author-picture

icon-writer تحقيق: وليد عرفات

وصلات من السجود لغير الله متبوعة بكؤوس النبيذ

فوج وراء فوج... يطوفون كنائس العالم، ومن صليب إلى صليب يسجدون باكين نادمين لأنهم كانوا يوما مسلمين، »يحجون« إلى مواطن النصرانية أينما وجدت ليثبتوا الدين الجديد في قلوبهم، ومن قديس إلى قسيس يتزاحمون لنيل »البركة«، وحول آبار عتيقة يتدافعون لشرب »الماء المقدس«، وقبل رحيلهم يحتسون بشراهة خمورا معتّقة يبلغ عمرها الألف عام، ومن إله واحد يسجد له من في السماوات والأرض باتوا عبيدا لأكثر من »إله«.هذه الجمل المقتضبة لا تتحدث عن مرتدين من زمان ومكان آخر، بل ترصد واقعا جزائريا محضا، شاء للعيْن أن ترى جزءاً منه وأن تسجل بعضه، فهي حلقة أخرى من حلقات تنصير الشعب الجزائري، ولكنها هذه المرة تشهد تطورا نوعيا مخيفا، لأن برامج التنصير تعدّت أسلوب تلقين النصرانية، لتخطو مرحلة جديدة شعارها إعداد وتأهيل جيل جديد من القساوسة الجزائريين ليواصلوا مسيرة التنصير بين صفوف الجزائريين، وبعد رحلة في الكنائس الغربية، حلت أفواج النصارى الجزائريين إلى كنائس المشرق، في رحلات أخرى يبحث فيها النصارى الجدد عن جذور النصرانية في أقدم موطن لها في العالم. »الشروق« نجحت في اختراق صفوف هذه الرحلات التنصيرية، وتمكنّا، لأول مرة، من تسجيل طقوس و»عبادات« لم تَرَها العيْن من قبل.

   أفواج جزائرية وموسم »الحج الكبير« 

الحكاية بدأت يوم 26 أفريل الماضي، أثناء تواجدنا مع أحد مديري الشركات السياحية بالعاصمة السورية دمشق، الرجل كان على غير العادة منهمكا في التنسيق مع العاملين معه من أجل إتمام الاستعدادات التي تقوم بها الشركة لاستقبال أفواج »الحجيج« المسيحيين القادمين لزيارة الأماكن المسيحية التاريخية بسوريا، فالتقطت كلمات تفيد بأن الشركة المذكورة تستعد لاستقبال عرب من جنسيات مختلفة، من بينهم جزائريون، ثار فضولي واستشعرت شيئا غير مألوف، ونظراً لحساسية الموضوع، فقد منحت لساني وعيناي وبقية حواسي عطلة مؤقتة، وأفسحت المجال لأذناي حتى تتمكنا من تسجيل كل شاردة وواردة، فكان الرجل يقول لمرؤوسيه »نريد أن نثبت كفاءتنا... ولا نبغِ أن تهرب هذه الأفواج إلى شركات منافسة... هذه الفرصة جاءتنا بعد جهد وتعب سنوات«، وما أن فرغ الرجل من عمله، حتى التفت لي قائلا: »عذرا أستاذ وليد... فنحن في موسم سياحي هام... وكما ترى فأنا لا أغادر المكتب من الثامنة صباحا حتى العاشرة مساء... المهم ما الموضوع الذي تريدني من أجله؟«، صمتّ برهة فقد كنت أريد منه معلومات بشأن موضوع آخر، لكن الأمور تبدّلت الآن، وبدون مقدمات قلت له: »بلغني أن شركتك تنظم هذا العام زيارات المسيحيين العرب للأماكن المسيحية التاريخية بسوريا، أريد مرافقة بعض هذه الأفواج وتغطية برنامج زيارتها من البداية إلى النهاية«. فردّ عليّ متسائلا: »ومن أين لك بهذه المعلومات، وما علاقتك بالأفواج المسيحية؟«، فرددت عليه بسرعة: »بالنسبة لمصدر المعلومة فهذا أمر خاص بي، أما عن الشق الثاني من السؤال... فأنا في رغبة للتعرف على الأماكن التاريخية غير الإسلامية، خاصة وأني زرت جميع الأماكن الأثرية الإسلامية في سوريا، وحتى الآن لا أعتقد أن الموضوع له علاقة بالصحافة...

