إدارة الموقع
في نفس الجناح الذي كانت تقيم فيه نصيرة بكوش

أستاذة جامعية تروي معاناتها سابقا بالإقامة الجامعية أولاد فايت 2

سمية سعادة
  • 2942
  • 10
أستاذة جامعية تروي معاناتها سابقا بالإقامة الجامعية أولاد فايت 2
أرشيف

رغم مرور نحو 12 سنة على هذه الأحداث، إلا أنّ الأستاذة الجامعية في الصحافة فطيمة حواس، لم تنس ما جرى لها في نفس الإقامة والجناح الجامعيين اللذين قضت فيهما الطالبة بكوش نصيرة حرقا قبل أيام قليلة، فقررت أن تبوح بما كتمته عن أمها طيلة هذه السنوات.

تقول فطيمة:

الأسبوع الأول بعد عطلة الشتاء وتحديدا في الخامس من شهر جانفي 2009 حدث حريق مماثل بالجناح”أف” الذي كنت أسكن غرفته رقم 77 .. طالبة من عين الدفلى في الغرفة المجاورة غفت عيونها في ليلة ماطرة باردة .. تدلّت البطانية على جهاز التدفئة “الريزيستونس” فشبّ حريق أتى تقريبا على كل الجناح..

أغلقت الإدارة الجناح ووزعت الطالبات على باقي الإقامات وفق اختيارهن ..ولأنني كنت غائبة بسبب وفاة أختي في الأسبوع ذاته وجهت إداريا إلى أولاد فايت 2 …

عدت إلى العاصمة يوم العاشر جانفي لأعلم بالحريق وتشردي بعد أن أتلفت أغراضي وملابسي بسبب الحريق، الوجهة أولاد فايت2 طريق طويلة ومشكل كبير يفوق سني ..

أهل يبكون فقدان ابنة فكيف أشكو لهم همي .. حدّثت نفسي أن “سايري الظرف” وكوني أقوى، فامتحانات السداسي الأول بعد أسبوع، قمت بالإجراءات الإدارية في الإقامة المستقبلة، تثاقلت خطواتي صاعدة إلى الطابق الثالث “الغرفة” سي 131″غرفة صغيرة، سريران متقابلان، دلاء مملوءة ماء وحتى فناجين القهوة مملوءة، إشارة التقطتها أن أزمة ماء سأضيفها  إلى قاموس الحياة الجامعية هنا…

تمددت فوق السرير، وتمددت معي كل همومي السابقة وحتى القادمة التي ارتسمت في السقف وجملة من التساؤلات والحلول تتصارع في ذهني.. حركة المفتاح في الباب، تدخل صاحبة الغرفة: “من أنت وذلك سريري والآخر لصديقتي لا مكان لشخص إضافي، الغرفة ضيقة كما ترين،  “افريها مع الإدارة “…

عدت أدراجي إلى الإدارة لتقابلني الكلمة اللغز في الإدارة الجزائرية ” ارجعي غدوة ” لكن غدا عندي دراسة والليلة لا سرير لي ولا غطاء ولا فراش فما أنا فاعلة، العودة إلى البيت بهذا التوقيت مستحيلة والمبيت بتلك الغرفة مستحيل، لم يكن لي خيار إلا الثاني، توسلت الطالبتين لقضاء الليلة وغدا أمر آخر، قضيت الليلة جالسة على كرسي ألعب ” الدودة ” على هاتف” نوكيا 1100″ .

كنت أقرأ حياة الدودة التي كانت تؤنسني وتطوي معي الليل الطويل من زاويتين، أحلامي التي تبدأ صغيرة تكبر تكبر ثم تخبو في خط مستمر يملأ الشاشة في غفوة من عينين غلبهما النعاس، نهاية كل متكبر يأكل فيكبر ويكبر لكن نهايته إطار أو جدار يحطمه.

حلّ الصباح، أولوية الغرفة على الدراسة رغم شبح الإقصاء لغيابات مبررة أو غير مبررة، قابلت المديرة: “لا يوجد حل إلا إجبار الطالبتين على قبولك، الأفرشة والأغطية لا توجد فقد وزعت كلها وكما تعلمين نحن بشهر جانفي “.. لكن يا سيدة حالتي استثنائية .. ترد السيدة: “لا حل عندي لك أن تبحثي بين الأجنحة على “مطرح أرماوه البنات”.

