-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أرحنا منك يا خطيبنا!

سلطان بركاني
  • 1683
  • 0
أرحنا منك يا خطيبنا!

الترغيب في تقصير الخطبة ثابت في الأحاديث الصّحيحة من قول النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- وفعله، وفي الآثار المروية عن سلف الأمّة المرضيين، وعلماءُ الأمّة مجمعون على استحباب التقصير، قال الإمام القرافي رحمه الله تعالى: “واتفق الجميع على استحسان قصر الخطبة” (الذخيرة: 2/ 345).. وقد كان الخطباء في قرون وأزمنة مضت في غنى تام عن إطالة الخطب، لأنّ النّاس كانوا -في الغالب- مرتبطين بالمساجد مهتمّين بمجالس الذّكر والعلم، في سائر أيام الأسبوع، يفقهون لغة العرب ويفهمون مرامي الكلام، ولم يكن واقعهم معقّدا ومتشعبا كما هي حال واقع النّاس اليوم.

لستُ أبرّر إصرار بعض الخطباء في زماننا هذا على إطالة خطبة الجمعة إلى الحدّ الذي يتأذّى معه أصحاب الأعذار والمشاغل، ولا يعجبني أن يشرّق الإمام في الكلام ويغرّب حتّى ينسي آخرُ كلامه أوّله، كما يقلقني -كغيري من النّاس- صنيع بعض الخطباء الذين يَجمعون بين الحشف وسوء الكيل، بين ضعف المادّة والإلقاء وبين الطّول المملّ.. ولكنّي أحبّ أن ألفت الانتباه إلى سبب أظنّه أهمّ الأسباب التي أدّت إلى استشراء ظاهرة العزوف عن حضور الخطب والدروس المسجديّة وكثرة التبرّم منها والإدمان على انتقادها، هو هذا التناقض الذي نعيشه في واقعنا، بين إنفاق الأوقات الطويلة في مجالس اللغو واللهو، وبين الشحّ المطاع في الأوقات التي نقضيها في مجالس الذّكر، ننشد المثالية في كلام الإمام ونعدّ له الدّقائق ونحصي له الهنّات، لكنّنا نصغي بكلّ اهتمام وتفاعل لأحاديث اللغو في المقاهي والأسواق من دون حساب للوقت ولا تحرّز من الزّلات! تناقض سببه قسوة القلوب وإيثار العاجلة على الآخرة.

كثير من رواد المساجد يبرّرون عزوفهم عن سماع الخطب وتبرّمهم من طولها في بعض المساجد، بضعف مستوى الخطباء وبعدهم عن الواقع، ويذهب بعض المصلين بعيدا إلى إشهار تهمة اعتماد الأئمّة على الأوراق التي ترسل إليهم من الجهات المسؤولة، مع أنّ الخطباء في الجزائر -خاصّة- لا أحد يملي عليهم خطبهم أو يرسل إليهم خطبا يلزمهم بإلقائها، ولا أدلّ على ذلك من أنّك تجد في كلّ مسجد من مساجد المدينة الواحدة خطابا مختلفا في موضوعه عن المساجد الآخر.. التعلّل بضعف مستوى الخطاب المسجديّ قد يكون وجيها وصادقا في حقّ بعض الأئمّة، لكنّه لا يصدق في حقّ أكثرهم، خاصّة في حقّ الجيل الجديد من الأئمّة خريجي الجامعات الذين يجتهد أكثرهم في مواكبة الواقع، على اختلاف بينهم في المادّة واللغة والإلقاء.

هناك مساجد كثيرة يخطب على منابرها أئمّة أوتوا حظّا وافرا من الفصاحة وسعة الاطّلاع وحسن الإلقاء، لكنّك تجد كثيرا من المصلين يتركونها إلى مساجد أخرى يتولّى الخطابة فيها أئمّة ذوي مستويات متواضعة، لا لشيء إلا لأنّ هؤلاء الأئمّة متواضعي المستوى يُنهون خطبهم ربع ساعة -أو أقلّ- قبل المساجد الأخرى، حتّى إنّ بعض الأئمّة أصبحوا يغطّون على الضّعف الذي يشعرون به في خطابهم بالحرص على التقصير، والعجيب أنّك تجد مساجدهم تمتلئ عن آخرها وتمتلئ ساحاتها بالمصلين يوم الجمعة.