إنه مجرد فضول وحب للمعرفة«، وبعد فترة قصيرة من التفكير ابتسم الرجل وقال: »على راسي أستاذ وليد، تكاليف التنقل والإقامة على حساب الشركة... المهم أن تذكرنا بخير«. كان عرضا جيدا من شأنه أن يسهل عليّ الكثير من المتاعب ويفتح أمامي الأبواب المغلقة، لكنه جعل قلمي رهنا له، فقلت لصاحبه: »لا أريد أن أكلفك شيئا... فأنا لا أستطيع أن ألبّي طلبك، كل ما أريده منك معلومات عن موعد وبرنامج الزيارات«. فأخرج الرجل من مكتبه كراسا سياحيا يشرح بالتفاصيل برنامج وأماكن الزيارات للأماكن المقدسة المسيحية في سوريا، ثم قال: »ستبدأ الأفواج بالمجيء مساء اليوم وستمكث أسبوعا، أما عن التحرك فسيكون بدءاً من صباح غد حسب ما هو موضح في الكراس الذي بحوزتك«.   

 الطريق إلى معقل النصرانية في العالم 

كنت أشعر بالسعادة لأن الظروف شاءت في اللحظات الأخيرة ألا يفوتني الحدث، لكن ضيق الوقت جعلني مضطربا وغير قادر على رسم خطة عملي، لقد انصرفت من عند الرجل دون أن أحصل منه على المعلومات الكافية، وكان ذلك من باب الحرص على إتمام مهمتي بنجاح، لكن ثقتي في الله وعنايته رافقتني منذ البداية وحتى النهاية، بدأت أبحث بنفسي عن غايتي، فقضيت الليل أقرأ كل كبيرة وصغيرة في الكراس الذي حصلت عليه، فاسترعى انتباهي اسم قرية سورية تقع على بعد 25 كيلومترا شمال شرق دمشق، القرية التي تسمى »معلولا« بها أقدم الكنائس والأديرة على وجه الأرض، وتعتبر أقدم معقل للنصرانية في العالم، ويوجد بها ما يعرف باسم دير مارتقلا، ودير مار سركيس، وكلاهما يصنفان كأقدم داري عبادة مسيحية على وجه الأرض، لذلك تعدّ هذه الأماكن تحديدا قبلة لكل مسيحيي العالم، وتقفز قدسيتها عندهم كل الخلافات القائمة بين الكنيستين الشرقية والغربية، بل وتتجاوز مكانتها الانقسامات في المذاهب الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية، وما أن شقت الشمس السحب معلنة عن شروقها، حتى جهّزت عدتي وشددت الرحال إلى »معلولا«.

وعلى مدار ما يربو عن الساعة شقت السيارة ببطء طريقا جبليا متعرجا قبل أن تصعد بي إلى سفح جبل، يقع في واجهته »دير مار تقلا« الذي يقول عنه النصارى إنه يحوي رفات »القديسة تقلا« ابنة أحد الأمراء السلوقيين وتلميذة »القديس بولس«، والتي عاشت في المكان بعد هروبها من الوثنيين في قرون الميلاد الأولى، وفي القرن الثالث الميلادي بُني الدير الذي حمل اسمها، وتشرف اليوم على دير مار تقلا راهبات تُعنين باستقبال الزوار الذين يقدر عددهم سنويا بمليوني زائر. وبمجرد وصولي للمكان اشتممت الحرمان من الدخول إليه لأنني مسلم، وعندما رأيت اللافتات التي تحظر بتاتا التصوير، تأكدت أن عاملا آخر يمنع دخولي وهو أنني صحافي، فوقفت أمام باب الدير أبحث عن حيلة للدخول، واكتشاف الموقع قبل وصول »الحجيج«، ومن بعد نبحث في مسألة التصوير، لكن الأمر كان صعبا، وظللت أحاول وأفشل، حتى وصلت للمكان حافلات تحمل اسم شركة الصديق السوري، فتأكدت أنها تقل الجزائريين الذين اكتشفت أمرهم بالأمس، وبسرعة التحمت مع جموع الزوار حتى ولجت في قلب الدير.   

