الحلقة الخامسة والعشرون: تعقيب وملاحظات على كلام الشهيد سيد قطب
وأقول للأستاذ رحمه الله: إن عصرنا هذا قد أتاح لنا أن نخاطب عقل الإنسان وقلبه في أنحاء العالم، بوسائل شتَّى: بالإذاعات الموجَّهة، والقنوات الفضائية، وشبكة الإنترنت، والرسائل المكتوبة بشتَّى اللغات، وهذه تحتاج منا إلى جيوش جرَّارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدرَّبين، القادرين على مخاطبة الناس بلغاتهم، وبلسان عصرهم، وأساليب زمنهم،
عدد القراءات : 7848
سبر آراء
كيف تنظر الى المظاهرات والمسيرات، هل هي

طالع أيضا
المقالات الأكثر تصفحا
المقالات الأكثر تعليقا
الشيخ يوسف القرضاوي
التعليقات (15 تعليقات سابقة):
ان وسائل الاعلام , من فضائيات و اذاعات و انترنت...,و التي تمدحها ياسيدي , هي السبب الرئيس الذي مسخ الامة و جعلها تتيه في احضان الردة و الرذيلة و الميوعة ..... و هي تستخف بالدين و تهزأ من اصحابه ليل نهار....كيف تريد من من يحارب الدين ان يخدم هذا الدين ؟؟؟...القناطير المقنطرة من البرامج الهدامة, المسعورة, المشوهة للاسلام تبثها يوميا هذه الوسائل ...اما دروسك و دروس غيرك من الدعاة ما هي الا نقطة في بحر لا تسمن و تغني من الجوع ...وهل يسمح للناس المخلصين ان يستعملوا هذه الوسائل لقول كلمة حق و مخاطبة الشعوب قصد توعيتها بدينها الحقيقي ؟؟؟...الاف الدعاة و العلماء محرم عليهم الاقتراب من هذه الوسائل.....لان القوة الحاكمة ترفض من يوعي الناس و يخرجهم من غفلتهم و استعبادهم....اما سياسة الترقيع و المخادعة لن ترجع الامة الى مجدها و قيادتها للبشرية من جديد.
ان سيد قطب ذلك الرجل الضعيف جسميا العظيم فكريا استطاع ان يهز العالم من اقصاه الى اقصاه بصدقه مع ربه و اخلاصه في دعوته رغم مكائد الطغاة و اعداء الامة...لا يمكن لاحد ان يتطاول على هذا الرجل الفذ خاصة انه التحق بجوار ربه ...و من اخلاق المسلم ان يذكر محاسن امواته كما وصى به رسولنا الكريم صل الله عليه و سلم بدلا من الطعن في كل قائل حق .
ان الشيخ القرضاوي اساء الى سيد الشهيد مرات عديدة كانه هو السبب في احتلال فلسطبن او انه كان وراء انحطاط الامة و وصولها الى اسف سافلين ....كتابات سيد و سيرته الحافة بالتضحيات كانت كلها تعبر عن عزة و كرامة الامة و الطريق الصحيح لاعادة الامة لمجدها و ريادتها للبشرية كما كانت قرونا طوالا .
ان سيد قطب لم يكفر لا فردا بعينه ولا جماعة و لا مجتمعا حتى جمال عبد الناصر الذي اعدمه ظلما لم يذكره في كل كتاباته ....الذي فعله الشهيد سيد قطب هواحياء الميزان الذي يجب ان يستعمله كل فرد او جماعة او مجتمع للتعرف على مدى درجة الاستقامة حسب ما جاء به محمد عليه الصلاة و السلام ..فان وجد الانسان نفسه على الطريق السوي فيحمد الله و ليواصل المسيرة. و ان وجد غير ذالك فيتب و ينهج سبيل الاسلام...هذا هو منهج سيد رحمه الله .
ان العلماء ان أخطأوا( وهم بشر) فلهم أجر و ان أصابوا فلهم أجران أما المعادون لهم فقد اذنهم الله بحرب والله المستعان.
والسلام
سيد قطب وتكفير المجتمعات الإسلامية
يقول في كتابه "معالم في الطريق":
"وأخيراً؛ يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة!.
وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار؛ لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا أنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضاً([1])، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها؛ فهي – وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله – تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها... وكل مقومات حياتها تقريباً!
والله سبحانه يقول عن الحاكمين:
]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ[([2]).
ويقول عن المحكومين:
]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([3]).
كما أنه سبحانه قد وصف اليهود والنصارى من قبل بالشرك والكفر والحيدة عن عبادة الله وحده واتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دونه لمجرد أن جعلوا للأحبار والرهبان ما يجعله الذين يقولون عن أنفسهم أنهم مسلمون لناس منهم! واعتبر الله سبحانه ذلك من اليهود والنصارى شركاً؛ كاتخاذهم عيسى ابن مريم رباً يؤلهونه ويعبدونه سواء؛ فهذه كتلك: خروج من العبودية لله وحده، فهي خروج من دين الله، ومن شهادة أن لا إله إلا الله([4]).
وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة علمانيته وعدم علاقته بالدين أصلاً، وبعضها يعلن أنه يحترم الدين، ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلاً، ويقول: إنه ينكر الغيبية، ويقيم نظامه على العلمية؛ باعتبار أن العلمية تناقض الغيبية! وهو زعم جاهل، لا يقول به إلا الجهال([5])، وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله، ويشرع ما يشاء، ثم يقول عما يشرعه من عند نفسه: هذه شريعة الله! وكلها سواء في أنها لا تقوم على العبودية لله وحده...
وإذا تعين هذا؛ فإن موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة:
إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره"!!..
قلت: يلاحظ أن سيد قطب في هذا الموضع، وفي جميع كتاباته في "الظلال" وغيره؛ أنه لا يعبأ بشرك القبور، والغلو في أهل البيت وفي الأولياء بالاعتقاد بأنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون، وبتقديم القرابين لهم، وإراقة الدموع والخشوع عند عتباتهم، ودعائهم والاستغاثة بهم لكشف الكروب وإزالة الخطوب، وشد الرحال والحج إلى قبورهم، والطواف بها، والاعتكاف حولها، وإقامة الأضرحة والمشاهد، وتشييد القباب بالأموال الطائلة لها، وغير ذلك من التصرفات.
ولا يحاسب الناس إلا على مخالفة الحاكمية، ولا يدور في تفسيره لـ (لا إله إلا الله) إلا على الحاكمية والسلطة والربوبية؛ مفرغاً لا إله إلا الله عن معناها الأساسي الذي جاءت به جميع الكتب وجميع الرسل، ودان به علماء الإسلام مفسرون ومحدثون وفقهاء، ولا يكفر الناس إلا بالعلمنة وما تفرع عنها، ويبالغ في هذا أشد المبالغة؛ لأنها ضد الحاكمية في نظره، ويرمي المجتمعات الإسلامية بالكفر من هذا المنطلق، فيكون كلامه حقاً في العلمانيين فعلاً، وهم قلة في المجتمع، ويكون كلامه باطلاً وظلماً بالنسبة للسواد الأعظم من الناس؛ فإن كثيراً منهم يعادون العلمنة، ويبغضون أهلها إذا عرفوهم بذلك، وكثير منهم لا يعرفون هذه العلمنة، فهم مسلمون في الجملة، وعندهم خرافات وبدع، فإذا عُرِّفوا بها؛ حاربوها وأهلها حاكمين أو محكومين، أحزاباً أو أفراداً.
