-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أزمة توزيع الكتاب المدرسي!

أزمة توزيع الكتاب المدرسي!

ليس ميدان التربية والتعليم ميدانا للصدام والعراك، وليس ساحة للمبارزة والصراع؛ لأنه مفرط الحساسية وسريع التأثر بما يجري فيه. وكلما نشب فيه خلاف حول شأن من شؤونه؛ فإن طرفا خفيا يمثل أضعف حلقة من بين حلقاته يكون دوما هو الخاسر المنهك الأول، وهو المتعلم. والمبادرات التي لا تضع حسابا للمتعلم لا تنتهي إلا إلى خسران مبين، ولا تأتي سوى بنتائج معرقلة ومنفرة تقيم عقبات في طريق تطوّر المدرسة من حيث نشاطها وأداؤها وتحسين مخرجاتها. ولا ترتاح المدرسة إلا إذا كانت الحلول المقترحة لمشكلاتها مسبوقة بالدراسة الواعية ومتصفة بالإتزان والاعتدال ومراعية للظروف المستديمة والطارئة.

فجأة، برزت قضية وصول الكتاب المدرسي إلى أيدي المتعلمين، وأخذت شكل أزمة عصية عن الفهم. وطغت على كل أحداث الدخول المدرسي الذي يتقدم حركية الدخول الاجتماعي برمته. وأصبح الكتاب المدرسي موضوعا للأحاديث المتداولة بين العامة والخاصة في كل مكان. ومثلما قلق المتعلمون من أمره، فقد احتار الأولياء في شأنه، وسبب لهم جميعا انزعاجا واضطرابا وأرقا. فهل يعقل أن تطبع ملايين النسخ من الكتب المدرسية لكل المستويات التعليمية في الوقت المناسب، ولكنها لا تبلغ أصحابها في الوقت المناسب؟. وإن حصل وصولها فلا يكون إلا بعد كد وعناء.

من سمات القرارات الارتجالية التي لا تناقش مناقشة مستفيضة قبل تطبيقها أنها كثيرا ما تجلب السوء والاستنكار والاستقباح والاعتراض والإعراض. وفي الوقت الذي يفترض فيه أن نمنح عناية كبيرة للكتاب المدرسي من حيث مضمونه وتناسق وحداته وانسجامها مع المنهاج، والنظر في درجة مقروئيته باعتبار أنه وسيلة فعالة في كل الممارسات البيداغوجية داخل وخارج الفصل الدراسي لتجويد نوعية التعليم والتعلم والتربية، وترعى مواده ومظهره بالتقويم المستمر بغرض الرفع من قيمته شكلا ومحتوى، وجدنا أنفسنا أمام معضلة أخذت وجها اجتماعيا معقدا ومستغربا. وكانت مادة دسمة لكثير من الجرائد التي أفردت لها صفحات ملأتها استقصاءات وتحليلات.

كان توفير الكتاب المدرسي في المؤسسات التعليمية في السنوات الماضية أمرا عاديا، وكان المتعلمون يتحصلون عليه بأيسر السبل وأسهلها. وكان مديرو المدارس الابتدائية ومقتصدو الإكماليات والثانويات يتكفلون بإحضاره اعتمادا على وسائل خاصة أو وسائل المؤسسة التعليمية إن توفرت أو بمساعدة البلديات. ومع بروز النشاط النقابي وكثرة المطالب المادية، ظهرت المطالبة بتعويض نقدي لكل من يتكلف بإحضاره وتوزيعه تحت دعاوى مختلفة. ووصل الحد إلى الامتناع عن إتمام هذا العمل امتناعا تاما أخذ صورة المقاطعة.

تمخض عن بيع الكتب المدرسية في المكتبات موجات من التذمر والسخط والاستهجان من قبل الأولياء. وذهب الناس يتزاحمون في طوابير طويلة حتى ليلا تحت تهديدات الوباء المنتشر من أجل الظفر بنسخ منها. ووقعت نزاعات وشجارات أمام المكتبات من جراء الازدحام والتدافع. وفرض على بعضهم السفر لمسافات بعيدة بحثا عنها تحت إلحاحات الأبناء وتهديدات المعلمين والأساتذة.

من بين الملاحظات التي استرعت الانتباه نفاد أعداد نسخ الكتب المعروضة في بعض المكتبات التي أجيز لها بيعها في وقت وجيز وتوفرها في المكتبات الرصيفية. مما يعني أن سيطرة الاحتكار والسوق السوداء كانا سببين في ارتفاع أسعارها عن السعر الرسمي المحدد. ومن غير المستبعد أن تكون هذه الكتب المعروضة على قوارع الشوارع قد خرجت من المكتبات لأن أصحابها لم يقنعوا بهامش الربح الممنوح والضئيل في نظرهم. وبموازاة ذلك، سادت في بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبح لها تأثيرها في صياغة وتوجيه الرأي العام والتحكم فيه، سادت دعاية مؤداها أن عدد النسخ المطبوعة لا تلبي كل الطلبات، وهي دعاية تغذي مخزون القلق، وترفع من الإقبال على السوق السوداء؟.

