• كنا مع أي تمرد ضد الهواري الذي نجح بدهائه في ترسيخ شعور "الولد المدلل" لدى الزبيري
author-picture

icon-writer محمد مسلم

قال الرائد لخضر بورقعة، القيادي في الولاية الرابعة التاريخية، إن تعيين العقيد الطاهر الزبيري، رئيسا لأركان الجيش الوطني الشعبي في 1963، جاء في إطار اتفاق تم بين الرئيس الأسبق أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد، الذي كان يقود تمردا مسلحا بمنطقة القبائل، أثناء هجوم الجيش المغربي على بشار، فيما عرف بـ "حرب الرمال"، وليس من طرف هواري بومدين مثلما هو شائع.

  • وأوضح بورقعة أن هجوم الجيش المغربي على الحدود الجنوبية الغربية للبلاد في خريف 1963، شكل فرصة حقيقية لتجاوز المشاكل التي كانت تعاني منها البلاد، غير أن بومدين كان لها بالمرصاد بالوقوف في طريق قرارات تمت مع بن بلة، وقال: "في الثالث من أكتوبر 1963، كان حسين آيت أحمد يقود تمردا في منطقة القبائل. كنت واحدا من رجاله، ولما سمعنا بهجوم الجيش المغربي على التراب الوطني، قررنا لقاء الرئيس بن بلة دون ترتيبات مسبقة".
  • وتابع القيادي بالولاية الرابعة التاريخية، في لقاء مع الشروق: "كنت برفقة حسين آيت أحمد والدكتور هرموش سعيد أرزقي، طبيب الولاية الرابعة. اتصلنا بأحمد فتال وكان يومها المدير العام للأمن الوطني، ليرافقنا إلى "فيلا جولي" (مقر إقامة بن بلة). وصلنا في حدود العاشرة ليلا، استقبلنا بروتوكول الرئاسة. ولما دخلنا الفيلا، خاطب بن بلة آيت أحمد قائلا: لم أكن أتوقع يوما أن يرفع حسين السلاح في وجهي، فرد آيت أحمد: لم أكن أتوقع يوما أن يقوم بن بلة برمي محمد بوضياف في السجن".
  • انتقل الطرفان، يقول المتحدث إلى الجدية وعيا بالمخاطر التي تحيق بالبلاد في تلك الآونة، وقد طبعت الجلسة نوعا من البرودة بسبب أرواح الضحايا الذين سقطوا في حرب الداخل بين الإخوة الفرقاء، ثم لم يلبث أن توجه آيت أحمد بسؤال لأحمد بن بلة قائلا: "من البادئ؟" في إشارة إلى عدوان المغرب على التراب الوطني.
  •  آيت أحمد وبورقعة في "فيلا جولي"
  • لم يرد بن بلة مباشرة على السؤال، بل تعداه إلى الواقع على الأرض، وقال: "المغاربة أخذوا حاسي بيضاء وهم يحاصرون بشار الآن". عندها رفع آيت أحمد ثلاثة مطالب عاجلة، أولها إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين (مثل  فرحات عباس، محمد بوضياف..)، وثانيها تكوين لجنة لتحضير مؤتمر يكون جامعا وشاملا في 1964، وثالثا: تكوين قيادة للجيش الوطني الشعبي تضم عضوا من كل ولاية من الولايات التاريخية الست، مع بقاء بومدين وزيرا للدفاع.
  • وفي غياب بومدين، تم الاتفاق على تعيين العقيد الطاهر الزبيري، قائدا للأركان، وهو الذي كان قائدا للولاية الأولى التاريخية، باعتباره مجاهدا من الرعيل الأول كان مرافقا لمصطفى بن بولعيد، والطاهر بودربالة ممثلا عن الولاية الثانية، وحسن محيوز عن الولاية الثالثة، ومحمد شعباني عن الولاية السادسة، والكولونيل عباس عن الخامسة، وقد اقترحت يقول بورقعة، لأمثل الولاية الرابعة، غير أنني رفضت، فاستبدلت بالرائد محمد بوسماحة.
  • وبحسب المتحدث، فإن بومدين الذي كان يومها وزيرا للدفاع وقد كان غائبا عن اللقاء بسبب الحرب مع الجارة المغرب، لم يوافق سوى على تعيين الطاهر الزبيري على رأس قيادة الأركان.. وهو ما عطل إنهاء أزمة منطقة القبائل، وفي هذا الصدد يقول بورقعة: "بعد انتهاء الاجتماع غادر الجميع إلى بيت آيت أحمد بالأبيار، وقد وجدنا محمد خيدر هناك، وعلمت بأن زوجتي آيت أحمد وخيدر شقيقتان". وتابع المتحدث: "كلفني آيت أحمد بنقل الجنود الذين كانوا في جبال القبائل إلى البليدة كي يتوجهوا نحو الحدود..ولما وصلوا رفض بومدين اندماجهم في الجيش وعزلهم في مكان معين دون مؤونة، ومع ذلك هاجموا الجيش المغربي وتوغلوا في ترابه لأكثر من 50 كيلومترا".  