وبالجملة؛ فسيد سلك مسلكاً في تكفير الناس لا يقره عليه عالم مسلم([6])؛ يرسل الكلام على عواهنه في باب الحاكمية، ويكفر عامة الناس بدون ذنب وبدون إقامة حجة وبدون التفات إلى تفصيلات العلماء في هذا الباب، هذا من جهة. ولا يعبأ بشرك القبور الذي يرتكبه الروافض وغلاة الصوفية ومن تابعهم من جهة أخرى، ولا يرى – في
هذا الموضوع وفي كثير من المواضع – هذه الشركيات منافية لمعنى لا إله إلا الله!.
لذا ترى الخوارج والروافض وكثيراً من أهل البدع والأهواء يرحبون بمنهجه وبكتبه، ويفرحون ويعتزون بها، ويستشهدون بأقواله وتفسيراته، وإني لأرجو لكل مسلم صادق في دينه، خصوصاً الشباب الذين انخدعوا بمنهج سيد قطب أن يمن الله عليهم بجوده وفضله، فيدركوا ما وقعوا فيه من خطأ وبعد عن فقه الكتاب والسنة، وفقه سلف الأمة، فيعودوا إلى رحاب الحق والعلم والفهم الصحيح.
اعتبار سيد قطب مساجد المسلمين معابد جاهلية إنطلاقاً من تكفير مجتمعاتهم واعتبارها جاهلية:
قال سيد قطب في تفسير قول الله تعالى: ]وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ[([7])؛ قال([8]):
وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية، وهما ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات، ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ماتزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئاً كثيراً في ساعة الشدة.
وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة، وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة، وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة، وهنا يرشدنا الله إلى أمور:
1 – اعتزال الجاهلية نتنها وفسادها وشرها ما أمكن في ذلك، وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها.
2 – اعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور".
فأي تكفير بعد هذا؟!
وقد ينظر هذا الرجل إلى بعض الأعمال الإسلامية، وإلى المعتقدات الإسلامية الصحيحة، فيراها جاهلية وضلالاً!!.
أليس هذا منه سعياً في تخريب مساجد الله، وتعطيل أعظم شعائر الإسلام؟!
هذا الرجل؛ لو عاش في بلاد التوحيد؛ لرآها تعيش في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء.
قال سيد عند آية ]وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ[([9])، وذكر الشرك الخفي:
"وهذا الشرك الواضح الظاهر، وهو الدينونة لغير الله في شأن من شؤون الحياة، الدينونة في شرع يتحاكم إليه، وهو نص في الشرك لا يجادل عليه، والدينونة في تقليد من التقاليد؛ كاتخاذ أعياد ومواسم يشرعها الناس ولم يشرعها الله، والدينونة في زي من الأزياء([10]) يخالف ما أمر الله به من الستر، ويكشف أو يحدد العورات التي نصت شريعة الله أن تستر.
والأمر في مثل هذه الشؤون يتجاوز منطقة الإثم والذنب بالمخالفة حين يكون طاعة وخضوعاً ودينونة لعرف اجتماعي سائد من صنع العبيد، وتركاً للأمر الواضح الصادر من رب العبيد... إنه عندئذ لا يكون ذنباً، ولكنه يكون شرعاً؛ لأنه يدل على الدينونة لغير الله فيما يخالف أمر الله... وهو من هذه الناحية أمر خطير... ومن ثم يقول الله: ]وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ[([11])"([12]).
وفي هذا الكلام أمران خطيران:
أولهما: تكفير المجتمعات الإسلامية بالمعاصي والمخالفات الواقعة في العادات والتقاليد والأزياء، وهذا المذهب أشد وأخطر من مذهب الخوارج.
وثانيهما: تفسير القرآن بغير ما أراده الله بالشرك، إذ المراد بالشرك هنا ما استقر في القرآن والسنة وعرفه المسلمون، وهو الشرك الأكبر المطلق، وهو اتخاذ أنداد مع الله يستغاث بهم ويذبح لهم ويتقرب إليهم ويصرف لهم حق الله من العبادات التي أمرهم الله أن يعبدوه بها ويخلصوا بها الدين لله.
شرك العرب الحقيقي والأساسي عند سيد قطب إنما هو في الحاكمية فقط، وليس في العبادة والاعتقاد:
قال سيد:
"فهكذا كان تصورهم للحقيقة الإلهية، واستحضارهم لها في كل مناسبة، ولم يكن أمرهم أنهم لايعرفون الله، أو لا يعرفون أنه ما لأحد بالله من طاقة، أو لا يعرفون أنه هو الذي يحكم ويفصل بين الجبهتين حيث لا راد لحكمه! إنما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداء في تلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، الذي يعرفونه ويعترفون به على هذا النحو... الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوام يظنون أنهم مسلمون – على دين محمد – كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين أبيهم إبراهيم! حتى لكان أبوجهل – وهو أبوجهل – يستفتح على الله، فيقول: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف – وفي رواية: اللهم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم – فأحنه الغداة"!
فأما تلك الأصنام التي عرف أنهم يعبدونها؛ فما كان ذلك قط لاعتقادهم بألوهية لها كألوهية الله سبحانه، ولقد صرح القرآن الكريم بحقيقة تصورهم الاعتقادي فيها، وبسبب تقديمهم الشعائر لها في قوله تعالى: ] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى… [([13])؛ فهذا كان مبلغ تصورهم لها... مجرد شفعاء عند الله... وماكان شركهم الحقيقي من هذه الجهة، ولا كان إسلام من أسلم منهم متمثلاً في مجرد التخلي عن الاستشفاع بهذه الأصنام، وإلا فإن الحنفاء الذين اعتزلوا عبادة الأصنام هذه وقدموا الشعائر لله وحده ما اعتبروا مسلمين! إنما تمثل الإسلام في الاعتقاد والشعائر وإفراد الله سبحانه بالحاكمية، والذين لا يفردون الله سبحانه بالحاكمية – في أي زمان وفي أي مكان – هم مشركون، لا يخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله – مجرد اعتقاد-، ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده... فإلى هنا يكونون كالحنفاء الذين لم يعتبرهم أحد مسلمين، إنما يعتبر الناس مسلمين حين يتمون حلقات السلسلة، أي حين يضمون إلى الاعتقاد والشعائر إفراد الله سبحانه بالحاكمية، ورفضهم الاعتراف بشرعية حكم أو قانون أو وضع أو قيمة أو تقليد لم يصدر عن الله وحده... وهذا وحده هو الإسلام؛ لأنه وحده مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ كما عرف هذا المدلول في الاعتقاد الإسلامي وفي الواقع الإسلامي سواء!... ثم أن يتجمع هؤلاء الذين يشهدون أن لا إله إلا الله على هذا النحو وبهذا المدلول في تجمع حركي بقيادة مسلمة، وينسلخوا من التجمع الجاهلي وقيادته الجاهلية!.
