• الحلقة 16 والأخيرة
author-picture

icon-writer تحرير : مصطفى دالع

في الحلقة الأخيرة وليست الآخرة ستكتفي الشروق بالتوقف عند تفاصيل عودة العقيد الطاهر زبيري من منفاه الاضطراري إلى أرض الوطن، مع الإشارة إلى أن عدة فصول والكثير من التفاصيل التي لم تنشرها الشروق موجودة في كتاب "نصف قرن من الكفاح: مذكرات قائد أركان جزائري"، الذي سيكون متواجدا بالمكتبات في مختلف أنحاء الوطن مع نهاية هذا الأسبوع بإذن الله.

  •  ملحمة محاكمة ضباط حركة 14 ديسمبر                                    
  •   بعد أيام قضيناها في المغرب توجهنا إلى إسبانيا مع آيت أحمد وافترقنا هناك، حيث مكثنا ثلاثة أيام، وفي تلك الفترة (1969) عادت قضية الضباط المشاركين في حركة 14 ديسمبر 1967 إلى واجهة الأحداث بإعلان بداية محاكمتهم، وكان الإعدام الحكم المتوقع في مثل هذه الحالات، ولم يكن بإمكاني أن أبقى مكتوف الأيدي إزاء هذا الخطر المحدق بأخلص رجالي، ولم يكن من الصدفة أيضا أن تتزامن بداية محاكمتهم مع انطلاق المهرجان الثقافي الإفريقي الذي سعى بومدين من خلاله إلى التغطية على هذه المحاكمة.
  •   اتصلت بأشهر المحامين في المغرب على غرار بوستة الذي كان وزيرا سابقا للعدل، واتصلت بعلال الفاسي رئيس حزب الاستقلال المغربي، والمحامي معطي بوعبيد، وآخر يسمى "تبر"، وتحدثت مع نائب رئيس اتحاد المحامين العرب وهو مغربي ويسمى يوسفي (أصبح فيما بعد رئيسا للحكومة) ووافق لحضور المحاكمة كملاحظ، ولكن السلطات الجزائرية منعته، كما منعت جميع المحامين المغربيين من دخول الجزائر للمرافعة لصالح ضباط حركة 14 ديسمبر باستثناء واحد منهم ويدعى "برادة" والذي شغل أيضا منصب مدير جريدة العلم المغربية والذي تمكن من دخول الجزائر وقابل الضباط المسجونين لكن عندما اكتشفوا أمره منعوه من المرافعة لصالح موكليه، ورغم أن محمد شبيلة رجع إلى المغرب لتشجيع المحامين المغربيين على حضور المحاكمة، إلا أنهم اعتذروا عن المرافعة لصالحهم في ظل هذه الظروف.
  •   وتنقلت إلى لوزان وإلى تونس ووكلت محامين آخرين للدفاع عن ضباط حركة 14 ديسمبر، كما قام أقارب الضباط المعتقلين بتوكيل محامين جزائريين كان من بينهم علي هارون الذي وصل في 1992 إلى منصب عضو في المجلس الأعلى للدولة.
  •  بومدين: لن أضحي بالعباد في العيد الذي يضحى فيه بالكباش
  •   وعندما صدر حكم الإعدام في حق أبرز ضباط الحركة من قادة الفيالق، لم أيأس وسعيت بمساعدة الصحفية مارغريت إلى الضغط على بومدين بكل الوسائل من أجل عدم تنفيذ أحكام الإعدام، رغم أنه حكم عليّ أنا الآخر بالإعدام غيابيا، وهي المرة الثانية في حياتي التي يصدر في حقي حكم بالإعدام بعد ذلك الذي نطقت به محكمة استعمارية في 1955 ولكني تمكنت من الفرار حينها من السجن رفقة البطل مصطفى بن بولعيد و9 مجاهدين آخرين.
  •    قامت مارغريت بكتابة هذه الرسالة، وتبنيت عملية محاولة اغتيال بومدين، رغم أنني لم أكن على علم بها أصلا، ولكني تحمّلت المسؤولية لأفعل أيّ شيء من شأنه إبعاد حبل المشنقة عن رقاب قادة الفيالق، وأكدت بأن هؤلاء الضباط ليسوا مسؤولين عن هذه الحركة التي قدتها، لأنهم لم يقوموا سوى بتنفيذ الأوامر التي أعطيت لهم، ولو لم يستجيبوا لذلك فهذا يعني أنهم ضباط ليسوا في المستوى لأنهم غير ملتزمين بواجب الطاعة لمن هم أعلى درجة منهم في سلم القيادة.