البحث عن النصارى الجزائريين  

وما أن مرت هذه المرحلة، حتى بدأت أبحث في وجوه الزوار عن الجزائريين، وهذه المرة لم أجد مشقة، فالملامح كانت مميزة، أما اللغة الفرنسية التي تخللتها كلمات قبائلية وعربية فقد جعلت الوصول إلى هؤلاء أكثر سهولة، لقد لاحظت أن الفوج الذي يتشكل من خمس حافلات يضم عربا من جنسيات مختلفة، كان بينهم الأردنيون والمصريون والمغاربة والتوانسة، وعرفت من خلال أحاديث المسؤولين بالمكان أن الرحلة يرعاها مجلس الكنائس العالمي، في إطار برنامجه الدءوب للتنصير في العالم العربي، وأن مثل هذه الرحلات تتم تحت شعارات سياحية، ولا تقتصر فقط على كنائس المشرق، بل تجول بالمتنصرين الجدد جميع كنائس العالم الشهيرة. وعلمت أيضا أن الزوار طافوا رحلة طويلة شملت الفاتيكان والأردن ولبنان، وربما أيضا القدس المحتل، لكنني لم أستطع التأكد من هذا الأمر، فقط كان معظم الزائرين يحملون فوق أعناقهم نوعل من »الكوفيات« الفلسطينية التي لا تباع إلا في الأراضي المحتلة، وبعدما شعرت أن الكثير من محطات تلك الزيارة مرت بعيدا عن أنفي، قررت أن أنظم نفسي، وألا أهدر ثانية واحدة، خاصة وأن سوريا هي المحطة الأخيرة لهؤلاء قبل أن يعودوا إلى أوطانهم، ومن هنا انخرطت حد الالتصاق بالجزائريين تحديدا، كنت معهم خطوة بخطوة... عينا بعين... يدا بيد، ولحسن الحظ كانت تلك هي زيارتهم الأولى لهذا المكان، مما أتاح لي معرفة كل شيء دون أن أسأل عن شيء  

مواجهة مع حراس المعبد 

كان يرافق الفوج عدد من الوجوه الغربية التي تحمل الملامح الفرنسية والإسبانية والإيطالية، والأمريكية، لكنهم كانوا جميعا صامتين ويراقبون كل صغيرة وكبيرة، باختصار رأيتهم في صورة حراس المعبد الذين قرأنا عنهم كثيرا في الأثر، فقد كانت حركاتهم ونظراتهم توحي للوهلة الأولى أنهم نالوا قسطا من التدريب الاستخباري والأمني، حتى أنهم نجحوا في فرزي من بين الجموع، فكادت مراقبتهم لي أن تشلّ عملي، فأدركت على الفور أن أي خطأ سيكلفني الكثير، وبدأت بدوري أتعامل مع الموقف بذكاء وحيطة اكتسبتهما من خلال المران والممارسة في مثل هذه التحقيقات الخطرة، وشاء الله لإمكاناتي المتواضعة أن تتغلب على خبث هذه الوجوه المنفرة، ووجدت نفسي مضطرا التصرف على طريقة الزوار، لا حوارات... لا ورقة ولا قلم... أما آلة التصوير فعليها أن تعمل في الخفاء ودون التركيز على مشاهد تثير الريبة، بين كل ذلك كان صوت المرشد السياحي هو الأكثر تمييزا لتلك اللوحة، الرجل كان يشرح للزوار كل شيء عن المكان من الناحيتين التاريخية والدينية، وبمجرد أن وقف الفوج في قلب الدير، قال المرشد، مشيرا إلى صخور عتيقة أحاطت بالمكان من كل الاتجاهات: »هذه النتوءات هي غرف الانفراد الصخرية التي كانت تتم بها خلوات الموحّدين الرهبان الذين انصرفوا فيها إلى الصلاة والتأمل والتقشف والزهد، مما يدل على أن معلولا كانت مدينة رهبانية ترتفع منها الصلوات والتضرعات ليلا نهارا إلى الله، مثلما ورد في الإنجيل«. وأردف المتحدث: »يقسم معلولا لشطرين فج مار تقلا وهو شق في الجبل شكل ممرا ضيقا من طرف الجبل إلى طرفه المقابل، والذي نشأ حين أراد المسيح حماية مار تقلا التي هربت من حكم الموت الذي صدر بحقها، فكانت العجيبة التي أبقت الفتاة الهاربة في شطر والجنود الرومان في الشطر الآخر«.  