وهذا ما ينبغي أن يتبينه الذين يريدون أن يكونوا مسلمين، فلا تخدعهم عن حقيقة ماهم فيه خدعة أنهم مسلمون اعتقاداً وتعبداً؛ فإن هذا وحده لا يجعل الناس مسلمين مالم يتحقق لهم أنهم يفردون الله سبحانه بالحاكمية، ويرفضون حاكمية العبيد، ويخلعون ولاءهم للمجتمع الجاهلي ولقيادته الجاهلية.
إن كثيراً من المخلصين الطيبين تخدعهم هذه الخدعة... وهم يريدون لأنفسهم الإسلام، ولكنهم يُخدعون عنه، فأولى لهم أن يستيقنوا صورة الإسلام الحقيقية والوحيدة، وأن يعرفوا أن المشركين من العرب الذين يحملون اسم المشركين لم يكونوا يختلفون عنهم في شيء! فلقد كانوا يعرفون الله بحقيقته – كما تبين -، ويقدمون له شفعاء من أصنامهم، وكان شركهم الأساسي يتمثل – لا في الاعتقاد – ولكن في الحاكمية([14]).
وإذا كان ينبغي للطيبين المخلصين الذين يريدون أن يكونوا مسلمين أن يتبينوا هذه الحقيقة؛ فإن العصبة المسلمة التي تجاهد لإعادة نشأة هذا الدين في الأرض في عالم الواقع يجب أن تستيقن هذه الحقيقة بوضوح وعمق، ويجب ألا تتلجلج فيها أي تلجلج، ويجب أن تعرف الناس بها تعريفاً صريحاً واضحاً جازماً... فهذه هي نقطة البدء والانطلاق... فإذا انحرفت الحركة عنها – منذ البدء – أدنى انحراف؛ ضلت طريقها كله، وبنت على غير أساس، مهما توافر لها من الإخلاص بعد ذلك والصبر والتصميم على المضي في الطريق!"([15]).
فترى الرجل يضطرب ويتناقض في هذا الموضع، ولكنه ينتهي إلى تقرير أن الشرك الحقيقي والأساسي إنما يتمثل في الحاكمية، لا في الاعتقاد، وهذه هي القاعدة الخطيرة التي ينطلق منها اليوم كثير ممن يسمون بالدعاة إلى الإسلام، في الضياع توحيد الأنبياء!.
انظر قوله: "... فهذا كان مبلغ تصورهم لها (أي: الأصنام)... مجرد شفعاء عند الله... وما كان شركهم الحقيقي من هذه الجهة، ولا كان إسلام من أسلم منهم متمثلاً في مجرد التخلي عن الاستشفاع بهذه الأصنام، وإلا؛ فإن الحنفاء الذين اعتزلوا عبادة الأصنام هذه وقدموا لله وحدة الشعائر ما اعتبروا مسلمين"!
أقول: هذه حال معظم الأنبياء والرسل وأممهم، حيث لم تكن لهم دول ولا حكومات، ويأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه الرهيط، والرجل، والرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد...
وهذا يكشف لنا سر تهاون سيد قطب بالشرك الأكبر، الشرك الاعتقادي، شرك القبور، والشرك في العبادة، الذي حاربه الرسل جميعاً، والذي هو محور الصراع بينهم وبين أقوامهم.
ومن موقف سيد قطب هذا من عبادة الأوثان ندرك أنه أقل حساسية وأقل مبالاة ضد عبادة الأوثان من الروافض والقبوريين؛ لأن هؤلاء لا يشكون ولا يترددون في الحكم على عبادة الأوثان أنها أعظم الذنوب، وأنها الشرك الأكبر، ولا يهونون من شأنه؛ مثل سيد، أما سيد؛ فحاله وموقفه كما رأيت مع الأسف الشديد.
ومن هنا ندرك سر اهتمام أتباعه بالسياسة والحاكمية، وتجنيدهم كل طاقاتهم وإمكاناتهم في سبيلهما، وتوجيه الأمة لهما، ورمي من اشتغل بغيرهما من التوحيد وفروض الأعيان والكفايات من أمور الإسلام بالعلمنة، واستخفافهم بدعاة التوحيد وإخلاص العبادة لله على طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام، واتباعاً لتوجيهات القرآن الكريم المنزل من رب العالمين، يستخفون بهم وبدعوتهم، ويعتبرون ذلك من الانشغال بالجزئيات، ويسمون الشرك الأكبر بالشرك البدائي والشعبي، وما يسمونه هم شركاً ويتخيلونه بالشرك الحضاري، ويلبسون على الناس دينهم وعقائدهم، ويزعمون لهم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما كانوا على منهج قطب وأمثاله، همهم الأكبر ودعوتهم الأساسية إنما هما الصراع السياسي والمصارعة على الكراسي، ومحاربة القصور لا الأوثان والقبور، فاللهم أنقذ دينك وأمة الإسلام من هذا الخبط والتلبيس والحيل والتدليس.
وأما قوله: "إن الحنفاء ماكانوا مسلمين"؛ ففي غاية المجازفة والقول على الله وعلى الإسلام بغير علم، ومن البراهين الواضحة على استهانته بالتوحيد، واستهانته بالشرك الأكبر!.
كيف يقول هذا في قوم بذلوا غاية وسعهم في الفرار من غضب الله والفرار من الشرك الأكبر والفرار من النار من دون داع يدعوهم إلى الله، بل ذلك بدافع من فطرتهم السليمة وعقولهم المستقيمة، بل قبل ذلك برعاية الله لهم وتوفيقه إياهم، بهذا وذاك خرجوا من الجاهلية والشرك إلى التوحيد والحنيفية دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي قال الله في شأنه لنبيه الكريم:
]قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ[([16]).
أفمن كان على هذا الدين وهذه الملة يقال: إنه ليس من المسلمين؟!
فهذا زيد بن عمرو بن نفيل، أحد الحنفاء، يروي البخاري([17]) قصته عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: "إن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم؛ فأخبرني؟ فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله. فقال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، أنى أستطيعه؟! فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم؛ لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد، فلقي عالماً من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله. قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام؛ خرج، فلما برز؛ رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم".
أفبعد هذا الجد والإلحاح في طلب الحق واختياره بعد رفــض
الشرك واليهودية والنصرانية يقال فيه وفي أمثاله من الحنفاء([18]): إنهم ليسوا بمسلمين؟!
وقد روى البخاري عن ابن عمر عن زيد بن عمرو: أنه كان ينكر على قريش الذبح للأوثان.
وقال ابن كثير: وكان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الأوثان، وفارق دينهم، وكان لا يأكل إلا ماذبح على اسم الله وحده([19]).
وقال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر؛ قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو ابن نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة؛ يقول: يامعشر قريش! والذي نفس زيد بيده؛ ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكنني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته"([20]).
