author-picture

icon-writer حاوره: مصطفى فرحات

يتميز الداعية الشيخ وجدي غنيم عن غيره من الدعاة بكثرة الاعتقالات التي تعرض لها، في الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا التي حاكمته قبل سنوات، ثم بريطانيا وسويسرا وجنوب إفريقيا.

  •  وكذا بعض الدول العربية التي ضاق صدرها به فسعت إلى طرده وتغريبه، ابتداء من مصر بلده الأم، ثم البحرين والإمارات وقطر، رغم نشاطه الدعوي الكبير والتفاعل والتأثير الذي يتلقاهما به المتتبعون لدروسه ومحاضراته.
  • الشيخ وجدي غنيم الذي يزور الجزائر للمرة الثانية، بدعوة من مسجد الفردوس في إطار حملة "كن إيجابيا"، فتح صدره لـ"الشروق" وتحدث عن قضايا دعوية مختلفة مرتبطة بالواقع الذي نعيشه، بكل سلبياته وإيجابياته، فكان هذا الحوار.
  • بداية، ما هو انطباع الشيخ وجدي غنيم عن الجزائر التي يزورها لثاني مرة؟
  • الجزائر من البلاد العربية المجاهدة التي نعتز بها كلنا كعرب وكمسلمين.. وأنا سعيد جدا بزيارتي الثانية إلى الجزائر، وأن أكون في هذا البلد المجاهد.. كلما تذكر الجزائر فإنها تُقرن بالجهاد والشهداء.. وفي المرة السابقة لما كنت هنا كنت أقول إنها بلد المليون شهيد ولكنهم قالوا لي إن عدد الشهداء الإجمالي هو ستة ملايين ونصف على مدى 130 سنة احتلال من فرنسا. وأنا صراحة فوجئت بهذا الرقم ونقلت هذه الحقيقة في كل محاضراتي في البلدان العربية والأوروبية، ودائما الجزائر هي بلد الرجولة والشهادة والشهداء والجهاد حتى النصر إن شاء الله.
  • الشيخ وجدي غنيم معروف بكثرة التنقل بين الدول في العالم بسبب المضايقات الكبيرة التي يتعرض لها، فلم يحدث لك ذلك، في رأيك؟
  • يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة العصر: "والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". والمقصود بالصبر هو الصبر المترتب على قول الحق، وما دمت  تقول الحق فالله سيبتليك فيه. ويقول سيدنا لقمان لابنه: "يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وأصبر على ما أصابك.." وأقول لك بصراحة وانطلاقا من خبرتي في الدعوة إلى الله منذ 38 سنة والحمد لله: لا يوجد شيء تصدق فيه مع الله إلا وسيختبر الله سبحانه وتعالى صدقك فيه.. وأبسط مثال على ذلك سيدنا يوسف الذي قال "رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه"، فدخل السجن وابتلي فيه صلى الله عليه وسلم. كل الناس سافروا وخرجوا وتجولوا في كل مكان، لكن سبحان الله ما أذهب إلى بلد إلا وأجد نفسي محجوزا فيه! سواء في أمريكا وفي جنوب إفريقيا وفي وسويسرا وأنجلترا. فلماذا يقع هذا لي أنا؟ أنا أعرف الجواب، فأنا مسلم وأقول لا اله إلا الله، وفي بريطانيا التي يقولون إنها بلد الحريات لما أقول لهم عندي مؤتمرا يوم الاثنين يقولون لي: ماذا ستقول؟ أيعقل أن يكون في بلد الحريات رقابة بهذا الشكل؟ ولما ينتهي المؤتمر أتصل بهم يوم الثلاثاء فيقولون لي: أنت موقوف وسوف تُرحّل من بلدنا.. هذا هو طريق الدعاة، وأنا على يقين من أن الله تعالى يبتلي المسلم.
  • هذا في الدول الغربية، غير أنك مطارد ـ فضيلة الشيخ ـ حتى في الدول العربية؟
  • بصراحة، هذا الذي حيّرني.. فأنا ممنوع من دخول الإمارات ولكن الكفار والراقصات يدخلونها بسهولة.. وأنا كذلك ممنوع من دخول البحرين بعدما قضيت فيها 3 سنوات وساهمت في رفع شأنها وعقدت عدة لقاءات ومحاضرات.. وحتى قطر رفضت منحي التأشيرة.. من العجب أن الدول العربية تمنع داعية إسلاميا من دخول أراضيها وتسمح للآخرين بالدخول.. وهذا ما يضايقني.