 السجود لصورة تنضح زيتا والتبرك بعين ماء  

استمرت الجولة داخل »دير مار تقلا«، حتى حط الرحال بالزوار عند غرفة ضيقة بها قبر »مار تقلا« ـ حسب المرشد ـ وما أن وصلت الجموع إلى هذا المكان حتى حدث هرج ومرج، فالجميع تزاحم على باب الغرفة الصغير، وبدأت عملية »التبرك« بهذا القبر بصورة لم تألفها العين من قبل، ولم يقتصر »التبرك« على القبر المذكور، حيث كانت في واجهته بئر قديمة مكتوب عليها »الماء المقدس« والذي نال بدوره نصيبه من طالبي البركة، الذين تزاحموا ليشربوا ويملأوا أقانينهم منه، ومن البئر الى غرفة »القداس«، وهي أهم معلم في هذه الزيارة نظرا لأنها ـ حسب المرشد ـ تحوي »أيقونة العذراء الباكية«، وهي عبارة عن أقدم صورة مرسومة افتراضا للسيدة مريم العذراء، وهذه الصورة محاطة بقطع من القطن، وبطريقة غير مفهومة تنضح الصورة بين الحين والآخر قطرات من الزيت، وما أن قال المرشد بأن »نزول قطرة زيت من الأيقونة لحظة التبرك بها تعني أن المسيح وأمه راضيان عن المتبرك« حتى هجم الزائرون على الصورة باكين ساجدين، يطلبون من العذراء أن تلبي لهم أمنياتهم وأن تغفر لهم خطيئتهم، وأن تعفوَ عنهم لأنهم كانوا يوما جاهلين »أو حسب قصدهم مسلمين«.    

 مسك الختام نبيذ معتق 

وبعد انتهاء الجولة في دير مار تقلا، بدأت عملية التوجه إلى موقع آخر، وعبر طريق جبلي متعرج وضيق يمتد بطول 1600 متر، ويمر عبر مناطق أثرية تعود لحقب تاريخية مختلفة، شق الزوار طريقهم إلى دير  مارسركيس، هذا الأخير بدوره معلم تاريخي يعود للقرن الرابع الميلادي، لكنه لا توجد به معالم على غرار مار تقلا، لكنه يحوي غرف النبيذ المعتق الذي يعود تاريخ صنعه مئات السنين إلى الوراء، تصل أحيانا إلى الألف سنة، ففي هذا المكان الذي يسيطر على مساحات شاسعة من حدائق الكروم، يعكف خدمة الدير وكثير من العمال على عصر وتخزين النبيذ كل موسم بانتظام، ويقومون بتسويق منتجهم الذي كلما كان قديما، كلما زاد سعره، أما عن الزبائن فهم من جميع أنحاء العالم، وداخل الدير تقدم عينات من هذا النبيذ للزوار، الذين ربما يشقون هذا الطريق الوعر خصيصا من أجل كأس نبيذ معتق، كنت أراقب جموع الجزائريين الذين كانوا قبل لحظات يبكون ويسجدون أمام الصورة الباكية وبئر الماء والقبر، وهم يحتسون الكأس وراء الكأس، كان بينهم عائلات وكانوا مختلطين، إلا أنهم التفوا حول الكأس التفافا عجيبا، ليختموا بتلك اللقطة المحزنة رحلتهم في غياهب الردة.  

يتبع