  •   صورنا عشرات النسخ من هذه الرسالة، وجمعناهم في كيس وضعناه في السيارة، ولأنني كنت ممنوعا من ممارسة أي نشاط سياسي في سويسرا فقد اقترحت على مارغريت الذهاب إلى النمسا بالسيارة لإرسال هذه الرسائل عبر البريد، كنت مصابا حينها بالتهاب الحنجرة واشتد عليّ المرض ومع ذلك سقت السيارة من سويسرا إلى النمسا، وكانت مارغريت ترسل كمية من الرسائل في كل محطة وترجع إلى السيارة إلى أن وصلنا إلى مدينة "سان سبيري"، 15 كيلومتر داخل الحدود النمساوية، حينها أنهكني المرض ولم يبق في جسدي قوة تستجيب لروحي المتقدة، فقلت لمارغاريت: لا يمكنني أن أواصل أكثر.
  •   أخذتني مارغريت إلى فندق قريب وأجرت لنا غرفة، وجاءتني بالطبيب، واعتنت بي طيلة أربعة أيام أكثر من والدتي، فقد كانت تحترمني لأنني أمازيغي من أصول شاوية، وكانت تحب الأمازيغ وسبق لها أن اتصلت بآيت أحمد عندما كان متحصنا بجبال القبائل. 
  •    أرسلنا هذه الرسالة من لوزان إلى جمال عبد الناصر وإلى العديد من الزعماء ووزراء الدفاع وقادة الأركان في الوطن العربي وفي مختلف دول العالم كالاتحاد السوفياتي، لعل فيهم من يضغط على بومدين لتجميد تنفيذ حكم الإعدام، كما أجريت حوارا مع صحفي فرنسي يعمل في جريدة "لوفيغارو" كان صديقا لمحمد شبيلة حيث أقمنا في بيته لمدة أسبوع.     
  •   واستجاب بومدين لهذا الضغط ولم ينفذ حكم الإعدام في حق ضباط حركة 14 ديسمبر، وسمعت أنه بعد سنوات من صدور هذا الحكم جاءه وزير الداخلية في عيد الأضحى وطلب منه أن يرخص له بتنفيذ الحكم الصادر بحقهم، لكن بومدين أبى ذلك وقال له مستهجنا "إذا كان الناس يضحون بالكباش فلن أضحي بالعباد يوم العيد".
  •  الأسد، والأتاسي وبوتفليقة
  •   عندما انقلب وزير الدفاع السوري حافظ الأسد في 1970 على نظام الرئيس الأتاسي لجأ هذا الأخير رفقة وزير خارجيته إبراهيم ماخوس ومعهما خوري إلى الجزائر، فقد كانوا أصدقاء لوزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي كان له دور في منحهم اللجوء السياسي بالجزائر، خاصة وأنهم شاركوا في ثورة التحرير الجزائرية كأطباء وعالجوا الكثير من المجاهدين الجرحى على الحدود الجزائرية التونسية.
  •    غير أن النظام الجديد بقيادة حافظ الأسد لم يكن ينظر بعين الرضا لقبول الجزائر إيواء خصومه السياسيين لديها، لذلك حاول الاتصال بي عن طريق عقيد في المخابرات السورية يدعى غازي كنعان (وزير الداخلية الأسبق الذي يقال إنه مات منتحرا بسبب ورود اسمه في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري)، لأنه كان يعتقد بأنني أحضر أمرا ما ضد نظام بومدين، وربما كانوا حينها على استعداد لمناقشة تقديم دعم في هذا الخصوص للانتقام من بومدين الذي احتضن المعارضة السورية في الجزائر.
  •  سمع غازي كنعان بأنني موجود في طنجة بالمغرب فطار إليها لعله يلقاني بها وكان ذلك في 1970، وسأل عني هناك ولكنه لم يجدن، ولكن آيت أحمد أخبرني عن طريق وسيط بأن هذا الضابط أرسله قائد أركان الجيش السوري المدعو أحمد سويداني لمقابلتي في الرباط ولكنه لم يجدن.