  • ربما يرجع هذا إلى كون الشيخ يحمل فكرا قد يراه البعض "متطرّفا"، فما تعليقكم؟
  • يجب وضع تحديد لكلمة "تطرف" وكلمة "إرهابي" لأن كل واحد يريد استغلال هاته المصطلحات لصالحه.. واحد يقول عني متطرف ممكن أن يكون هو المتطرف ولست أنا.. ولما يتهمك أحد بأنك سارق فمن يتهمك؟ ممكن هو السارق نفسه. ويقول الله تعالى في سورة القصص: "إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين"، كما قال الله تعالى "إنه كان من المفسدين".. فمن حكم بأن فرعون من المفسدين.. الحاكم هو الله سبحانه، والعجيب أن يقول فرعون في شأن موسى عليه الصلاة والسلام: "ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يُبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد"..ففرعون هو المفسد، ولكنه يقلبها على سيدنا موسى.. إن هذه طريقة أعداء الله دائما مثل جورج بوش الذي قتل في العراق وأفغانستان وساعد الصهاينة لقتل إخواننا في فلسطين ويقول عنا نحن الذين نموت "الإرهابيين".. وعندكم قصة في الجزائر مفادها أن أحد المستعمرين الفرنسيين كان سيقتل جزائريا فعضه الجزائري فقال الفرنسي: "يا متوحش.."! فمن هو المتوحش: الذي يقوم بالذبح أو الضحية؟ فعندما يقولون لك إرهابي ومتطرف، فابحث عن المعيار الذي يستندون إليه لتفهم إن كانت التهمة صحيحة أم لا.
  • وماذا عن العنف الحاصل داخل الدول الإسلامية باسم الإسلام؟
  • هذا الأمر يحتاج إلى وقفة.. علينا أن نعرض فكر هؤلاء الناس في وسائل الإعلام ونناقشه بالحجة، لأن الإسلام دين السلام والسماحة والتعقل ودين القرآن والسنة. فلماذا يُقتل المسلم والقرآن يقول إن قتل النفس جريمة كبيرة.. فليأتوا بالذين تراجعوا عن العمل المسلح ويسألوهم: ما الذي كنتم عليه وكيف رجعتم؟ وكيف اقتنعتم بخطأ هذا المسعى؟ علينا أن نعرض فكرهم على العلماء حتى يردّوا عليهم بالعلم. والفكر مهما كان علينا أن نُعالجه بالفكر وليس بالقوة.. الفكر يعالج بالفكر حتى تكون النتيجة إيجابية. أنا دخلت السجن في مصر ثمانية مرات معظمها كانت مع الجماعات الإسلامية التي كانت تقتل الضباط وتعذبهم ويضعون القنابل في الشوارع، أيامها كنت أقول لأولئك الشبان أنتم ينقصكم الفهم وليس الإخلاص، المشكلة أنهم يفهمون الأمر خطأ رغم حسن نيتهم.. لقد كنت أسألهم: هل سيؤدي قتل الضباط كلهم إلى انتشار الإسلام والتمكين للدعوة؟
  • الأصل في الدعوة إلى الإسلام هو الفهم الصحيح والمنضبط بضوابط الشرع وليس الفهم القاصر الذي لا يُقرّه العلماء. أما عن الصلح، فالله يقول: "والصلح خير"، وهذه قاعدة عامة في الإسلام.. ولهذا كانت الدعوة إلى المصالحة استجابة لدعوة الإسلام.
