author-picture

icon-writer ناصر

حادثة فريدة ولكنها ببُعد إنساني خيّر وقعت، ليلة أول أمس، داخل محل تجاري بالمدينة الجديدة علي منجلي بقسنطينة، بطلها شاب يدعى «محمد الهادي نوّي«، من مواليد أوت 1978 بقسنطينة، عانى منذ أن توفي والده عام 2008 وتركه ـ عائلا بصفته الأكبر ـ لوالدته ولخمس بنات وثلاثة ذكور وعلى مشارف الزواج. قاوم تكاليف الحياة ومنها المحل التجاري الذي اكتراه لأجل أن يُعيّش عائلته، ليكتشف، سهرة أول أمس، وهو يباشر غلق محله والعودة إلى بيته مبلغا قارب الأربعة ملايين دينار داخل كيس أسود في محله، فرفض نقله إلى بيته ودسّه في زاوية بعيدة وأقسم‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يقترب‭ ‬منه‭ ‬حتى‭ ‬يكتشف‭ ‬صاحبه‮.‬‭ ‬

  • الشروق اليومي سألت الشاب محمد الهادي، البالغ من العمر 33 عاما ومستواه التعليمي لا يزيد عن التاسعة أساسي، عن مغامرته الخيرية فقال: «أشتغل في تصليح أجهزة النقال في محل أبيع فيه أدوات الأكشاك من أقلام وبطاقات التعبئة والتبغ، كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء عندما دخل رجل في سن السابعة والأربعين فمنحني رقما هاتفيا وطلب مني تعبئة هاتفه بـ200 دج ولكنه أخطأ الرقم، فدخل في شجار هاتفي مع الذي استفاد من التعبئة، ثم طلب مني كيسا إضافيا يدسّ فيه الكيس الكبير الذي كان معه، وطلب علبة سجائر وخرج، فنسيت القصة نهائيا». ويقول صاحب الكيس، «كنت في شدة غضبي من المكالمة التي أجريتها مع شخص مجهول، أخطرته بأنني منحته 200 دج فثار في وجهي وأشبعني شتما، فخرجت غاضبا ونسيت نفسي والكيس الذي أحمله معي وبه مبلغ قارب الأربعة ملايين دينار، ولم اكتشف كارثة ضياع هاته الثروة إلا بعد ساعتين. «المفاجأة غير السارة أفقدت التاجر الذي يمتلك محلا تجاريا في منطقة دبي بالعلمة بولاية سطيف تركيزه، وهو في سفرية العودة إلى مدينته، تذكر أن شيئا مهما ينقصه ليُصدم بتضييع ماله، فراح يبحث في السيارة وفي كل الأماكن التي مرّ بها، ولم يبق أمامه إلا آخر أمل وهو أن يكون قد ترك ثروته في المحل التجاري الذي دخله بقسنطينة.ورغم الوقت المتأخر إلا أنه لاحظ خيوطا من الضوء في المحل التجاري، فدخل على استحياء وسأل إن كان قد وجد كيسا أبيضَ ثم خرج حزينا وهو مدرك أن ماله لن يعود، ليلحق به محمد الهادي ويصحح له لون الكيس، لأن ما وجده بلون أسود ليستدرك التاجر السطايفي ويتذكر أنه اقتنى الكيس الأسود من عند محمد الهادي، ثم قدم محتويات الكيس المليء بأوراق نقدية من فئة 1000 دج فاستخرجها محمد الهادي ومنحها لصاحبها الذي لم يصدّق عيناه. ولأنه لم ير في حياته مبلغا بهذه الضخامة، طلب محمد الهادي‭ ‬التقاط‭ ‬صورة‭ ‬مع‭ ‬الأموال‭ ‬للذكرى،‭ ‬ورفض‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬دينارا‭ ‬واحدا‭ ‬نظير‭ ‬شهامته،‭ ‬وطلب‭ ‬من‭ ‬التاجر‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬ذلك‭ ‬سرا،‭ ‬ووجدنا‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬إقناعه‭ ‬بالحديث‭ ‬للشروق‭ ‬اليومي‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬عبرة‭ ‬يقتدى‭ ‬بها‮.‬‭ ‬
  • محمد الهادي اختصر فعلته قائلا: «قبل أن يتوفى والدي حسان النوي، طلب منا أن لا نكذب ولا نسرق ولا نخون. وعندما أراد التاجر مكافأتي على حفظي للأمانة، طلبت منه أن يدعو لوالدي بالرحمة وفقط، حتى أمي وخطيبتي افتخرتا بي كثيرا وتنويان الاحتفال بي وبشهامتي. »الآن فقط،‭ ‬شعرت‭ ‬أنني‭ ‬أغنى‭ ‬الناس»‮. ‬وأنهى‭ ‬كلامه‭ ‬بقوله‭ ‬تعالى‮: «‬إنّا‭ ‬عرضنا‭ ‬الأمانة‭ ‬على‭ ‬السماوات‭ ‬والأرض‮ ‬والجبال‭ ‬فأبيْن‭ ‬أن‭ ‬يحملنها‭ ‬وأشفقنا‭ ‬منها‭ ‬وحملها‭ ‬الإنسان‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬ظلوما‭ ‬جهولا‮‬‭‬».
  • محمد الهادي في صورة تذكارية مع نصف مليار