  •  لقائي بالرئيس حافظ الأسد
  •   في 1970 زرت لبنان في رحلة البحث عن موطئ قدم أستطيع أن أستقر فيه مع عائلتي، وفي مطعم صغير ببيروت جلست أتناول غدائي وكانت تقابلني في مائدة أخرى سيدة فرنسية، وبالصدفة جاءت وكلمتني وتعرفت عليّ وقدمت نفسها على أنها صحفية فرنسية، وتبادلنا أطراف الحديث ثم مشينا في الخارج قليلا، واكتشفت بأنها شقيقة سفير فرنسا في الهند، وأخبرتها عن رغبتي في السفر إلى سوريا، فقالت لي: أعرف العقيد غازي كنعان ويمكنني أن آخذك إليه لمساعدتك.
  •   تبيّن لي لحظتها بأن هذه الصحفية تعمل أيضا في مجال الجوسسة، حيث كانت تعرف جيدا أين يمكن أن تجد العقيد غازي كنعان أحد ضباط المخابرات السورية البارزين والذي كان له مكتب في بيروت.
  •   أخذتني هذه الصحفية الفرنسية إلى مكتب العقيد كنعان الذي قال لي: "سآخذك إلى دمشق.. الرئيس الأسد يريد رؤيتك"، ثم سألني إن كان لي أي تنظيم مسلح داخل الجزائر، فقلت له نافيا: "تركت كل شيء في الجزائر".
  •   أقمت في فيلا بدمشق 20 يوما في انتظار مقابلة الرئيس الأسد، ووضعوا امرأة عجوزا في خدمتي، حيث كانت تقوم بشؤون المنزل وتحضر لي الطعام والشاي، كما كان العقيد كنعان يزورني يوميا ويأخذني في زيارة لمناطق سياحية بالعاصمة، إلى أن تم تحديد موعد مقابلتي للرئيس الأسد.
  •   لم أكن أعرف في سوريا سوى الرئيس حافظ الأسد الذي التقيته في 1967 عندما كنت قائدا للأركان وكان هو وزيرا للدفاع، وخلال لقائي به مجددا كنت أرغب في أن أطلب منه سكنا لأقيم فيه مع عائلتي، ولكن حديثنا اقتصر حول ملابسات أزمتي مع بومدين وكذلك حول انقلابه على الرئيس الأتاسي، حيث زج بالسجن صالح الجديد وزعيم، ولكن الأسد كان جد متضايق من منح الجزائر للدكتور حداد وماخوس اللجوء السياسي، وسألني الأسد عن ماخوس، فقلت له: أعلم بأنه في الجزائر لكن ليس لدي تفاصيل عنه.
  •   جرى لقائي بالرئيس حافظ الأسد في سرية تامة وسادته برودة قاتلة، فقد كان النظام الجديد في سوريا متخوفا من تأزيم العلاقة مع بومدين رغم استيائه لاستقبال خصومه اللدودين، وشعرت وكأن السوريين كانوا يخشون من أن تصل أخبار هذا اللقاء إلى سفير الجزائر بدمشق والذي من غرائب الصدف أنه كان أحد أصدقائي وكنت من اقترحه لهذا المنصب عندما كنت قائدا للأركان.
  •    منحني السوريون نحو ألفي ليرة سورية، وعدت إلى بيروت أين التقيت بالصحفية الفرنسية مجددا، والتي تعاطفت معي وقررت مساعدتي كي أتمكن من إحضار أسرتي للإقامة في دمشق، حيث تنقلت مرارا بين بيروت ودمشق، ولكن رغم البرودة التي كانت تميز العلاقات بين نظامي بومدين والأسد إلا أن هذا الأخير لم يجرؤ على الدخول في أزمة ديبلوماسية مع الجزائر التي كانت تتمتع برصيد تاريخي كبير وهيبة بين الأمم بفضل الزخم الذي تركته ثورة الجزائر، ولحد الآن لم أفهم لماذا لم يساعدني حافظ الأسد هل تقديرا واحتراما للجزائر أم خوفا من بومدين، رغم أن إبراهيم ماخوس يتهم نظام الأسد بمحاولة اغتياله خمس مرات في الجزائر لكن هذه المحاولات باءت بالفشل بفضل الحماية الأمنية التي كانت توفرها له الجزائر.