  •  إعدام آيت أحمد وذكرى شعباني
  • انتظر الجميع ترسيم الاتفاق ببثه في التلفزيون والإذاعة، لكن الأمر طال ولم يظهر له أثر في الإعلام الرسمي، ففهم الجميع الرسالة، وفي الليلة الموالية غادر آيت أحمد العاصمة متوجها إلى معقله في بلاد القبائل إلى أن تم القبض عليه.
  • ويعتقد صاحب كتاب "شاهد على اغتيال الثورة" أن بومدين وقف ضد اتفاق بن بلة وآيت أحمد، لإطالة أمد أزمة القبائل، لأهداف محسوبة بدقة، وهي تحميل الرئيس بن بلة وزر تلك الأزمة، وبحسب بورقعة فإن بومدين كان يضغط على بن بلة بعد القبض على آيت أحمد، من أجل أن يحكم بالإعدام على قائد تمرد منطقة القبائل، وهو ما حصل، وقد فهم الجميع عندها أن الرئيس هو المسؤول وليس وزير دفاعه، كما حصل تماما في قضية شعباني، وفي ذلك أوراق رابحة يمكن لبومدين استغلالها لاحقا..
  • وقد حاول بورقعة رفقة الصادق دهيليس والأستاذ بلحسين، التوسط لدى بن بلة لتفادي تكرار كارثة العقيد شعباني، غير أن بن بلة رفض استقبال الثلاثة، الذين حاولوا الكرة مع محمود زرطال، الذي كان مدعيا عاما في قضية محاكمة شعباني، وربما كانت نجاة زعيم جبهة القوى الاشتراكية من الإعدام، أحد الأسباب التي كانت وراء انقلاب بومدين على بن بلة في جوان 1965 .
  •  دهاء بومدين وبساطة الزبيري
  • يرجع الرائد بورقعة فشل انقلاب الطاهر الزبيري، لجملة من العوامل، أولاها أن قائد الانقلاب لم يفكر بما فيه الكفاية في المحيطين به، وفي خصمه بدرجة أولى، ويقول: "ما من قائد نجح في مهمته إذا لم يكن دارسا فذا لرفاقه ولعدوه قبل أن تبدأ المعركة. يجب أن يكسب المعركة في قلوب رجاله قبل أن يخوضها، وإلا يجب ألا يغامر. كان هذا هو الخطأ الذي سقط فيه العقيد الزبيري وهو يباشر الانقلاب على بومدين في ديسمبر1967، إنه لم يدرس أفكار رجاله وطموحاتهم، لقد كانت أغلبية من شجع الزبيري ممن حركتهم المصالح الشخصية، فكانت النتيجة كما عرفها الجميع".
  • وبالنسبة لـ "مهرب" الزبيري من البليدة إلى العاصمة، فإن الثقة المفرطة أعمت قائد الانقلاب، وجعلته يثق كثيرا ببومدين، إلى درجة أنه كان يعتقد أنه "الولد المدلل" لدى بومدين، الذي نجح بدهائه في ترسيخ هذا الاعتقاد لدى من كان يخطط للإطاحة به.
  •  ..مع كل من يثور ضد بومدين
  • ويعترف بورقعة بأن جوا من عدم الثقة كانت تطبع محاولات الزبيري لتجنيد الموالين للانقلاب، ومع ذلك لم يتأخر بورقعة في مساندة الانقلابيين، ويقول: "قررنا في ذلك الوقت مساندة أي حركة أو تمرد ضد بومدين، بغض النظر عن من يقومون به، بشرط ألا يكون خارجيا، لأن بومدين استعمل السلاح الذي حرر البلاد في إرساء حكمه، فضلا عن انفراده بالسلطة، وتحطيمه للمؤسسة التي هزمت العدو ممثلا في جيش التحرير، وتفتيته للوحدة التي جمعت الجزائريين.
  • ومن هذا المنطلق، يرفض بورقعة اعتبار بومدين بطلا فريدا من نوعه في الجزائر، ويقول: "ما يشاع عن بومدين كلام إنشائي. الدولة بنيت بجهود جميع الجزائريين. بومدين لم يبن مؤسسات وإنما جعل من شخصه مؤسسة قائمة بذاتها. لقد حارب الديمقراطية وكانت حرية التعبير جريمة، وهذه هي الركائز التي تبنى عليها الدول الحديثة".
  • وتابع: "كل المشاريع التي أطلقها بومدين فشلت، أرسى الثورة الزراعية وكان يستورد الثوم من إسبانيا، أرسى الثورة الصناعية وكان يستورد مفك البراغي من الخارج، تحدث عن الثورة الصناعية وعجز عن حل المشاكل بين الشعانبة وبني ميزاب.. بومدين أعطى الأولوية للمظاهر، ولكن أهمل الأرض والإنسان، وهما عماد أي ثروة".