهام حسب التخصص.

والسلطة الدينية مهمتها رعاية الدين، بالمحافظة على الشريعة وكل ما تعلق بها من مصالح الدولة والمجتمع، مثل التعليم الديني في المنظومة التربوية والقضاء والدعوة إلى الإسلام في العالم ومناصرة الأقليات المسلمة في العالم، وربما اعتقد الناس في مرحلة ما أن السعودية هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تطبق الإسلام، بعد سقوط الخلافة؛ لأن المجتمع السعودي الرسمي والشعبي لم تعرف جدلا في الموضوع، باعتبار أن قضية الإسلام من مسلمات الحياة في المجتمع ومؤسساته، إلا في فترة لاحقة، حيث وجدت نخبة من اللبيراليين تبنت طروحات مغايرة وبدأت تجهر بها في وسائل الإعلام وفي المناسبات والأنشطة الثقافية.

وأثر ذلك التحالف بين آل سعود وآل الشيخ، والتوافق السياسي والديني مشاهد في كل ما قامت به المملكة العربية السعودية في العالم، من إقامة صروح دينية ثقافية، بواسطة ملحقاتها الثقافية التابعة للسفارات، أو بواسطة رابطة العالم الإسلامي، التي بقيت لها خالصة من دون دول العالم الإسلامي، فأنشأت المساجد ودعمت الأقليات الإسلامية، ووزعت المنشورات، كتبا ومطويات وكتيبات جيب...إلخ، وتبنت طلبة وعلمتهم لا سيما في العلوم الشرعية، حيث أهملت الكثير من دول العالم الإسلامي التعليم الديني، فاغتنمت الدولة السعودية هذه الفرصة للترويج لمنهجها الإصلاحي الذي رأته، بحيث كان الشاب يدخل السعودية بصفة ويخرج منها بصفة أخرى مختلفة تماما على الصفة التي دخل بها إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

ونحن هنا لسنا بصدد تقييم التجربة وإنما نريد الوقوف عند منعرجات هامة مر بها المجتمع السعودي، تساعد المرء على فهم لما يقع اليوم في المنطقة وفي السعودية تحديدا، وهي منعرجات يمكن اختزالها في المراحل التالية:

مرحلة التأسيس

وهي المرحلة التي تمتد من سنة 1932 إلى سنة 1953، على يد الملك عبد العزيز آل سعود، وقد أطلق على هذا التأسيس اسم الدولة السعودية الثالثة، إذ سبقها تأسيسان من قبل، ولكن لم يكونا بهذا الحجم والقدر من الجمع بين القبائل، وهي الدولة التي جمعت القبائل ولملمت شتات القرى والمداشر في إطار دولة نعرفها اليوم بالمملكة العربية السعودية، وقد كان العمود الفقري لهذه الدولة السلطة الدينية إلى جانب السلطة السياسية، المتمثلة في الحركة الوهابية لمؤسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه، وهي حركة إصلاحية نشأت كغيرها من الحركات التي نشأت في العالم الإسلامي بقصد إعادة الدين إلى مساره الصحيح، ونفي ما علق به من بدع ومفاسد، وهي ليست مذهبا دينيا كما يروج، وإنما هي حركة إصلاحية، تتبنى المذهب الحنبلي في الفقه ومذهب أهل الحديث والظاهرية في العقيدة، وقد تم التوافق بين الجهتين –آل سعود وآل الشيخ- قبل هذا التاريخ بكثير، واستمر لأنه مبني على مبايعة كل منهما للأخر، أحدهما بايع على السمع والطاعة، والآخر بايع على نشر الدعوة الوهابية عند التمكين وقد تم التمكين في صيغته النهائية في سنة 1932، واستمر إلى الآن.

في هذه المرحلة تمكنت الدولة من بناء مؤسساتها ومن بسط نفوذها، وفي نفس الوقت تبنت خطاب الحركة الوهابية كمنهج في الإصلاح الديني، الذي ركز على تنقية التوحيد مما علق به من بدع وخرافات فيما عرف بعد ذلك بالتيار السلفي، الذي يسوق منتوجه الفكري على أنه منهج السلف وطريقة القرون المفضلة التي زكاها النبي صلى الله عليه وسلم، هذا في الجانب الحركي الإصلاحي، كما تبنى غيرهم من المجتمعات الإسلامية صيغ أخرى للإصلاح منها السياسي ومنها التربوي الدعوي العام ومنها التربية الصوفية...إلخ، أما من ناحية الممارسة الدينية فإن الوهابيين كانوا مذهبيين كغيرهم من أبناء الأمة، فلم يخرجوا عن طريقة الحنابلة قيد أنملة في الفروع وفي الأصول، بمن في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله، اللذان يسوقان على أنهما تجاوزا مرحلة التمذهب وانتقلا من إلى مستوى الاجتهاد المطلق.

  • print