-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“أعراسنا.. أفراح وأتراح!”

سلطان بركاني
  • 505
  • 3
“أعراسنا.. أفراح وأتراح!”

مع بداية موسم الأعراس والأفراح من كلّ عام، تمتزج بداخل كلّ مسلم غيور على دينه وأمّته مشاعر الفرح بالآلاف المؤلّفة من الشّباب الذين يطلّقون حياة العزوبية بتبعاتها، مع مشاعر الحزن لما آل إليه واقع الأعراس، بدءًا من دلائل غياب أيّ نية لدى كثير من شبابنا في بناء أسر مسلمة تعبد الله وتقيم دينه وشرعه، وليس انتهاءً بما يكتنف مراسم كثير من الأعراس من أخطاء تزداد حدّتها عاما بعد عام.

 الحقّ يقال إنّ معضلة كثير من المسلمين لا تتعلّق بمراسم الزّواج التي تبدأ بشرع الله، ثمّ ما تلبث أن تحيد عنه، إنّما بمراسم الحياة كلّها، حين أصبحنا –إلا من رحم الله منّا- نتعامل مع ديننا بعلمانية مقيتة، حيث نقول بلسان الحال إنّ حاكميته لا تتعدّى مسائل الصّلاة والزّكاة والجنائز، في حين تخضع أمور الحياة والمعاملات إلى ضغط الواقع وما جرى عليه العمل وارتضاه النّاس! وهذا خلل ينبغي أن تتكاتف جهود العلماء والدّعاة والأئمّة لإصلاحه؛ فالإسلام ليس صلاة وصياما وتلاوة للقرآن وترديدا للأدعية والأذكار، فحسب، إنّما هو التزامُ المسلم حدودَ الله -جلّ وعلا- في السرّاء كما في الضّراء، في الفرح كما في القرح.. الإسلام ليس أن نسأل عن أحكام ترقيع الصلاة، ونتجادل في مسافة القصر وأحكامه، ويحثّ بعضنا بعضا على صيام الست من شوال، ثمّ بعد ذلك إذا حلّ موسم الأعراس والأفراح نسينا الحلال والحرام، ورفعنا شعار “نفعل ما يفعله النّاس”! وألقينا الحبل على الغارب لنساء الموضة والمظاهر ولشباب الألحان والسجائر، ليفعلوا ما يحلو لهم!

إنّه ليس يستقيم أن نملأ المساجد في صلاة الجمعة حتى نصلي في الساحات، ونسمع الخطب والمواعظ، ثمّ بعد ذلك حين يحلّ موسم الأفراح ترتفع أصوات “الديسك جوكي” و”الأوركسترا” لتصمّ الآذان، وتصدح في أعراسنا أغانٍ كلماتها تحوم حول الحبّ والغرام والخمر والحرام، بأصوات تنافس صوت الأذان، من بعد صلاة العشاء إلى ثلث الليل الأخير وربّما إلى أذان الفجر الأوّل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ربّما تجد الشابّ محافظا على صلاته، دمثا في أخلاقه، لكنّه حين يضع أوّل خطوة على طريق الزّواج، يرضخ لأصدقائه ويسمح لهم بأن يدبّروا أمور عرسه؛ فهذا يقول له: سأتكفّل بدعوة الخلان إلى الموكب (الكورتاج)، وذاك يقول: سأتدبّر أمر الأوركسترا، وذاك يتكفّل بالتّصوير، وهكذا.. بل ربّما يقول له بعض أصدقائه: “لا بدّ من أن تحيي لنا حفلة تسجّل على صفحات التاريخ.. حفلة عرسك ينبغي أن تسمع بها وتتحدّث عنها المدينة بأكملها”.. أمّا النّساء فتجد بعضُهنّ يحرّض بعضا على أن تكون ليلة العرس ليلة مشهودة، ليس بما يلقي البركة والخير وينشر البهجة والفرح، ولكن بما يستنزل سخط الله من الأصوات الصّاخبة المنكرة، تقول الأمّ: “عرس ولدي لا بدّ من أن يكون عرسا يُضرب به المثل”، وتقول الأخت: “عرس أخي ينبغي أن يكون أشدّ صخبا من عرس ابن عمّنا فلان”، فإذا قال لهنّ قائل: لكنّ هذا العرس طاعة لله، ولا ينبغي أن يكون فيه ما يسخط الله، قالت قائلتهنّ: “عندما حان دورنا أصبح هناك حلال وحرام.. هي ليلة واحدة وتمضي”!