وروى ابن كثير رحلة زيد بن عمرو في البحث عن الدين الحق نحواً مما روى البخاري، وفي آخرها: "قال زيد: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، عليه أحيا وعليه أموت، فذكر شأنه للنبي e، فقال: "هو أمة وحده"([21])".
ثم قال ابن كثير: "إن ابن عساكر أورد من طرق متعددة عن رسول الله e أنه قال: "يبعث يوم القيامة أمة وحده"".
ثم ساق ابن كثير طريقاً عن مجالد عن الشعبي عن جابر؛ قال: سئل رسول الله e عن زيد بن عمرو بن نفيل: أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية، ويقول: إلهي إلهُ إبراهيم، وديني دين إبراهيم، ويسجد، فقال رسول الله e: "يحشر ذاك أمة وحده بيني وبين عيسى بن مريم"، ثم قال: "إسناده جيد"([22]).
وقال الحافظ ابن حجر: "وكان (يعني زيداً) ممن يطلب التوحيد وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل المبعث، فروى محمد بن سعد والفاكهي من حديث عامر بن ربيعة (وساق قصة طويلة عنه، وفيها قال النبي e: "ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً""([23]).
وقال الحافظ: "وروى البزار والطبراني من حديث زيد بن عمرو (وذكر قصته، وفي آخرها قال سعيد بن زيد: فسألت أنا وعمر رسول الله e عن زيد، فقال: "غفر الله له ورحم؛ فإنه مات على دين إبراهيم".
فهذا حاله وواقعه في نظر الإسلام وعلمائه، ومثله كل من مات على الحنيفية، وذلك يخالف ما يراه سيد قطب الذي لا يرى للتوحيد والكفر بالأوثان كبير قيمة ولا كبير وزن. والله المستعان.
وانظر مرة أخرى إلى قوله – بعد تمهيد خطير فيه أن المسلمين اعتقاداً أو تعبداً ليسوا مسلمين، ولا فرق بينهم وبين مشركي العرب في الجاهلية –؛ يقول:
"فأولى لهم أن يستيقنوا صورة الإسلام الحقيقية الوحيدة، وأن يعرفوا أن المشركين من العرب الذين يحملون اسم المشركين لم يكونوا يختلفون عنهم في شيء؛ فلقد كانوا يعرفون الله بحقيقته – كما تبين -، ويقدمون له شفعاء من أصنامهم، وكان شركهم الأساسي يتمثل لا في الاعتقاد، ولكن في الحاكمية"!!
ألا ترى في قوله هذا أكبر مغالطة ومجازفة؟!
ألا ترى في محاولة إبعاد الشرك الاعتقادي والعبادي عن ميدان الدعوة والجهاد؟!
ومن هنا يكاد يحصر الشرك الأساسي والحقيقي في شرك الحاكمية، ويوجه نصيحته لأتباعه بأن الحاكمية هي نقطة البدء والانطلاق، فإذا انحرفت الحركة عنها – منذ البدء – أدنى انحراف؛ ضلت طريقها كله، وبنيت على غير أساس، مهما توافر لها من الإخلاص بعد ذلك والصبر والتصميم على المضي في الطريق.
أقول: إن من يعرف دعوات الأنبياء التي قصها الله علينا في كتابه الكريم ليدرك تمام الإدراك المصادمة الواضحة بين كلام سيد وبين ما قصه الله عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في منطلق الدعوة إلى الله، وأنها تبدأ بالتوحيد ومحاربة الشرك الأكبر (عبادة الأوثان) وما شاكلها، وأن ما يدعو إليه سيد ويدعيه من أن نقطة البدء تكون من الحاكمية، والانطلاق منها، لهو الانحراف الحقيقي من البداية، وذلك لأمور:
أولاً: لأن هذا الانطلاق مخالف لمنهج الأنبياء في البدء بالدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك العقائدي (عبادة الأوثان) وغيرها من دون الله.
ثانياً: لأن الانطلاق من الحاكمية لابد أن يكون قائماً على الهوى والرغبة في الوصول إلى السلطة والتحكم في رقاب الناس، ولابد أن تقوم على الكذب والمراوغات، ولابد أن يندس في صفوف حملة هذه الدعوة السياسية أناس أهل أغراض وأهواء وعقائد فاسدة؛ كما هو الشأن في الدعوات السياسية.
وإننا لنشاهد ثمار مثل هذه الدعوة ونتائجها متمثلة في تحالفات شيوعية وعلمانية ورافضية، ومتمثلة في نزاعات دموية للوصول للسلطة، يستعان فيها بالملاحدة والشيوعيين وأصناف الغالين.
ويقول سيد قطب تحت عنوان (حاضر الإسلام ومستقبله):
"ونحن ندعوا إلى استئناف حياة إسلامية في مجتمع إسلامي تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي كما تحكم الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي، ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية – على هذا النحو – قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأن وجود الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك.
ونحن نجهر بهذه الحقيقة الأخيرة، على الرغم مما قد تحدثه من صدمة وذعر وخيبة أمل ممن لا يزالون يحبون أن يكونوا مسلمين.. ونجهر بها على هذا النحو في الوقت الذي ندعوا إلى استئناف حياة إسلامية في مجتمع إسلامي تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي، ولا نرى أن في رؤية تلك الحقيقة والجهر بها كذلك ما يدعو إلى خيبة الأمل أو اليأس من هذه الدعوة ومن هذه المحاولة، على العكس، نرى أن الجهر بهذه الحقيقة المؤلمة – حقيقة أن الحياة الإسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأن وجود الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك – نرى أن الجهر بهذه الحقيقة ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الإسلام، ومحاولة استئناف حياة إسلامية ضرورة لا مفر منها".
ثم فسر (لا إله إلا الله) بالحاكمية، والحاكمية بالقدر والشرع، وأعرض عن تفسيرها الحقيقي: (لا معبود بحق إلا الله).
ثم قال: "ونحن لا نحدد مدلول الدين ولا مفهوم الإسلام على هذا النحو من عند أنفسنا... ففي مثل هذا الأمر الخطير الذي يترتب عليه تقرير مفهوم لدين الله كما يترتب عليه الحكم بتوقف وجود الإسلام في الأرض اليوم، وإعادة النظر في دعوى مئات الملايين من الناس أنهم مسلمون"([24]).
"... في مثل هذا الأمر لا يجوز أن يفتي الإنسان فيما يقصم الظهر في الدنيا والآخرة جميعاً، إنما الذي يحدد مدلول الدين على هذا النحو ومفهوم الإسلام هو الله سبحانه، إله هذا الدين([25])، ورب هذا الإسلام...
وذلك في نصوص قاطعة لا سبيل إلى تأويلها ولا الاحتيال عليها.
]إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[([26]).
]وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ[([27]).
]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ[([28]).