من باب الفضول، وقفت أمام صاحب مكتبة رصيفية يبدو أنه من الباعة الموسميين الذين يقتنصون الفرص، ويختارون لون تجارتهم حسب الظروف وما تجود به. وحملت كتابا مخصصا للنشاطات في التعليم الابتدائي، وسألته عن سعره، فكان جواب: ثلاثمائة وخمسون دينار جزائري؟؟. بينما كان السعر الرسمي المسجل على غلافه الأخير هو مائتان وعشرون دينار جزائري؟. لقد تجاوز هامش الربح نسبة خمسين في المائة (50%). فهل يعقل أن يترك الكتاب المدرسي مادة يُتلاعب بها تجاريا رغم أنه مدعم من قبل الدولة، وتوزع نسخ كثيرة منه مجانا على فئات معينة من المجتمع؟. وهل يقبل أن يفرط في الرفق بالمواطنين الغلابى والمقهورين ماديا وحماية جيوبهم شبه الخاوية من جشع وطمع التجار المنهومين الذين ماتت الرحمة في قلوبهم؟.

إن الصورة محيرة ومربكة حقا!. وهناك تناقض يصعب فهمه؟. ففي الوقت الذي تحقق فيه الجزائر إنجازا كبيرا بطباعة ما يزيد عن ثمانين مليون نسخة من الكتب المدرسية في مختلف المواد والمستويات، وهو الشق المتعب من العملية، تقف شبه عاجزة عن توصيلها إلى المتعلمين بعد حمايته من مكائد السماسرة الفاسقين، وبطرق سلسة لا تثير تشنجا أو انقباضا؟.

حتى لا يفقد الكتاب المدرسي هيبته وهي جزء معتبر من هيبة المدرسة، ولا يضيف جرحا آخر نازفا في كيانها مثلما فعلت وما تزال تفعل الدروس اللصوصية ينبغي أن تظل المؤسسات التعليمية متكفلة بتوصيله إلى المتعلمين، وتمكينهم من اقتنائه في ظروف ميسرة، كما كانت العملية تجري في السابق تحت إشراف مديري المدارس الابتدائية ومقتصدي الإكماليات والثانويات. ولعلنا نقبل بعض الحجج الاعتراضية التي يتحجج بها هؤلاء، ولكن اعتقد أن قوة هذه الحجج تهون وتستصغر لما نضع هدفا نبيلا مشتركا متمثلا في خدمة المتعلم، وفي توفير شروط عادية لمزاولة تعلمه في أجواء من الراحة والطمأنينة.

نتفق مع من يدّعون أن المؤسسات التعليمية ليست أسواقا لممارسة التجارية، ولكن لنا أن نسألهم: لماذا يؤسسون نوادي لبيع المشروبات والحلويات وحتى الأدوات المدرسية أحيانا في الإكماليات والثانويات؟. ومن يشرف على الحسابات فيها؟. ولماذا تعقد رحلات ترفيهية للمتعلمين، فهل توجد في المدارس وكلات سياحية؟. ولماذا يقبل التطوع لجمع اشتراكات جمعيات أولياء التلاميذ في غياب ممثلين عنها؟. إن الأعراف الإدارية المتسامحة التي أجازت القيام هذه الأعمال يمكن أن تتسع وتتعامل مع الكتاب المدرسي على نفس هذا الأساس.

لا نتمنى أن تتحول مشكلة توزيع الكتاب المدرسي إلى أزمة حادة تظهر مع مطلع كل دخول مدرسي، وأن يصير الكتاب المدرسي مادة تجارية للربح الوفير في أيدي السماسرة الذين لا يعرفون للتربية قيمة ولا يدركون لرسالة المدرسة معنى. وعلى وزارة التربية الوطنية أن تعقد ندوة وطنية لمناقشة الموضوع والنظر فيه من عدة زوايا بعد تقويم التجارب السابقة واستخلاص النافع منها. ولا أرى مانعا من الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا الجانب حتى نجنب مدرستنا هذه الأزمة، ولا نسير في طريق خلخلتها وإضعافها ، ونقيها شرور الانتقاد السلبي الذي لا يرى سوى السوّاد، ولا ينتعش إلا في الظلام. وحتى يحافظ الكتاب المدرسي على مكانته في العمليات التعليمية التعلمية.

نهيب بزمرة السادة المديرين، وخاصة أولئك الذين يديرون مؤسسات تعليمية في القرى والأرياف، على قيامهم بإحضار الكتب المدرسية إلى تلاميذ مدارسهم اعتمادا على إمكانياتهم الخاصة شعورا منهم بمسؤوليتهم وبأهمية هذه الواجب الذي يخدم المتعلمين والمعلمين والأساتذة على حد سواء، ولم ينخرطوا في موكب المقاطعين انخراطا غوغائيا.

يغمرني شعور مؤداه أن معظم مديري المؤسسات التعليمية شرفاء ويدركون أن العمل الذي يؤدونه يقاس بمدى تأثيره الطيب والإيجابي على من يشرفون عليهم، وخاصة على فئات المتعلمين، وأنهم لا يترددون في التضحية والتفاني من أجل خدمة المدرسة. ولكي يبعدوا بعض التهم عن أنفسهم التي تصفهم بصفات هم برآء منها، أريدهم أن يلحوا على تحويل كل تعويض مادي يطالبون به من وراء توزيع الكتاب المدرسي إلى حسابات المدارس، وأن يوصوا على صرفه في سبيل تغطية جوانب من مصاريفها حتى يجنبوا أنفسهم اللمز ويبعدوها عن الغمز.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!