  •  القذافي أراد تحرير بن بله لكنه لم يجرؤ على تحدي بومدين
  •    في الفاتح سبتمبر 1969 وصل العقيد معمر القذافي إلى السلطة في ليبيا بعد أن أطاح بالنظام الملكي السنوسي، وكان هذا الرجل يكنّ احتراما شديدا لأحمد بن بله، واتصل مبعوثو العقيد القذافي بأحمد محساس في باريس وسألوه عني، إذ أنهم كانوا يعتقدون بأنني بعد أزمتي مع بومدين ندمت لمساعدتي إياه في الإطاحة بأحمد بن بله فرغبوا في الاتصال بي لحاجة في أنفسهم.
  •   والتقيت مجددا بمحساس في باريس (سنة 1972) وأخبرني أن السلطات الليبية تسأل عني، فقلت له: قضيتي الآن أين أضع بناتي.
  •   ولم يطل بي المقام حتى عدت إلى بيروت ومنها توجهت إلى طرابلس واستأجرت غرفة في أحد الفنادق، ثم توجهت مباشرة إلى وزارة الداخلية الليبية، وقلت لهم: سمعت بأنكم تفتشون عني، وأعطيتهم عنوان الفندق الذي سأقيم فيه، وأبديت لهم رغبتي في مقابلة وزير الداخلية وقائد الثورة العقيد معمر القذافي.
  •    جاءني وكيل وزارة الداخلية الليبية إلى الفندق وحاول أن يعرف وزني السياسي والعسكري في الجزائر وطبيعة علاقتي ببن بله وعن أزمتي مع بومدين، وقبل أن نفترق طرحت عليه رغبتي في الإقامة في ليبيا مع أسرتي، فقال لي: سنرى قائد ثورة الفاتح سبتمبر.. أعطنا رقم هاتفك حتى يمكننا أن نتصل بك لنبعث لك إعانة.
  •   لم أكن من ذلك الصنف الذي يكذب أو يخادع للوصول إلى مآربه، وهذا ما جعل نظام ثورة الفاتح يرفض إقامتي في طرابلس لأنه لم ير أنني أمثل له ورقة ضغط يمكنه أن يلعب بها ضد نظام بومدين، كما أنني لم أكن صديقا لبن بله ولم أندم لتحالفي مع بومدين للإطاحة به لأن ذلك كانت له مسبباته التي شرحتها في هذا الكتاب، ويبدو أن العقيد القذافي كان يرغب في إيجاد طريقة ما لتحرير أحمد بن بله وإعادته إلى السلطة ولو بتشجيع العسكريين الجزائريين بالانقلاب على بومدين.
  •   قبل أن أغادر ليبيا شدد علي مسؤولوها على ضرورة أن لا يسمع النظام الجزائري بأنهم استقبلوني في بلدهم، فطلبت منهم حينها أن يأتوني بتذاكر سفر إلى باريس فجاؤوا بها إلي دون إبطاء، وبدل أن يأخذوني إلى مطار طرابلس توجهوا بي في سيارة مرسيدس إلى مطار بنغازي البعيد عن العاصمة بأزيد من ألف كيلومتر وفي جو حار وليلا وفي شهر رمضان، خوفا من أن يكتشف رجال المخابرات الجزائريون المنتشرون في طرابلس تواجدي في ليبيا مما كان قد يسبب أزمة ما بين العقيد بومدين والعقيد القذافي هو في غنًى عنها.
  •   لم نصل إلى مطار بنغازي إلا بعد بزوغ الفجر وفي حالة إجهاد شديدة بسبب طول الطريق، مما جعلني أشعر بالاستياء وأقسم بعدم العودة إلى هذا البلد، حتى أن سفيرا ليبيًا في الجزائر سألني بعد سنوات طويلة من عودتي من المنفى عن سبب عدم زيارتي لهم، فقلت له بشكل صريح "أنا لا أحب السلطات الليبية والسويسرية". 
  •  وفاة بومدين وصعود الشاذلي بن جديد
  •   بعد وفاة بومدين في ديسمبر 1978، بانت لي تباشير الأمل في إمكانية العودة إلى الجزائر، فأرسلت أسرتي إلى أرض الوطن، وبقيت في باريس أنتظر إلى من ستؤول إليه مقاليد الأمور في البلاد، خاصة وأني سمعت كلاما حول إمكانية اختيار العقيد محمد الصالح يحياوي خلفا لبومدين بما أنه كان على رأس حزب جبهة التحرير الوطني، فلم أرد أن أضايقه بالدخول إلى الجزائر.
