الثلاثاء 16 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 14 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 17:49
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

سبحان مغيّر الأحوال.. في الثّلث الأخير من القرن الأوّل الهجري تولّى الخلافةَ عبد الملك بن مروان، فخرج عليه عبد الله بن الزّبير وجرّ وراءه جمّا غفيرا من الناس، رفعوه على أكتافهم إلى سدّة الحكم، وانحازت إلى خطابه القويّ جماهيرٌ غاضبة وقبائل كثيرة وأجناد وعسس.. وفي ظرف لم يتجاوز السّنتيْن بسط ابن الزّبير نفوذه على عموم أرض الخلافة، من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة، ومن الأهواز إلى الكوفة إلى خراسان إلى البصرة إلى أصفهان.. ولم يُبْق للخليفة سوى دمشق وتخومها. ثمّ دبّ الشّقاق في جسم الدّولة الناشئة ودارت الدائرة على ابن الزّبيْر، فسقطت ولاياتُه الواحدة تلو الأخرى حتّى وجد نفسه محاصرا في بطن مكّة، بعددٍ قليل من الأنصار. وليس معه من الزّاد سوى بعض التّمر والماء أطعمه لمن حوله، فلما اشتدّ عليهم الخناق انفضّوا وابتلعتهم الأرض، ولم يصمد معه سوى بعض محبّيه، وقبل أن يميل عليهم الحجّاج بن يوسف الثّقفي ويجهز عليهم جميعا سنة 72 هـ، قال ابن الزّبير كلمة تُكتب بماء الذّهب: “سبحان الله، أكلتم تمري وعصيتم أمري”. فذهبت مثلا.

لا أريد أن أنبش أطلال التّاريخ، وليس هدفي الكشف عمّن كان أولى بالخلافة من نظيره: أهو عبد الله بن الزّبير؟ أم عبد الملك بن مروان؟ فذلك درسٌ تاريخي فيه كثيرٌ من التّعقيد في فقه الإمامة والخلافة والولاء والبراء.. وفيه أيضا كثيرٌ من الدم الذي سُفك ظلما باسم التّمكين لدين الله تعالى، ولكنّ الحقيقة التّاريخيّة تُثبت أن حركة الدّعوة لم تتوقّف بسبب الصّراع الداخلي، بين الأشقاء، ولم تتأثّر عقيدة المسلمين بما كان بين الأقران من تدافع حول سدّة الحكم؛ ففي عهد بني أميّة وصل الإسلام إلى هذه الدّيار، ولم يكن كثيرٌ من المسلمين وقتذاك يهمّهم من الخليفة؟ ولا يهتمّون كثيرا بمن سقط وبمن استخلفه على إدارة شؤون الحكم، بل كانت أخبار الحجّاج بن يوسف الثّقفي والمُهلّب بن أبي صُفرة تُلهب أسماعهم أكثر مما تستثير أخبار الخليفة حماستهم، مع أنه المؤسّس الثاني لدولة بني أميّة.

لكنّ استدعاء التّاريخ المشابه لما عليه المسلمون اليوم كفيلٌ بتصويب ستّة أوهام عشّشت في عمق منظومتنا السياسيّة:

وهم الوصول إلى سدّة الحكم على الأشلاء والدّماء: فالحكم ليس غاية في حدّ ذاته، إنما هو وسيلة لإحقاق الحقّ، ونشر العدل، وجمع شتات الأفراد داخل مجتمع واحد، على الثّوابت الأساسيّة والمشترَكات الكبرى، والسّماح لكل فرد أو مجموعة أو فصيل.. بالاحتفاظ بخصوصيتهم والتّعبير عن رأيهم بلا غلوّ ولا تطرّف.

ووهم الاستغناء عن المعارضة: فالاحتكام إلى جهة عُليا لا يكفي وحده لاستتباب الأمن، ولا يتأتّى إلاّ بتضافر جهود متحالفين كثيرين من مشارب شتّى، تجمعهم المصلحة العليا للأمّة، يكون من أهدافهم جميعا حفظ الأمن، وتنظيم الحقوق والواجبات وفق ميثاق ثابت، تقرّه الأغلبيّة السياسيّة وتدْعمُه النّخب ويُسنده المجتمع المدني الواسع.

وهم احتكار السّلطة: بحجّة أنّ العواطف مائلة مع الخطاب المطلبي، فمطالب الجماهير ليس لها سقف، فما هو اليوم كماليٌّ يصبح غدا ضروريًّا، وإذا لم تتوفّر الموارد الكافيّة لتلبيّة جميع الاحتياجات، تنقلب هذه العواطف من مرحلة أكل التّمر إلى طور عصيان الأمر، إذا لم تكن شرعيّة السّلطة السياسيّة مستمدّة من عمق المجتمع.