 لم يكن لي حلا، إلا ما وجهتني إليه، لكن نفسي تقززت وعافت تلك الأفرشة المبللة الممزقة التي تتدفى بها القطط والجرذان، صداقة الأعداء بحثا عن الدفء أو يتفق الأعداء لما تحضر المصلحة، هذا ما قلته في سريرتي ولساني يلعن النهار الذي قدمت فيه إلى العاصمة أطارد حلما ضائعا بين ليل نائمة على كرسي بالغرفة ونهار جالسة على كرسي بالإدارة وبينهما بحث بين الأجنحة وأسفل السلالم، وطرق على باب الغرف باحثة عن “ماطلة زيادة”.

 مرّ أسبوع والأمر كذلك، أمي تتصل كل يوم تسأل عني.. “أنا بخير”

“نرقد ناكل لباس بيا ما خصني والو متتقلقيش عليا”  كلما أرى اتصالها تحضرني كلمات الفنانة نورة “لا تقولوا لميمتي ميمتي الحيرانة…لا تحكولها قصتي تكويها الحنانة…وما نزيدهاش أنا يكفي ما عدات محانة “…

تسوية وضعية الغرفة، التحضير لامتحانات تبدأ هذا الأسبوع 14 جانفي، لم أجد وقتا ولا راحة نفسية أنزل بها إلى البيت، بل لم أجد وقتا أمارس فيه الحزن على أختي ولا حتى ضياع أخت أخرى تركتها بوهران.

لم يعد الكرسي يقوى على حملي أو ربما أنا لم أعد أقوى قساوة خشبه، لم يكن أمام جسدي المنهك إلا أن يستلقي أرضا، نعم أرضا في شتاء جانفي بالغرفة ” سي 131″ أولاد فايت 2، أتدثر بمعطفي ولما يصل برد البلاط عظمي أفترش معطفي، ولما يتسلل برد السقف جانبي العلوي أغير وضعية المعطف مرة غطاء وأخرى فراش إلى أن يظهر الخيط الأبيض من الأسود، فألبس المعطف متجهة إما لاجتياز الامتحان، أو الجلوس إلى كرسي قاعة انتظار المديرة..

مرت ليلة، فليلتان، فثلاث تباعا, وفي صبيحة اليوم الرابع فقد جسدي القدرة على النهوض صباحا، أسمع الطالبتين تتحدثان: “شفتي مسكينة غاضتني مقدرتش نرقد، مرة تتغطى بالمونتطو (المعطف) ومرة تفرشوا”.

ترد الأخرى: “ايه حتى أنا شفتها…اسمعي خلاص اليوم يا إما نرقد أنا وياك في سرير واحد ونترك لها الآخر أو نفرشوا الماطلات في الأرض ونرقدوا في ثلاثة “فكان ما خططتا له أو اتفقتا عليه، أولا انفردت بسرير  ليتشاركا هما الآخر مرة الرأس للرأس، والرجل للرجل وأخرى على خلاف، الرأس للرجل، والرجل للرأس، بحثا عن وضعية نوم مريحة لهما لكن هيهات ..

انتقلت معاناتي إليهما قبل أن نتشاركها ثلاثتنا بالانتقال إلى الاقتراح الثاني، واستمر الأمر إلى حين ظهور معاناة أخرى مع طبيبة الإقامة وتشخيصها الواهم أن قلبي ضعيف وبه ثقب، تشخيص أكده كذلك طبيب إقامة الجيلالي اليابس الذي منحني هو الآخر ظرفا محكم الغلق مستعجل الطلب في دخول المستشفى…

لم أعر الظرفين اهتماما فاهتمامي متجه إلى الامتحانات والغرفة.. ومرضي مؤجل إلى ما بعد الخميس 4 فيفري موعد انتهاء الامتحانات، انخفض وزني كثيرا، وساءت نفسيتي المحاصرة بمشاكل وضعت فيها قسرا، تزامن يوم آخر امتحان بذكرى الأربعين لوفاة أختي.