وساق آيات أخر كلها في الحاكمية، ولم يسق آية واحدة من آيات توحيد العبادة، ولا من آيات توحيد الأسماء والصفات، ثم ساق مقطعاً حصر فيه الإسلام في الحاكمية، ثم قال:
"وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم، على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام، لا نرى لهذا الدين وجوداً... إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله بالحاكمية في حياة البشر، وذلك يوم أن تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شؤون الحياة.
ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة، وأن نجهر بها، وأن لا نخشى خيبة الأمل التي تحدثها في قلوب الكثير الذين يحبون أن يكونوا مسلمين؛ فهؤلاء من حقهم أن يستيقنوا؛ كيف يكونون مسلمين؟! إن أعداء هذا الدين بذلوا طوال قرون كثيرة ومايزالون يبذلون جهوداً ضخمة ماكرة خبيثة؛ ليستغلوا إشفاق الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا مسلمين. من وقع هذه الحقيقة المريرة، ومن مواجهتها في النور، وتحرجهم كذلك من إعلان أن وجود هذا الدين قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة مسلمة في الارض عن تحكيم شريعة الله في أمرها كله، فتخلت بذلك عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية [أو بالألوهية]؛ فهذه مرادفة لتلك أو ملازمة لها، ولا تتخلف"([29]).
أقول:
1) فترى الرجل يدعو إلى استئناف حياة إسلامية بحرارة؛ لأنها غير موجودة.
2) ويصرح بأن الحياة الإسلامية قد توقفت.
3) وأن وجود الإسلام قد توقف.
4) ويصرح بقوله: "ونحن نجهر بهذه الحقيقة الأخيرة على الرغم مما قد تحدثه من صدمة وذعر وخيبة أمل ممن لا يزالون يحبون أن يكونوا مسلمين"؛ فهو لا يراهم مسلمين، بل يرى أنهم لا يزالون يحبون أن يكونوا مسلمين؛ فهم كفار جاهليون وليسوا مسلمين.
5) ويكرر القول بأنه لايرى لهذا الدين وجوداً: "إن هذا الدين قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله بالحاكمية في حياة البشر".
ويكرر أن هذه المجتمعات تحب الإسلام فقط؛ يعني: وليسوا بمسلمين، فضلا عن أن يكونوا أو يكون جماعة منهم مؤمنين.
6) ويكرر مرة أخرى ويؤكد أن الموجودين من المسلمين إنما هم محبون للإسلام، ولا ينبغي أن يتحرجوا من إعلان أن وجود هذا الدين قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة في الأرض عن تحكيم شريعة الله، ولا يعترف أبداً بأن هناك جهاداً سلفياً في الجزيرة العربية قد قام وجدد الإسلام وأقام دولة تحكم بشريعة الله على أساس التوحيد والكتاب والسنة، أفبعد هذا التكفير للأمة تكفير؟! فما هو التكفير إذن إذا لم يكن هذا التقرير القوي بالتكفير تكفيراً أيها العقلاء؟!
حكم سيد قطب على المجتمعات الإسلامية بأنها مجتمعات مرتدة، وأنها أشد عذاباً عند الله من الكفار الأصليين:
قال سيد:
"لقد استدار الزمان كهيئة يوم جاء هذا الدين إلى البشرية، وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله e ويوم جاءها الإسلام مبنياً على قاعدته الكبرى: (شهادة أن لا إله إلا الله)... شهادة أن لا إله إلا الله بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس وهو يسأله: ما الذي جاء بكم؟ فيقول: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام… وهو يعلم أن رستم وقومه لايعبدون كسرى بوصفه إلهاً خالقاً للكون([30])، ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة، ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع، فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه، فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد، ويقرون لهم بخصائص الألوهية – وهي: الحاكمية، والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية، والطاعة لهذا التشريع، وهي الأديان -... إلى عبادة الله وحدة وإلى عدل الإسلام.
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بـ (لا إله إلا الله)؛ فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله؛ دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التي يدعيها العباد لأنفسهم، وهي مرادف الألوهية، سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب فالأفراد كالتشكيلات كالشعوب ليست آلهة، فليس لها إذن حق الحاكمية... إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله، فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء...
البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا الله؛ بلا مدلول ولا واقع... وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة؛ لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد – من بعد ما تبين لهم الهدى – ومن بعد أن كانوا في دين الله!
فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلاً أمام هذه الآيات البينات([31])"([32]).
ويقول سيد:
"إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب: ]أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ[([33])؛ إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيدياً وشعورياً ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام (دار إسلام) تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعوراً كاملاً بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه، جاهلية وأهل جاهلية، وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج، وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين"([34]).
ويقول سيد:
"إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي"([35]).
ويقول سيد:
"فأما اليوم؛ فماذا؟! أين هو المجتمع المسلم الذي قرر أن تكون دينونته لله وحده، والذي رفض بالفعل الدينونة لأحد من العبيد، والذي قرر أن تكون شريعة الله شريعته، والذي رفض بالفعل شريعة أي تشريع لا يجيء من هذا المصدر الشرعي الوحيد؟ لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود!"([36]).
نقول: ليس بعد هذا التكفير العنيف شيء مع معاصرته لجهاد السلفيين في الجزيرة، وإقامتهم دولة إسلامية على التوحيد والكتاب والسنة، ومعاصرته للسلفية في الهند تجاهد بالسيف وفي ميدان الدعوة، وأهلها يقدرون بالملايين، وكذلك دعوة التوحيد كانت قائمة في مصر في عصره على أيدي السلفيين أنصار السنة، والرجل لا يعد هذه المجتمعات إسلامية.
ويقول وهو يتحدث عن حكم تزكية النفس:
"لقد نشأ هذا الحكم – كما نزلت تلك النصوص – في مجتمع مسلم، ليطبق في هذا المجتمع، وليعيش في هذا الوسط، وليلبي حاجة ذلك المجتمع، وفق نشأته التاريخية، ووفق تركيبه العضوي، ووفق واقعه الذاتي؛ فهو من ثم حكم إسلامي، جاء ليطبق في مجتمع إسلامي، وقد نشأ في وسط واقعي، ولم ينشأ في فراغ مثالي.
وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي... إسلامي في نشأته وفي تركيبه وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة، وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقومات كلها يعتبر فراغاً بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له كذلك.
ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي، وإن كنا في هذا المقام لانفصل إلا هذا الحكم، بمناسبة ذلك السياق القرآني"([37]).
وهكذا يرى سيد أن المجتمعات الإسلامية اليوم لا يصلح تطبيق أحكام النظام الإسلامي ولا ينشئ آثاره فيها.
فلو أن حاكماً من حكام بلدان الإسلام رغب وجد في تطبيق الإسلام في بلده؛ فإن سيد قطب يوجه له هذه النصيحة، إنه لا يصلح تطبيق الإسلام في هذا البلد، ولا ينشئ تطبيق أحكام الإسلام آثاره حتى ينشأ مجتمع إسلامي جديد، تتوافر فيه الشروط التي يشترطها سيد قطب فاعتبروا يا أولي الأبصار!
