author-picture

icon-writer ناصر

بعد وصولها إلى مطار هواري بومدين قادمة من القاهرة في رحلة جوية لأجل ملاقاة والدها لأول مرة بعد فراق دام 12 سنة قضتها مع والدتها المصرية، بدأت رحلة الشوق برّا منذ صباح أول أمس إلى مدينة قسنطينة موطن الوالد عمي صالح.

  • كانت الساعة تشير إلى منتصف نهار يوم الخميس عندما وصلت هجيرة وموكبها العائلي الكبير الذي استقبلها بالمطار إلى مدخل ولاية ميلة عبر الطريق السيار شرق ـ غرب قادمة من مدينة البويرة حيث قضت أول ليلة في حياتها في بلد والدها، وبينما كان قلبها يتلهف للقاء والدها الذي لم تره منذ 12 سنة وفقدت حتى خارطة وجهه وملامحه، تحوّلت سيارة عمها إلى مدخل مدينة وادي العثمانية وليس إلى مدينة قسنطينة حيث من المفروض أن تلتقي بوالدها في مسكنها، لتجد نفسها بجوار مستشفى الأمراض العصبية بوادي العثمانية.
  •  هجيرة بكلمات مصرية راحت تسأل عمها وشقيقها وابن عمها.. "إيه دا إحنا فين؟" ولم يجد أهل هجيرة من بدّ سوى بمفاجأتها بأول خبر مفجع غير سار، فالوالد عمي صالح الذي سافرت لأجله من الإسكندرية إلى مدينة قسنطينة يرقد بمستشفى الأمراض العصبية..
  • كانت الصدمة في منتهى العنف، ظلت تبكي في صمت إلى أن تمكن أطباء المستشفى من تحضير اللقاء في أحسن الأجواء الصحية، وخرج عمي صالح، ولأن المكان حساس جدا فإن منع التصوير داخل مصحات الأمراض العقلية جعلنا ننقل لكم ما حدث بالتفصيل المؤثر، فمن غير أن يُقال لعمي صالح الذي يرقد في المستشفى منذ أزيد عن عام عن إسم الزائرة وقف مذهولا مصدوما وصاح "هجيرة".. بينما ظلت هجيرة تذرف الدموع غير قادرة عن تفسير ما حدث لها.. »الشروق« بعد هذا المنظر المحزن المفرح، سألت هجيرة عن سر الدموع والصمت فقالت.. »إنه شعور لم أحسّ به في حياتي فرحة‭ ‬بعودتي‭ ‬ولقائي‭ ‬بوالدي‭ ‬وحزينة‭ ‬على‭ ‬حالته‭.. ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬بشيء‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬له‭ ‬وهذا‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬تصورته‭ ‬وجدت‭ ‬أبي‭ ‬ولكن‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬وجدته؟‮«‬‭.‬
  • الأطباء الذين يسهرون على حالة عمّي صالح قالوا لـ »الشروق« إن حالته تحسنت مقارنة بالنوبات العصبية الحادة التي كان يعاني منها منذ دخوله إلى أقدم مصحة للأمراض العقلية على مستوى الشرق الجزائري، خاصة أن أعراض الانهيارات بدأت في بنغازي الليبية عندما افتقد إبنته من الزوجة المصرية، ثم افتقد مهنته، وعندما دخل عالم التقاعد وأحس بفقدانه أمل اللقاء بابنته خاصة بعد اندلاع الأزمة الكروية الجزائرية ـ المصرية صار يهذي ويكلّم نفسه لكنهم أكدوا له أن أصعب اللحظات الصحية قد مرت وبإمكانه الخروج بشرط أن توفّر له عائلته جوا مريحا‭..‬
  • المفاجأة التي أذهلتنا وأذهلت هجيرة وحتى الطاقم الطبي الذي حوّل المستشفى إلى شبه قاعة حفلات هو أن عمي صالح البالغ من العمر حاليا 64 سنة مازال يذكر كل التفاصيل القديمة.. كان يسأل عن أخوال هاجر بالاسم وهي ترد، ثم يذكرها بعناد هذا وشقاوة ذاك وهي ذاهلة مما جعلها تعود إلى الاطمئنان على صحة الأب لينتهي موعد الزيارة الطبية التي كان فيها طاقم المستشفى في منتهى اللباقة ويحين زمن السفر إلى مدينة والدها قسنطينة التي تبعد عن المشفى بحوالي 40 كلم من أجل اللقاء بزوجة الأب الجزائرية وبقية العائلة..
