أدخِلوا الشّعب إلى مصحّة نفسية؟!

date 2017/09/17 views 1150 comments 5
محمد حمادي

الصدمات التي خلخلت المنظومة النفسية للجزائريين منذ الدخول الاجتماعي، وجعلتهم يقعون فريسة سهلة للإحباط الممزوج بالخوف ممّا هو آت، أبانت كم نحن أوفياء للبؤس والشقاء وصناعة اليأس بدل الأمل في بلد يكتنز الخيرات ويملك إطارات بإمكانها أن تقود سفينة البلد إلى برّ الأمان؟!

الجزائريون، الذين كانوا يمنُّون النفس بدخول اجتماعي هادئ يبعث لديهم الأمل في غد أفضل، سرعان ما سقطت أمانيهم في الماء، ليجدوا أنفسهم أمام مشاكل لا حصر لها، مسّت جميع القطاعات الحسّاسة في البلاد. كيف لا وهم الذين استفاقوا على صدمة تهاوي الدينار أمام العملات الأجنبية، الذي لم يسبق له مثيلٌ منذ الاستقلال، ثم وجدوا أنفسهم أمام معضلة أخرى، وهي الكتب المدرسية التي شكل غيابها لغزا محيٍّرا، وقبلها البسمة التي انتزعت من الكتب وما أثارته من لغط كبير، ليُفاجأ بعدها المكتتبون في صيغة عدل2 الذين انتظروا طويلا ليتحقق حلم السكن، بأن مشاريع إسكانهم لم تنطلق بعد، وسيحالون على "الترقوي المدعم" وما سينجرُّ عنه من أعباء مالية إضافية ليس بوسع الكثير منهم تسديدها؟!

 هي إذن صدماتٌ ليست كالصدمات، بصمت على أسوإ دخول اجتماعي بشهادة المراقبين والمتابعين لشؤون تسيير البلد؛ فلماذا يضرب في كل مرّة المسؤولون الفاشلون في بلادنا موعدا لأبناء جلدتهم مع الشقاء والمعاناة؟ ماذا يريد هؤلاء من هذا الشعب؟ ألا يكفيهم ما يتجرَّعه من مرارة على كافة الأصعدة؟

الحقيقة هي أن كثيرا ممّن أسندت إليهم مهام تسيير شؤون البلاد والعباد، تجمعوا وتحالفوا ليخرقوا سفينة البلد ويغرقوا من كان على متنها؛ فكل القطاعات مريضة وموبوءة بداء اسمه التسيير العشوائي وغياب استراتيجية واضحة المعالم بإمكانها مواجهة الأزمات أو التقليل من حدتها على الأقل. والسؤال المحيّر: كيف تعجز وزارة التربية عن تأمين الكتب للتلاميذ؟ كان الأجدر حل الإشكال قبل عطلة الصيف كما هو معمول به في كثير من الدول التي تقدِّس العلم والمعرفة، لا انتظار الدخول المدرسي، ليصدم أولياء التلاميذ بكابوس اسمه انعدام الكتاب، ما اضطرهم إلى البقاء ساعات طويلة في طوابير مكتظة تحت أشعة الشمس الحارقة أمام مراكز التوزيع، قبل أن يُصدَموا بأنّ الكتاب غير موجود وتوفيره ضربٌ من المستحيل، حتى إن بعضهم راح يصرخ: نحن بين مطرقة غياب الكتب والأساتذة الذين يجبرون أبناءنا على جلبها، فماذا نحن فاعلون؟ هو سؤال لم يجد له إجابة هؤلاء الأولياء الذين تحالفت ضدّ كثير منهم منغصات الحياة، فلا سكن، ولا راتب محترما، ولا خدمات طبية راقية...

مثل هذه الممارسات التي تصنّف في خانة التسيير الأعرج لشؤون الرّعية، خلفت حالة من اليأس والإحباط لدى الجزائريين، الذين تحوّلوا إلى خزان بارود قابل للانفجار في أيِّ لحظة، نظرا إلى حجم المثبِّطات والمنغِّصات التي جعلتهم كائنات منرفزة تتشاجر مع الجميع ومع نفسها أحيانا، من فرط الضغوط التي تواجهها يوميا.

لذلك، فإن الشعب أصبح في حاجة إلى أن يدخل إلى مصحة نفسية وبطريقة مستعجلة، ليُعالج آثار الصدمات المتتالية التي أحدثت اختلالات كبيرة في منظومته الفكرية والروحية، جراء قرارات ارتجالية وعشوائية جعلت كل شيء مستحيلا في هذا البلد.

  • print