وهم سهولة إسقاط الدّولة العميقة: فمن السّهل على كل ذي كاريزما أن يعبّئ الجماهير الغاضبة ويجيِّرها ليهدم القلاع فوق رؤوس المتحصّنين بها. ومن السّهل تثوير الرّأي العام ضدّ أمثال عبد الملك بن مروان، في مرحلة انتقل فيها الحكم من شيخ محنّك إلى شاب يافع، فزحفت الجماهير على الحصون والقلاع واحتلّتها في ظرف وجيز، ولكنّ الوصول إلى القمّة لا يعني الثّبات فيها. وسهولة نسف القديم لا تعني أنّ تثبيت الجديد سهل، فإذا أراد الثّائرون إعادة بناء ما تهدّم كلّفهم أضعاف السّعر الذي كان عليه قبل الهدم، لأنّ التّرميم أكثر كُلفة من بناء الجديد.

 وهم الهتافات المدوّية: يمكن أن تحملك هتافات الغاضبين على الأكتاف إلى سدّة الحكم، ولكنّها لن تصبر عليك طويلا حتّى تطالبك بتحقيق الحلم الذي وعدتها به، وإذا لم يتحقّق على يدك هذا الحلم، في وقت وجيز، فإن من حملوك إلى سدّة الحكم على أكتافهم لا يكتفون بإنزالك من عرشك، وإنما سيهتفون بذبحك وسلخ جلدك وتعليقك على الأعواد لتأكل الطّير من رأسك. وذلك ما انتهت إليه ثورة عبد الله بن الزّبيْر.

 وهم الفردوس المفقود: فرْقٌ كبير بين وعظ النّاس بالمثاليّات وتبشيرهم بالفردوس المفقود، وبين جمعهم على “عقد اجتماعي ” يجد فيه كل مواطن جزءًا من حقوقه بانتظار استكمال الأجزاء الأخرى، بإنجازات يراها الناس بأعينهم وتلمسها أيديهم. أما الخصوصيّة الثّقافيّة فلا تنفي حقيقة العيش المشترك ولا تلغي وجود الآخر، مادام الوطن واحدا.

عوْدٌ على بدْء نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة؛ عندما غرقت الجزائر في الدم، هبّ المخلصون في هذا الوطن لتجفيف البقع المخيفة في نسيجنا الأخوي، واجتمعت قوّى الخير، من جميع فئات الشّعب وتواضعت على إعادة بناء الدّولة التي أوشكت على الانهيار، وكان الفضاء الذي التقى فيه من وضعوا مفتاح التّشغيل في جهاز معطّل هو “ندوة الوفاق الوطني” سنة 1994، فمع هزالها وضعفها وتدنّي سقفها وضبابيّة ما دار فيها من نقاش.. إلاّ أنّ مخرجاتها وضعت القطار على السكّة لإعادة بناء مؤسّسات منقوصة الشّرعيّة لدولة فقدت مؤسّساتها. وكانت البداية صعبة ولكنّ القطار انطلق.. بعد رُبع قرن يجد الشّعب الجزائريّ نفسه أمام جيل لا يهتمّ كثيرا بالتّاريخ والرّجال ولا بتضحيّات السّابقين.. فعينه على محطّات التّواصل الاجتماعي، والصّورة الوحيدة التي انطبعت في ذهنه هي صورة الحرّيات والحقوق التي يراها في الفضاء الأزرق، ولا يؤمن بأقلّ من مسح كل ما هو موجود لإعادة البناء على أرضيّة افتراضيّة، فكرتها صحيحة، ولكنّ تجسيدها في الميدان دونه خرْطُ القتاد.

إنّ التّذكير بالتّاريخ هو النّصيحة التي يوجّهها كل مشفق على بني وطنه لينظروا إلى وجوههم في المرايا، قبل خروجهم من بيوتهم، وإذا لم يفعلوا فسوف يكشف لهم التّاريخ نفسُه عن خبايا مؤسفة خلاصتها: أنّ التّمر لا يبني مُلكا، وأنّ من يُلقي سحره أوّلا تلتهم الحقيقة حبالَه وعِصيَّه، وأنّ كثيرا ممن يأكلون التّمر في الشّتاء يعصون الأمر في الرّبيع. وصدق ابن الزّبيْر فقد راهن على العواطف، فوجدها نواسف، وعلم أنه لا يكفي أن تكون على حقّ ليهتف الناسُ بحياتك وتحملك الجماهير فوق الأكتاف إلى عرش المُلك. فما أكثر من جلسوا على العروش، بفضل القوّة النّاعمة، لكنّ لم يطلْ بهم المُقام حتّى انقلبت عليهم الجماهير، لأنّ القوّة الخشنة كانت بيد ابن مروان وليس بيد ابن الزّبير. وكلاهما كان صاحب حقّ، لكنّ الله أنزل الكتاب والميزان وأنزل معهما الحديد ليقوم الناس بالقسط، وفي الحديد بأسٌ شديد ومنافع للناس.

https://goo.gl/aoZRMM
15 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close