  • المسكن يقع في قلب مدينة قسنطينة مقابل لورشة ضخمة لإنجاز مشروع ترامواي المدينة.. وصول هاجر تأخر إلى غاية الثالثة عصرا ولكنها عادت لتذرف الدموع عندما استقبلها إخوتها من والدها وعددهم سبعة وزوجة أمها بالأحضان والزغاريد كان الجميع يجتهد من أجل أن لا تحس هجيرة إبنة 18 عاما "مواليد 27 جوان 1993" بالغربة .. لم تشعر هجيرة بالتعب إطلاقا رغم السفر وحتى الحرارة التي كانت مرتفعة، ظلت ترد بلهجة مصرية والأهل يكلموها بلهجة جزائرية، لا أحد يفهم الآخر.. ولكن الابتسامات كانت تشرح المشاعر..
  • رائحة الوليمة كانت بادية في المسكن الجميل الذي حج إليه أهل هجيرة من كل مكان فوالدها عاش في تاجنانت بولاية ميلة وهو من أصول بسكرية لأجل ذلك تعددت اللهجات وبقي الإحساس واحد.. هجيرة هالها العدد الكبير من الأطفال والرضّع الذين أحاطوا بها بينما زوجة أبيها ملأتها‭ ‬بالحنان‭ ‬وشرعت‭ ‬في‭ ‬تحضير‭ ‬أطباق‭ ‬قسنطنية‭ ‬قالت‭ ‬إن‭ ‬‮"‬ابنتها‮"‬‭ ‬ستأكل‭ ‬أصابعها‭ ‬بعدها‭ ‬وهي‭ ‬الشربة‭ ‬القسنطينية‭ ‬الحمراء‭ ‬المسماة‭ ‬محليا‭ ‬‮"‬الجاري‮"‬‭ ‬والشخشوخة‭.. ‬
  • عدنا إلى أشقاء عمي صالح وأبنائهم ليروُوا لنا مأساة عمي صالح التي لم تكن اجتماعية فقط بل مهنية بالخصوص؛ فالرجل أفنى شبابه في العمل بليبيا التي هاجر إليها أواخر الثمانينات كسائق، كانت المهمات الشاقة كلها على عاتقه.. تعرّف على والدة ابنته وهي اسكندرانية من أب كان مهاجرا ببنغازي الليبية، وبمجرد أن أنجبت له هجيرة اندلع الخلاف وتطور في منتصف التسعينيات عندما قررت العائلة المصرية العودة إلى الإسكندرية وطلبت من عمي صالح الهجرة إلى مصر والتضحية بمهنته ليحدث الطلاق بعد ذلك ويفقد فلذة كبده ثم يفقد عمله بسبب النزوات الغريبة‭ ‬لمسئولي‭ ‬ليبيا‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يمنحون‭ ‬الأجنبي‭ ‬خاصة‭ ‬العربي‭ ‬أدنى‭ ‬حقوقه‭.. ‬
  • ما حدث بين الجزائر ومصر على خلفية مباراة الكرة الشهيرة كان يُبعد هجيرة عن أبيها أكثر، كان عمي صالح يتابع الفضائيات المصرية فيزيد اقتناعه بأن كل الأواب قد سُدّت فسقط في تيهان وضياع نفسي رهيب ثم اندلعت أحداث ليبيا وتحوّل البلد إلى موقعة لحرب أهلية بلا نهاية ليتأكد‭ ‬وهو‭ ‬يتابع‭ ‬الأحداث‭ ‬أن‭ ‬حقوقه‭ ‬المهنية‭ ‬أيضا‭ ‬قد‭ ‬ضاعت،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬يدري‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الكل‭..‬،‭ ‬ربما‭ ‬بعد‭ ‬العسر‭ ‬يسرا‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬إبنته‭ ‬هاجر‭.‬
  • السؤال الذي كان يطرح نفسه بقوة هو هل وجود هجيرة في الجزائر من أجل الاستقرار نهائيا في بلد والدها قسنطينة أم أنها زيارة للتعارف والسياحة والعودة إلى أهل والدتها بالاسكندرية.. سؤال أجابت عنه هجيرة ببراءة.. »أنا فرحة جدا هنا ومبسوطة جدا. المدينة ساحرة، الاستقبال ساحر، أنا لست في بلدي الثاني أنا في بلدي الحلم والحقيقة.. أنا مصرية الأم جزائرية الأب وليبية المولد، أحس أنني جامعة لكل الدول العربية في الوقت الذي باشر أعمامها وإخوتها تكوين ملف لضمها إلى مراكز التكوين المهني في الطبخ والطرز القسنطيني«.
  • كلمة أصرّت هجيرة وأبناء عمي صالح على أن يقولوها في حق سفارتنا في مصر والسيدة دليلة بالخصوص فقد كانوا جميعا من السفير إلى أقل موظف في القمة إلى درجة أن هجيرة عادت إلى الجزائر بحقيبة من الهدايا قبل أن تتلقى الورود والهدايا المادية والعاطفية من أهلها.
  •