ويقول سيد قطب مؤكداً ما سبق، منتقداً من يفكرون في النظام الإسلامي:
"إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته – أو يكتبون -، يدخلون في متاهة! ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ، يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم، بتركيبه العضوي الحاضر، وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر – بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية – فراغاً لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام، ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام... إن تركيبه العضوي مناقض تماماً للتركيب العضوي للمجتمع المسلم. فالمجتمع المسلم – كما قلنا – يقوم تركيبه العضوي على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لإقرار هذا النظام في عالم الواقع، ولمجاهدة الجاهلية لإخراج الناس منها إلى الإسلام مع تحمل ضغوط الجاهلية، وما توجهه من فتنة وإيذاء وحرب على هذه الحركة ، والصبر على الابتلاء وحسن البلاء من نقطة البدء إلى نقطة الفصل في نهاية المطاف، أما المجتمع الجاهلي الحاضر؛ فهو مجتمع راكد، قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالقيم الإيمانية ... وهو – من ثم – يعد بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغاً لا يعيش فيه هذا النظام ولا تقوم فيه هذه الأحكام"([38]).
وفي هذا الكلام تكفير واضح للمجتمعات الإسلامية، لا يجادل فيه إلا مباهت معاند.
ومن المستغرب أن سيدًا لا يتململ مما وقعت فيه المجتمعات الإسلامية من انحراف في توحيد الألوهية، والتعلق بالقبور دعاءً واستغاثة، وذبحاً ونذراً... إلى آخره، ولا يرى ذلك من الضلال، ولا يرى الانحراف إلا في الحاكمية، ثم مع كل هذا يعارض في تطبيق الحاكمية!!
فماذا يريد هذا الرجل؟!
ويقول مؤكداً ما سبق:
"إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا يعيش في فراغ كذلك، لا ينشأ في الأدمغة والأوراق، وإنما ينشأ في الحياة، وليس أية حياة، إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد ومن ثم لابد أن يوجد المجتمع أولاً بتركيبه العضوي الطبيعي، فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق، وعندئذ تختلف الأمور جداً، وساعتها قد يحتاج ذلك المجتمع الخاص – بعد نشأته في مواجهة الجاهلية وتحركه في مواجهة الحياة – إلى البنوك وشركات التأمين وتحديد النسل... إلخ، وقد لا يحتاج! ذلك أننا لا نملك سلفاً أن نقدر أصل حاجته، ولا حجمها ولا شكلها، حتى نشرع لها سلفاً! كما أن مالدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها... ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية، ولا يرضى ببقائها ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها، ولا بتلبيتها كذلك"([39]).
وفي هذا إلى جانب تكفيره للمجتمعات الإسلامية لأجل أن حياتها قامت على غير حاكمية الله يفهم من كلامه أنه يجيز أن تقوم شركات تأمين في المجتمع الذي سيقيمه سيد وأتباعه، وكذلك يفهم من كلامه أن يجيز تحديد النسل، وهذه فكرة يهودية ناشئة عن سوء الظن بالله.
ويقول سيد بالاشتراكية الغالية، التي منها تأميم الثروات والممتلكات، ولو قامت على الأسس الإسلامية، وهي اشتراكية كافرة، ينشرها ويروج لها الشيوعيون، وقد تقوم هذه الدولة على تشييد القبور ونشر الرفض؛ فماذا يستفيد الإسلام والمسلمون من وراء هذا الهدم والبناء الفاسد، والله إن دلائل ما نقوله لتلوح، بل قد قامت في بعض البلدان التي ضاع فيها جهاد المسلمين الطويل المرير.
ويقول سيد قطب مؤكداً ما سبق([40]).
"إن المحنة الحقيقية لهؤلاء الباحثين أنهم يتصورون أن هذا الواقع الجاهلي هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه! ولكن الأمر غير ذلك تماما... إن دين الله هو الأصل، يجب على البشرية أن تطابق نفسها عليه، وأن تحور من واقعها الجاهلي وتغير حتى تتم هذه المطابقة... ولكن هذا التحور وهذا التغير لا يتمَّان عادة إلا عن طريق واحد، هو التحرك في وجه الجاهلية، لتحقيق ألوهية الله في الأرض، وربوبيته وحده للعباد، وتحرير الناس من العبودية للطاغوت، بتحكيم شريعة الله وحدها في حياتهم...
وهذه الحركة لابد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء، فيفتن من يفتن، ويرتد من يرتد، ويصدق الله من يصدقه، فيقضي نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر، ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وحتى يمكن الله له في الأرض، وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه، وتميزوا بقيمه... وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها... وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام، وينشأ فقه إسلامي حي متحرك، لا في فراغ، ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات".
أقول: إن قيام الدعوة إلى الله لإصلاح المجتمعات الإسلامية بإصلاح عقائدهم وعباداتهم وأعمالهم وسياستهم أمر لازم لابد منه، ولكن كل هذا لا يعني ما يقوله سيد قطب من أنه لابد من وجود حركة تنشئ الإسلام من فراغ وتنشئه من جديد في مجتمعات جاهلية كافرة على حد قوله: "وهذه الحركة لابد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء، فيفتن من يفتن، ويرتد من يرتد..." إلخ.
فالداعي إلى الله قد يتعرض للابتلاء فيصبر، وقد يصاب بالعجز والفتور ولا يستمر؛ فكيف يحكم عليه سيد بالردة؟!
ماسبب ذلك إلا تكفير سيد للمجتمعات الإسلامية؛ لأنها لا تؤمن بما جاء به سيد قطب من عقائد وتصورات وفهوم غريبة على الإسلام: عقائده، وفقهه، وسياسته.
ويؤكد مرة أخرى ما قرره سابقاً، فيقول:
"إن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي، ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام... لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك!.
إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي... ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت في وجه الجاهلية لإنشائه، وتحددت أقدارها، وتميزت مقاماتها في ثنايا تلك الحركة.
إنه مجتمع جديد، ومجتمع وليد، ومجتمع متحرك دائماً في طريقه لتحرير الإنسان؛ كل الإنسان... في الأرض؛ كل الأرض... من العبودية لغير الله، ولرفع هذا الإنسان عن ذلة العبودية للطواغيت؛ أيّاً كانت هذه الطواغيت"([41]).
1) يصرح سيد هنا باستحالة تطبيق الأحكام الفقهية الخاصة بالنظام الإسلامي.
2) يعلل ذلك بأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ... إلخ.
3) وأن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي.
4) لأنه ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت في وجه الجاهلية لإنشائه... إلخ.
5) ويرى أن هذا المجتمع مجتمع جديد، وليد، متحرك دائماً، لتحرير الإنسان في كل الأرض من ذل العبودية للطواغيت.
والظاهر أنه يريد بالطواغيت الحكام فحسب، أما شرك القبور؛ فلايمكن أن يدور بخلده، وأما عبادة الأوثان؛ فما هي إلا أمور ساذجة، ويمكن مؤاخاة أهلها وموادتهم إذا لم يحاربونا، ولو كانوا مجوساً وشيوعيين ونصارى وغيرهم([42]).