  •   لكن ظهر اسم آخر منافس ليحياوي على رئاسة الجمهورية هو عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية آنذاك المعروف بذكائه وحنكته، وكان بومدين يرسله للمهمات الصعبة.
  •  وفي خضم هذا التنافس على الرئاسة ظهر اسم لم يخطر على بال إنه "العقيد الشاذلي بن جديد" الذي بدأ نضاله الثوري كضابط صغير في المنطقة الأولى (القالة) بالقاعدة الشرقية، معروف بكونه إنسان هادئ ومحبوب بين المجاهدين ولم يكن يتميز بالصرامة ولم تظهر عليه تطلعات للقيادة، وعندما تولى بومدين قيادة الأركان العامة في الثورة رقاه إلى رتبة أعلى في القيادة الشمالية للحدود الشرقية، وبعد الاستقلال وبالضبط في 1965 قام بومدين بترقية الشاذلي بن جديد مرة أخرى إلى رتبة رائد وكلفه بقيادة الناحية العسكرية الثانية (وهران).
  •  العودة إلى أرض الوطن
  •   شرع الشاذلي بن جديد في التحضير للمؤتمر الرابع للحزب، وفي نفس الوقت اجتمعت مع أبرز المعارضين في الخارج واقترحت عليهم أن ننشر الرسالة التي حررها محساس في 1976 في الصحافة والتي دعونا فيها إلى إعادة تنظيم مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الذي نظمه بومدين في نفس السنة، كما اقترحت على محساس وأحمد قايد العودة إلى الجزائر للمشاركة في مؤتمر الحزب الذي قرر الشاذلي بن جديد عقده.
  •   وبعد انعقاد مؤتمر الحزب الذي انتخب الشاذلي بن جديد أمينا عاما له، أرسلت رسالة إلى الشاذلي عبر الرائد أوسليمان الذي كان تحت قيادتي في الفيلق الثالث بالقاعدة الشرقية، ورسالة أخرى عبر العقيد عبد الله بلهوشات الذي كان مقربا من الرئيس الجديد، أكدت على أنني سأدخل الجزائر في الفاتح نوفمبر 1979 وإن أرادوا اعتقالي فليفعلوا وكتبت له فيها "أنت تعرف قضيتي جيدا وقد تركتك تنظم المؤتمر وتصبح رئيسا للدولة ولكني في أول نوفمبر سأدخل إلى الجزائر".
  •   وبعد شهر من وفاة بومدين اُطلق سراح جماعتي خاصة المحكوم عليهم بالإعدام بعفو رئاسي من الشاذلي بن جديد الذي بعث لي الهادي لخذيري ـ الذي أصبح فيما بعد وزيرا للداخلية ـ لمحاولة ثنيي عن دخول الجزائر في هذا الظرف، كما أرسل لي مصطفى بلوصيف الذي عينه أمينا عاما لوزارة الدفاع وصهري العياشي حواسنية لإقناعي بعدم دخول الجزائر في الفاتح نوفمبر (عيد الثورة) لأن الشاذلي يحاول تهدئة الوضع.
  •   وفي ديسمبر 1979 أصدر الشاذلي بن جديد عفوا رئاسيا عني وعن بن بله وأصبح يحق لي أن أدخل الجزائر بعد 13 سنة قضيتها ضائعا في المنفى وحكم غيابي بالإعدام يلاحقني، وعندما سمع مقلاتي وجماعته باعتزامي دخول الجزائر أواخر عام 1980 وجهوا دعوات للناس لاستقبالي في المطار، لكن الهادي لخذيري وزير الداخلية والعقيد بلهوشات رفضوا هذا الأمر وأرادوا أن يتم دخولي إلى الجزائر في هدوء وذلك بإيعاز من الشاذلي.
  •  ووضعت قدمي على أرضية مطار الجزائر الدولي في نوفمبر 1980 وكان في استقبالي كل من الهادي لخذيري وقنيفذ وعبد الحميد سعايدي وعبد المجيد بوزيد، ثم زارني في البيت الذي أجرته أسرتي بعد طردها من مقر إقامتي منذ 1970 بعد خروجي إلى المنفى عدد كبير من الأصدقاء والرفاق والمسؤولين وإطارات في الدولة الذين هنأوني بالعودة سالما إلى أرض الوطن بعد نحو 13 سنة في المنفى الاضطراري.