  • هناك أيضا قضية دعاة الفضائيات الذين كان لديك معهم صولات وجولات، فما هو تقييمكم لهذه القضية بعد سنوات من انتشارها وتحولها إلى ظاهرة؟
  • أنا أسمي هذه القنوات "فضائحيات"، وليس "فضائيات"، لأنها تنشر "الفضائح"، وللأسف القنوات الفضائية رفعت بعض الناس إلى فوق بدون علم شرعي، فبعض الناس يعتقد أن الشهرة هي الأصل، ولكن لنسأله: أين علمك الشرعي، هل ظهورك في الفضائيات وشهرتك فيها دليل على أنك بلغت درجة العلم؟ ولهذا تُنشر الفضائح.. يعني مثلا تجد داعية في إحدى القنوات يقول في كلامه "ربنا سهران".. ما هذا الكلام؟ و"سيدنا آدم لما غلط ربنا مش هيسيبوا.. غشّشوا".. هذه قلة أدب.. وأمثالها كثير.. بعضهم يقول إن أسماء الحسنى ليست 99 اسما، وإنما 84 فقط! هذا من التهريج.. وأحدهم يقول إن شعر المرأة ليس عورة، أو يُفتي بجواز أن تؤمّ المرأة الرجال، وأن قبلة الشاب للبنت لا تُعتبر مشكلة، وهذا كله لغياب العلم الشرعي.. هل تعلم أخي الكريم أن ركبنا تعبت لكثرة ما جلسنا في المساجد نطلب العلم على المشايخ والعلماء، فمسار العلم طويل.. تخيل مثلا شخصا يبدأ الدراسة من المرحلة الابتدائية، ثم المتوسطة، ثم الثانوية، فالليسانس ثم الماجستير والدكتوراه، فلما يصل إلى هذه المرتبة، يجد أن هناك من قفز إلى هذه المرتبطة بإنزال جوي، ولم يمر بهذه المراحل اللازمة في طلب العلم! ولكنها الشهرة.
  • هذه مصيبة ذات بعدين، البعد الأول مرتبط بالقنوات التي تفتح أبوابها لأمثال أولئك الدعاة فيقولوا ما يقولونه بغير علم شرعي، والبعد الثاني مرتبط بالجمهور الذي يسمع أمثال أولئك الدعاة.. تأمل معي: أنا بحمد الله أحظى بالعلم الشرعي، ولكن لا علاقة لي بالطب مثلا، فكيف يجوز لي أن أتكلم في قضايا الطب وأنا لا أحسنها.. إن هذا من الجنون.
  • قضية جمال البنا مثلا تكشف هذا الأمر.. يعني أن كل فقه هذا الرجل هو أنه أخ الشيخ حسن البنا، ثم يفتي بأن شعر المرأة ليس عورة ونحوها من الفضائح، ثم تستضيفه القنوات الفضائية وأحد مستضيفيه داعية معروف، فيلقّب جمال البنا بـ"أستاذنا"، أي أستاذية لجمال البنا؟ الرجل نفسه يعترف ويقول إنه لا يملك علما شرعيا، فلم يتكلم في الدين، والعيب ليس عيبه، إنما هو عيب من استضافه ومكن له ليتكلم باسم الدين أولا، ثم عيب الناس الذين يستمعون إليه ثانيا. فالمشكلة هي أن الفضائيات رفعت أنسا لا يملكون العلم الشرعي.. والله تعالى يقول في سورة يوسف: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني".. فالبصيرة هي أساس الدعوة، والدعوة ترتكز أساسا على الكتاب والسنة، وليس على الكلام المعسول الخالي من التأصيل الشرعي.. والقصص..
  • وما هو الحل في نظر الشيخ وجدي غنيم؟
  • الحل هو أن نعيد المسائل إلى أصولها الصحيحة.. وفق الكتاب والسنة.. فأعداؤنا كانوا يسموننا "أصوليين"، أي أننا أناس نتبع الأصل، ولهذا نقول: الشهرة لا تصنع الداعية، وحتى لو كان القائل هو وجدي غنيم، فلا تؤخذ أقواله مجردة عن الدليل، لأنه لا حجة في كلام أحد من الدعاة أو العلماء إلا بالدليل.. وليس بالشهرة.. ولهذا بعض الدعاة أعطته شهرته مسوغا لكي يقول ما يشاء دون دليل، والناس يتقبلون منه لأنه مشهور وليس لأن ما قاله موافق للدليل، وقد قال الإمام عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، والإمام ابن سيرين يقول: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم". فلو مرض أحد لما رضي بغير الطبيب بديلا، فكيف نأخذ ديننا عمّن هبّ ودبّ؟!