ويؤكد ماسبق من أحكام بعيدة عن العدل والرحمة، فيقول:
"وكذلك من يدرينا أن المجتمع المسلم المتحرك المجاهد سيكون في حاجة إلى تحديد النسل مثلا؟! وهكذا... وإذا كنا لا نملك افتراض أصل حاجات المجتمع حين يكون مسلماً، ولا حجم هذه الحاجات أو شكلها، بسبب اختلاف تركيبه العضوي عن تركيب المجتمع الجاهلي، واختلاف تصوراته ومشاعره وقيمه وموازينه... فما هذا الضنى في محاولة تحوير وتطوير وتغيير الأحكام المدونة؛ لكي تطابق حاجات هي في ضمير الغيب، شأنها شأن وجود المجتمع المسلم".
ويقول:
"إن نقطة البدء في المتاهة – كما قلنا – هي افتراض أن هذه المجتمعات القائمة هي المجتمعات الإسلامية، وأنه سيجاء بأحكام الفقه الإسلامي في الأوراق لتطبق عليها، وهي بهذا التركيب العضوي ذاته، وبالتصورات والمشاعر والقيم والموازين ذاتها... كما أن أصل المحنة هو الشعور بأن واقع هذه المجتمعات الجاهلية وتركيبها الحاضر هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه، وأن يحور ويطور ويغير في أحكامه ليلاحق حاجات هذه المجتمعات ومشكلاتها المنبثقة أصلاً من مخالفتها للإسلام ومن خروج حياتها جملة من إطاره"([43]).
وعلى هذا المقطع من الملاحظات ما يأتي:
1) يبدو أن سيداً يرى جواز تحديد النسل!.
2) يرى أن المجتمع المسلم لايزال في ضمير الغيب، وهذا عين التكفير للمجتمعات الإسلامية، وقد عرفت على أي أساس يكفر هذه المجتمعات.
3) وأن هذه المجتمعات كافرة، وأن افتراض أنها إسلامية: دخول في متاهة.
4) وأننا لا نملك افتراض أصل حاجات هذا المجتمع؛ لأنه لا علاقة له بالإسلام؛ بسبب اختلاف تركيبه العضوي عن المجتمع الإسلامي الذي يصلح فيه تطبيق الإسلام ويمكن أن نعرف حاجاته ومتطلباته؛ فهذا المجتمع لا يزال في ضمير الغيب.
([1]) بل كثير وكثير من هذه المجتمعات يُضفون على أناس صفات الإله؛ كاعتقادهم أنهم يعلمون الغيب، ويتصرفون في الكون، ويفرجون الكروب، ويتقدمون لهم بالشعائر التعبدية من الاستغاثة في الشدائد والدعاء والخوف والرجاء والتوكل والطواف بقبورهم وتعظيم هذه القبور وإقامة الأعياد والاحتفالات والموالد لهذه الأضرحة وشد الرحال إليها وتقديم الذبائح والنذور بالأموال الطائلة لها، كل هذه الأمور وغيرها من أنواع الشرك لا يعدها سيد من أنواع الشرك الناقضة للتوحيد المنافية لمعنى لا إله إلا الله، ونحن والحمد لله مع أننا نرى هذا من أنواع الشرك الأكبر، لا نفكر إلا من قامت عليه الحجة، وسيد لا يرى هذا من الشرك، ولا يستنكره؛ كحال كثير من الصوفية والروافض، لا يرون الشرك إلا في عبادة الأوثان، فإذا كفر سيد الناس؛ فإنما يكفرهم لأنهم يدينون بالحاكمية لغير الله، ولا يشترط إقامة الحجة، ولا يدرك أن أكثر من يكفرهم بالحاكمية لا يدينون بالحاكمية لأحد على الوجه الذي ذكره، ولا يدرك أن الروافض والقبوريين يفرحون بموقفه هذا من القبورية، ويأنسون إليه.
([2]) المائدة: 44.
([3]) النساء: 60 – 65.
([4]) وهذا واضح في تكفيره المجتمعات الإسلامية.
([5]) وهذا في غاية الصراحة والوضوح في تكفير المجتمعات الإسلامية.
([6]) وقد أنكر ذلك عليه كثير من الناس؛ منهم أبوالحسن الندوي، وحسن الهضيبي، ويوسف القرضاوي؛ في مؤلفاتهم.
([7]) يونس: 87.
([8]) "في ظلال القرآن" (3/1816).
([9]) يوسف: 106.
([10]) كل من سيد قطب وأخيه يحلقان لحاهما، ويكشفان رأسيهما، ويلبسان البدلة والكرفتة على طريقة الإفرنج؛ تقليداً واعتزازاً بهذا المظهر الإفرنجي، ولا ينكران على غيرهما هذا وأمثاله؛ فبماذا يحكمان على أنفسهما؟! وبعد جهد ومدة طويلة في الحجاز، أرسل محمد قطب رمزاً للحيته، وعمره يناهز الستين، ولعله على مضض، ولم يغير زيه.
([11]) يوسف: 106.
([12]) "الظلال" (4/2033).
([13]) الزمر: 3
([14]) أقول: إن النجاشي أسلم في عهد النبي e، وكان إسلامه في الاعتقاد فقط، فلم يستطع أن يطبق شعائر الإسلام التعبدية، ولم يطبق الحاكمية في دولته، ولم يقم بالهجرة، ومع هذا كله كان له منزلة عند رسول الله e، ولما مات؛ أخبر رسول الله e بموته، وقال لأصحابه: "صلوا على أخيكم"، وصلى عليه رسول الله e وأصحابه.
أفرأيت لو أن الن
انه ليحزنني ان يتفوة الرويبضة وقليلي الفهم والعلمي ويتنطعوا و يتطاولوا على علمائهم فوالله لوقدمتم 01 بالمليون مما قدمه الشيخ القرضاوي للدعوة ولفلسطين وللاسلام لاتخذناكم لنا نبراسا ولكن الجهل يفعل بصاحبه هكذا واكثر. اسال الله لكم ولنا الهداية وانزلزا الناس منازلهم واعتبروا ولا تنهشوا في لحوم العلماء فان عادة الله فيمن ثلمهم معلومة. وان غاب عنكم ما نقول فاسالوا حماس فلسطين عن الجليل يوسف القرضاوي او ان اردتم اكثر تساءلوا لم قامت قيامة الصهاينة على زيارة الشيخ الى لندن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
Astaghfirou Ellah
أدب سيد مع رسول الله وكليمه موسى عليه الصلاة والسلام
قال في كتابه "التصوير الفني في القرآن"([1]).
لقد عرضنا من قبل قصة صاحب الجنتين وصاحبه، وقصة موسى وأستاذه، وفي كل منهما نموذجان بارزان، والأمثلة على هذا اللون من التصوير هي القصص القرآني كله؛ فتلك سمة بارزة في هذا القصص، وهي سمة فنية محضة، وهي بذاتها غرض للقصص الفني الطليق، وهاهو ذا القصص القرآن، ووجهته الأولى هي الدعوة الدينية، يلم في الطريق بهذه السمة أيضاً، فتبرز في قصصه جميعاً، ويرسم بضع نماذج إنسانية من هذه الشخصيات، تتجاوز حدود الشخصية المعنية إلى الشخصية النموذجية؛ فلنستعرض بعض القصص على وجه الإجمال، ولنعرض بعضها على وجه التفصيل.