نزلت إلى الشلف أجرّ معطفا في مشهد طفلة صغيرة ترتدي معطف أمها.. أجرّ مشاكلا ألقيتها واحدا تلو الآخر على طول الطريق حتى أستجمع قواي لأغلب اليأس والبؤس الظاهرين على محياي فلا تراهما أمي وإخوتي، لكن هيهات فقلب الأم دليل وعليم، سقطت دموعها وهي تراني أدخل البيت الذي امتلأ فناؤه ضيوف عزاء وأنسة..

كلماتهم تلتقطها أذني “رجعت على النص” “نقصت بزاف” “وجهها يعطي الأخبار” “واش بيها الطفلة؟” … إجابة هذا السؤال جزء منها في حقيبتي اليدوية ظرفين لا أعلم ما كتب فيهما.. لم أفتحهما، وإن فعلت فلا أفهم طلاسم الأطباء في الكتابة.. هذه الطلاسم فكها طبيب مختص نقلني إليه أخي في صبيحة السبت بقوله “يا بنتي روحي قولي لهذين الطبيبين أن الطبيب بوعبد الله يقول لكم روحوا عاودوا قرايتكم وحبسوا تقتلوا في بنات الناس”.

الامتحانات التي حضرت لها في خضم تلك الأحداث والتي قرأت الدروس سطرا بسطر على مصباح الهاتف حصلت فيها على معدل هو الأضعف طوال مسيرتي الدراسية 10,89، الغرفة التي ضاقت بنا حسب قول صاحبتها توجسا مني في أول لقاء، صارت أكثر اتساعا بحبنا وضحكاتنا وحتى بكائنا أحيانا.. المديرة التي كانت تنهرني أصبحت تكرمني وأنا أحصد الألقاب في الرياضة الجامعية وحتى الثقافية…

وحدث أن أبكيتها يوما وأنا قائدة لاحتجاجات سوء التغذية بجعلها تأكل الأرز اليابس فوق طاولة متسخة فسقطت مغشيا عليها بعد الملعقة الأولى.. ذلك الموقف ذكرني بقراءتي الثانية لحياة الدودة في أول ليلة قضيتها بتلك الإقامة.

 طبعا كل شيء تغير، تعلمت دروس الحياة، تكونت شخصيتي، تبدلت مواقعي، غيرت الإقامات وأنا أتدرج في التعليم إلى ما بعد التدرج، لأغادر حياة الإقامة الجامعية في جو اختلطت فيه الدموع بالفرح تعلوه زغاريد صديقاتي لتتويجي بشهادة الدكتوراه، فـ “على قدر المشقة تكون مغانم الرحلة، وعلى قدر السهولة والاقتناص الخاطف تكون تفاهة الحصاد”  أتراه محمد مطر كان يقصدني في قوله؟!! .. مشقة غيرت كل حياتي لتصنع مني “أنا” كما عليه الآن. …

نعم، تغير كل شيء لكن الشيء الثابت الذي لم يتغير هو حال الإقامات الجامعية في وطني… حريق في سنة 2021 مكرر أو مشابه لحريق 2009 والسبب واحد ” الريزيستونس “…

وما بين الحدثين أحداث أقل أو أكبر جرما منها ما عرف سببها ومنها ما بقي مجهولا..انفجار في إقامة تلمسان…مقتل طالب بغرفته في إقامة طالب عبد الرحمان…وفاة طالبة في إقامة دالي ابراهيم 2 في ظروف غامضة ووو..

انتهت الأحداث وبقيت الدروس لمن غادر الإقامة، وتنتهي الأحداث وتبقى الدروس لمن هم الآن طلبة.. لكن في تسيير الإقامات وفي ذهنية مسؤوليها تنتهي الأحداث وتتكرر ولا يحفظ الدرس، بل يتكرر هو الآخر عند كل حدث.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • محمد رضا

    اتذكر انني حضرت الشاي على نار شمعة. لا كهرباء ولا غاز والماء ياتي في المناسبات.

  • كمال

    عندما ينام انسان على كرسي يومين امام اثنتين فهذا دلاله على نقص في التربيه و قله المرؤه اما مديره الاقامه فهذه حال كثيرين من مدراء الاقامات يستحقون الطرد من مناصبهم و عار كبير على الوزاره حين لا توفر ادنى وسائل الحياه للطلبه.
    اقترح الحاق الاقامات الجامعيه بمصلحه السجون لان السجين اغطيه و فراش وماء مع اول يوم لدخوله السجن

  • Ahmed

    في السبعينبات لم يكن الوضع متأزما كاليوم ولكن لم يكن مريحا.مطابخ قذرة و اكل قذر( عدس و ومقرون ليل نهار) .القطط و الكلاب الشاردة تاكل من الصحون .منذ ذلك الحين بدأت الشعبوية و السوسيال تنخر جسد الأمة و الحمد لله اصبح كل شيء خراب ولا احد يستطيع تغيير شيء.