إنّنا لو صدقنا مع أنفسنا في الوقوف على السّبب الذي يجعلنا نعزف عن حضور الخطب والدّروس، لوجدنا أنّه راجع إلى أنفسنا التي تستثقل كلّ ما له علاقة بالدّين والآخرة، وإلى قلوبنا التي قست من ذكر الله، حتّى إنّ الواحد منّا قد يقضي في المقهى مع خلانه وقتا يزيد أضعافا مضاعفة على الوقت الذي يقضيه في المسجد، ولا يشعر بملل ولا ضجر، وربّما يخرج من المسجد فيقف غير بعيد عن بابه مع أصدقائه يخوضون في مواضيع شتّى، بعد أن ينقشع عنه -فجأة- الملل الذي انتابه أثناء الخطبة، وربّما يجلس في بيته أو في إحدى المقاهي لمتابعة مباراة مهمّة يحتدم فيها التنافس بين فريقين كبيرين، فيتمنّى لو أنّها تمتدّ إلى الأشواط الإضافية وضربات الجزاء، لكنّه -في المقابل- قد يجلس أمام خطيب يجمع بين العلم والفصاحة، وبين جمال المبنى وجودة المضمون، فتكون حاله كما لو أنّه يجلس على الجمر، يتمنّى أن يسمع عبارة “قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”.. كلّ هذا مع أنّ الخطيب يقدّم له ما ينفعه ويعينه في الانتصار على الشّيطان في معركة مصيرية، ينبني على نتيجتها مستقبله الدنيوي والأخروي، على خلاف نتيجة المباراة التي لن تنفعه بشيء في دنياه وآخرته، بل قد تضيّع عليه عملا نافعا في دنياه، أو تضيّع عليه صلاته أو تفوتّ عليه البرّ بوالديه.

أضحى أكثر المصلّين يبحثون عن أكثر الأئمّة تقصيرا للخطبة، وربّما يتنقّل الواحد منهم بسيارته لمسافة تستغرق منه وقتا يزيد أضعافا على وقت الخطبة، ليجلس أمام خطيب يريحه من الخطبة في أقصر وقت ممكن! ما يدلّ على أنّ المشكلة ليست ضيقا في وقت المصلّي ولا شغلا مهما ينتظره بعد الصّلاة، أو أنّ به عذرا يمنعه من الجلوس طويلا، لكنّها النفس الأمّارة بالسوء هي من تنفر من مجالس الذّكر، والقلب القاسي الذي يضيق لسماع المواعظ والدّروس. لذلك تجد مَن هذه حاله مع خطبة الجمعة، لا تطاوعه نفسه على سماع موعظة أو كلمة نافعة مدّتها خمس دقائق، على هاتفه، ويمرّ على الفيديوهات الدينيّة سريعا، بينما يقف طويلا عند فيديوهات اللّعب والغرائب والضّحك والإثارة!

لقد أمست ظاهرةً في جلّ المساجد، أن تجد أكثر المصلّين يأتون صلاة الجمعة حينما يقترب الخطيب من إنهاء خطبته، وهكذا في سائرّ الدّروس الأسبوعيّة؛ أين تجد كثيرا من المصلّين يأتي أحدهم المسجد، فإذا وجد الإمام يلقي درسه، استلّ هاتفه وجعل يقلّب صفحاته، أو مال إلى صديقه ليخوضا في أحاديث الدّنيا، حتّى تقام الصّلاة! لسان حال كثير من رواد المساجد في السّنوات الأخيرة مع الخطب والدّروس المسجدية: “أرحنا منك يا إمام”، ولو صدقوا لقالوا: “أرحنا منها يا إمام”!

إنّ الإمام مهما كان مستواه متواضعا، فإنّه متى ما كان حديثه يصبّ في الحضّ على تقوى الله والنّهي عن معصية المولى جلّ في علاه، فإنّ الآذان حريّ بها أن تصغي له، والقلوب يفترض أن تتدبّر كلامه وهي تستشعر شرف الزّمان والمكان، وفضل الجلوس في مجالس الذّكر التي تحفّها الملائكة وتغشاها الرّحمة ويثني الله على أهلها في الملأ الأعلى.. إنّنا في أمسّ الحاجة لأن نخفّف عن قلوبنا ثقل الدّنيا ووطأتها، ونجعل للآخرة مساحة أهمّ في حياتنا.. إنّه لمن المعيب أن يقضي الواحد منّا 167 ساعة في الأسبوع لا همّ ولا شغل له إلا الدّنيا، ثمّ إذا حانت ساعة الجمعة جرّ قدميه إلى المسجد جرا، وجلس في المسجد كما لو أنّ جبال الدّنيا وضعت على ظهره، يتمنّى لو أنّ تلك السّاعة تُختصر لتصبح دقيقة واحدة يرتاح فيها من هذا الواجب الذي أثقل قلبه قبل كاهله!

أئمّة المساجد وخطباء المنابر في حاجة لأن يجتهدوا في تقديم الأنفع في وقت قصير، لكنّ رواد المساجد من جهتهم في حاجة لمجاهدة أنفسهم الأمّارة بالسّوء على الصّبر في بيوت الله، قبل مجاهدة الخطباء لإرغامهم على تقصير خطبهم. الخلل لن يقف عند حدّ استطالة الخطب واستثقالها، بل يمتدّ إلى استطالة واستثقال كلّ كلام يذكّر بالآخرة، وكلّ عمل ينفع العبد بعد الممات، حتّى تكون حالنا قريبة من حال من قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون﴾.. أما يكفينا أنّنا أصبحنا نستغرب الكلام في أمور الدّين والآخرة في

السّاحات العامّة ووسائل النّقل وفي الإدارات، حتّى إذا سمعنا من يتكلّم في الدّين خارج المسجد نظرنا إليه باستغراب واستهجان؟ أما يكفينا هذا حتّى نزيد على ذلك بأن نستطيل ونستثقل الكلام عن الدّين في بيوت الله؟!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!