1 – لنأخذ موسى؛ إنه نموذج للزعيم المندفع العصبي المزاج.
فها هو ذا قد رُبي في قصر فرعون، وتحت سمعه وبصره، وأصبح فتىً قوياً.
]وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ[([2]).
وهنا يبدو التعصب القومي، كما يبدو الانفعال العصبي.
وسرعان ما تذهب هذه الدفعة العصبية، فيثوب إلى نفسه؛ شأن العصبيين:
]قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ[([3]).
]فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ[([4]).
وهو تعبير مصور لهيئة معروفة: هيئة المتفزغ المتلفت المتوقع للشر في كل حركة، وتلك سمة العصبيين أيضاً.
ومع هذا، ومع أنه قد وعد بأنه لن يكون ظهيراً للمجرمين؛ فلننظر ما يصنع... إنه ينظر:
]فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ[([5]) مرة أخرى على رجل آخر! ]قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ[([6]).
ولكنه يهم بالرجل الآخر كما هم بالأمس، وينسيه التعصب والاندفاع استغفاره وندمه وخوفه وترقُّبه، لولا أن يذكره من يهم به بفعلته، فيتذكر ويخشى:
]فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ[([7]).
وحينئذ ينصح له بالرحيل رجل جاء من أقصى المدينة يسعى، فيرحل عنها كما علمنا.
فلندعه هنا لنلتقي به في فترة ثانية من حياته بعد عشر سنوات؛ فلعله قد هدأ وصار رجلاً هادئ الطبع حليم النفس.
كلا! فها هو ذا يُنادي من جانب الطور الأيمن: أن ألق عصاك. فألقاها؛ فإذا هي حيةٌ تسعى، وما يكاد يراها حتى يثب جرياً لا يعقبُ ولا يلوى... إنه الفتى العصبي نفسه، ولو أنه قد صار رجلاً؛ فغيره كان يخاف نعم، ولكن لعله كان يبتعد منها، ويقف ليتأمل هذه العجيبة الكبرى.
ثم لندعه فترة أخرى لنرى ماذا يصنع الزمن في أعصابه.
لقد انتصر على السحرة، وقد استخلص بني إسرائيل، وعَبَرَ بهم البحر، ثم ذهب إلى ميعاد ربه على الطور، وإنه لنبي، ولكن ها هو ذا يسأل ربه سؤالاً عجيباً: ]قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي[([8]).
ثم حدث مالا تحتمله أية أعصاب إنسانية، بله أعصاب موسى: ]فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ[([9]).
عودة العصبي في سرعة واندفاع!
ثم ها هو ذا يعود، فيجد قومه قد اتخذوا لهم عجلاً إلهاً، وفي يديه الألواح التي أوحاها الله إليه، فما يتريَّث وما يني، ]وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ[([10]).
وإنه ليمضي منفعلاً يشدُّ رأس أخيه ولحيته ولا يسمع له قولاً: ]قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي[([11]).
وحين يعلم أن السامري هو الذي فعل الفعلة؛ يلتفت إليه مغضباً، ويسأله مستنكراً، حتى إذا علم سر العجل:
]قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا[([12]).
هكذا في حنق ظاهر وحركة متوترة.
فلندعه سنوات أخرى.
لقد ذهب قومه في التيه، ونحسبه قد صار كهلاً حينما افترق عنهم، ولقي الرجل الذي طلب إليه أن يصحبه ليعلمه مما آتاه الله علماً، ونحن نعلم أنه لم يستطع أن يصبر حتى ينبئه بسرِّ ما يصنع مرة ومرة ومرة، فافترقا...
تلك شخصية موحدة بارزة، ونموذج إنساني واضح في كل مرحلة من مراحل القصة جميعاً.
2 – تقابل شخصية موسى شخصية إبراهيم.. إنه نموذج الهدوء والتسامح والحلم: ] إن ابراهيم لحليم أواه منيب [([13]).
فهو هو ذا في صباه يخلو إلى تأملاته، يبحث عن إلهه.
] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ[([14]).
وما يكاد يصل إلى هذا اليقين حتى يحاول في بر وود أن يهدي إليه أباه، في أحب لفظ وأحياه:
] يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءني مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَاأَبَتِ لاَ تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا[([15]).
ولكن أباه ينكر قوله، ويغلظ له في القول، ويهدده تهديداً:
]قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا[([16]).
فلا يخرجه هذا العنف عن أدبه الجمِّ، ولا عن طبيعته الودود، ولا يجعله ينفض يديه من أبيه.
] قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا[([17])
ثم ها هو ذا يحطم أصنامهم، ولعله العمل الوحيد العنيف الذي يقوم به، ولكنه إنما تدفعه إلى هذا رحمة أكبر، عسى أن يؤمن قومه إذا رأوا آلهتهم جُذاذاً، وعلموا أنها لا تدفع عن نفسها الأذى، ولقد كادوا يؤمنون فعلاً، ]فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ[([18])، ولكنهم عادوا فهموا بإحراقه، وحينئذ ]قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[([19]).
ولقد اعتزلهم عهداً طويلاً مع النفر الذي آمن معه، ومنهم ابن أخيه لوط...".
والظاهر أن سيداً ساق قصة إبراهيم عليه السلام في مقابل ما صوَّر فيه موسى من باب: (وبضدها تتبين الأشياء)!.
وأقول: إن موسى رسول كريم من رسل الله الكرام أولي العزم عليهم الصلاة والسلام، وإن له عند الله لمنزلة عظيمة ومكانة رفيعة توجب على الناس تعظيمه وتوقيره كسائر أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
قال الله في شأنه: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا[([20]).
وقال تعالى: ]وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى[([21]).
لقد كان يكفي سيداً أن يقرأ (كتاب أحاديث الأنبياء) من "صحيح البخاري" ليرى أنه قد أسرف واشتطَّ وحلق بعيداً في خياله المجنح وأسلوبه القصصي في التهويل والتمثيل بما ألصقه من صفات الاندفاع والعصبية والحدة والفزع والتوتر بكليم الله ورسوله موسى عليه الصلاة والسلام؛ فلقد أخرج البخاري في "صحيحه"([22]) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: قسم النبيُّ e قسماً، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه، فأتيت النبي e فأخبرته فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
إن ما نسبه سيد إلى نبي الله وكليمه موسى عليه الصلاة والسلام ينافي ما يستحقه من التبجيل والتوقير والاحترام، وذلك مما تقشعر له الجلود، وإن حكم هذا العمل الخطير عند العلماء غليظ جداً وكبير. راجع: كتاب "الشفاء"([23]) للقاضي عياض، وكتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول e"([24]) لشيخ الإسلام ابن تيمية.
أضف تعليقك