نعم هي ليلة واحدة تمضي، لكنّ حصادها قد لا يمرّ بسلام.. ليلة واحدة قد يجني الزّوجان ثمراتها المرّة طول العمر، بذهاب البركة وتسلّط الشّياطين، وضياع الأبناء وتيههم وحيرتهم.. ربّما تحيق بالزّوجين بسبب ليلة العرس الصاخبة دعوات العمّال المرهقين الذين لم يمكنهم النّوم، ودعوات المرضى الذين أذهبت الأصوات الصّاخبة النّوم عن جفونهم، ودعوات الأمّهات اللاتي رُوِّع أبناؤهنّ الرضّع.

لقد تمادى الأمر في السنوات الأخيرة حتّى ما عدنا نراعي حرمات بيوت الله ولا مشاعر المحزونين المكلومين.. سبحان الله! يقيم الجار عرسا صاخبا، وجيرانه يذرفون الدّموع على أبيهم المتوفّى أو أمّهم الرّاحلة! ويتحسّرون على جيرانهم الذين لم يراعوا مصابهم!.. لم يتوقّف الأمر عند الغناء الهابط والموسيقى الصاخبة، حتّى دخلت على الخطّ أصوات البارود والأسلحة التي تنخلع لها قلوب الرّضع والأطفال والشّيوخ، بل قد سمعنا وقرأنا عن مآس حصلت في حفلات الأعراس بسبب تهوّر بعض الشّباب في استعمال الأسلحة.

فمتى نعود إلى عقولنا؟ متى يقول العقلاء والرّجال كلمتهم؟ إلى متى تستمرّ هذه المنكرات؟.. في كلّ أسبوع من فصل الصّيف نقرأ على صفحات الجرائد وعلى مواقع التواصل عن مصائب ومآس تحصل في مواكب الأعراس وفي السّهرات، لكنّنا لا نعتبر ولا نتّعظ! كم من موكب عرس تحوّل في النهاية إلى موكب جنازة بسبب حادث مرور قاتل! وكم من عريس أصبح فرِحا بعرسه ينتظر أن تزفّ إليه عروسه، لكنّه في المساء كان يغسّل ويكفّن ليزفّ إلى قبره! وكم من سهرة عرس ابتدأت بالموسيقى والألحان واختتمت بالآهات والدّمعات والحسرات!

إنّ الله يؤخّر عقوبات أكثر الذّنوب، لكنّه يعجّل عقوبة الظّلم في الدّنيا، وينبغي أن يُعلم أنّ إغلاق الطّريق العامّ لإحياء حفلة عرس صاخبة ظلم قد يعجّل الله عقوبته في الدّنيا، وهكذا رفع أصوات الأغاني التافهة إلى عنان السّماء، ومثله إفساح المجال للشّباب الطّائشين ليعاقروا الخمر في ساحة العرس.

أيّ خسارة أعظم من أن يبدأ الشّاب أوّل ليلة من حياته الزّوجية بكلّ هذه المنكرات؟ وأيّ خذلان أعظم من أن تجتمع الشّياطين في أوّل ليلة من ليالي الزّواج وتفرّ الملائكة؟! كلّ هذا ثمّ نسأل عن سبب المشاكل الزّوجية التي كثرت في السّنوات الأخيرة؟ ونسأل: لماذا يتزوّج بعض شبابنا في الصّيف ويطلّقون في الخريف؟ لماذا كثرت حالات السّحر والمسّ والعين في البيوت؟ لماذا يخرج من بيوتنا أطفال يسبّون الله وينطقون بالكلام الفاحش ويرفضون الصّلاة وتعلّم القرآن؟ لهذا الانحراف أسباب كثيرة من بينها ما يحصل في أوّل ليلة من الزّواج.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • جزاءري

    احذروا صولة الجاءع اذا شبع . وفي امثالنا نقول الشبعة تعمل بدعة. نحن في الجزاءر وربما كل العرب عندما نشبع لا نحمد الله على النعمة بل نعصييه . وامعانا في العصيان نجاهر بمعصيته. ليس في مناسبات الأعراس فحسب بل في اية مناسبة يمكننا ان نستعرض فيها ما جاء على لسان قارون عندما قال انما اوتيته على علم مني . فخسف الله به الارض. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. ربنا لا تخسف بنا الارض . الأعراس اصبحت لا دين ولا ملة ولا اية ضوابط حتى الضوابط الانسانية .

  • مجيد/ باتنة

    استاذ نسيت دعوات المرضى والشبوخ

  • احمد

    ‏أكثر ما يطيل عمر الحب أن يكون الطرفان صديقان أكثر من إنهما حبيبان ...