  • واقعية

    القصة لا تحكي سوء الادارة فقط بل غياب الانسانية والرحمة بين البشر يا عباد الله انسان يبات على كرسي في البرد وهم يتفرجون .... تريدون جزائر جديدة و قاعها منحط اخلاقيا

  • KBB

    سكبت بين كل سطر دمعة لم اتمالك نفسي و انا جالس خلف العداد التجاري اقرؤ هذه الماساة و كل من دخل الي ليشتري يتمعن في ثم انظر الى وجهه فاحسبه ظن بي زكام هل ذكريات 35 سنة مضت من المعاناة النفسية في الاقامة الجامعية ام هن بناتي على خطى ابيهم في دهاليس الحي الجامعي

  • خليفة

    قصة حزينة فعلا بطلتها طالبة جامعية قاست ما يقاسيه بعض الطلبة في الاقامات الجامعية ، نستنتح من هذه القصة عدة امور منها : _ ليس هناك تخطيط من طرف الدولة ،لتوزيع الطلبة على الجامعات و الاقامات الجامعية وطنيا ،فقد نجد جامعات تشكو من الاكتضاض بالطلبة و اخرى فارغة ،فمن غير المعقول ان لا يجد الطالب سريرا او بطانية او مكان اين ينام!!_ عدم وجود تدفءة مركزية ،و سوء التغذية تجعل الطلبة يستعملون تلك الاجهرة الكهربائية مما يتسبب في حدوث الحراءق_ عدم وعي بعض الطلبة لمخاطر تلك الاجهزة و استعمالها بدون حذر او مراقبة، و عليه يجب على المسؤولين ان يعيدوا النظر في تلك المشاكل و محاولة ايجاد حلول جذرية .

  • krimo

    Les étudiants sont le pilier d'un pays qui se respecte : vous êtes les hommes et femmes de demain, ne laissez pas la médiocrité vous entretenir. Bien dormir et se laver ne sont pas des revendications, il faut arrêter avec l'ignorance aveugle qui mène notre pays à la médiocrité généralisée.

  • حماده

    الطلبة والطالبات أيضا يتحملون جزءً كبيرا من المسؤولية فكيف بطالب واع ينام بالقرب من موقد نار أو ريزيستونس ويتغطى ببطانية ويغط في نوم عميق !!!! هل ينتظر أن توفر له الإقامة حارسا يحرس بطانيته كي لا تسقط على الموقد أثناء الليل ؟

  • الصيدلي الحكيم

    قصة معبرة.كل ما ورد فيها لا يعرفه و لا يحس به الا من مر على جحيم الإقامات الجامعية.سنتي الأولي و بالضبط أبوعي الأول في الإقامة الجامعية كنت أقضي الليل مفترشا الكرتون فوق سرير حديدي للإنعدام الماطلات و كذلك ما نعرف حتى واحد في تلك الإقامة و جاي جديد و ما فاهم والو.اليوم و بعد سنوات و سنوات لازلت في كثير من الأحيان أسرح في ذكريات المعاناة التي مررت بها خلال حياتي و في كثير من الأوقات و انا في خضم التمتع بنعيم سيارتي الفارهة أتذكر كل ما مررت به في الجامعة و في الإقامة و ما تلا الجامعة من بطالة و مشاكل ادارية الى خدمة وطنية وصولا الى العيش في الغربة.أتذكر المعاناة في خضم النعيم و أحمد الله.

  • فريد

    لكي تتحسن ضروف الاقامة . يجب ان تلغى الاقامة و المنحة و النقل المجاني و تعوض بمنحة محترمة و تعطى فقط للطلبة المتفوقين و البقية اعمل لتدرس كما في الدول المتقدمة. لان الجامعة اصبحث مكان لقضاء العطلة و النوم و الرحلات و الدولة تخسر ملاير من اجل تمرير الوقت . الصوصيال اهلك البلاد