الأحد 18 أوت 2019 م, الموافق لـ 17 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 15:52
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

أين موقع الأئمة الدعاة من الحَراك الشعبي؟

  • ---
  • 3
ح.م

للأمة رأسان وقائدان حسبما ورد في الخبر أو الأثر أو الحكمة والقاعدة الأصولية والمقاصدية (صنفان من أمتي إذا صلحا صلح أمر الرعية: العلماء والأمراء)، لأنه بصلاحهما واستقامتهما وانسجامهما نفع وفائدة للأمة، وبفسادهما وانحرافهما وتناحرهما دمار وهلاك للأمة، بلهَ زوالها من الوجود وفنائها، هكذا تقرر في سنن الاجتماع البشري السوي التي أرسى دعائمها القرآنُ الكريم في دعوات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وما أنموذج الرجل المؤمن في سورة غافر إلاّ أكبر برهان على أهمية ومكانة ودور العلماء في مجابهة السلاطين والجبابرة، والسنة النبوية المطهَّرة صادحة بوجوب تأدية العلماء والأئمة والدعاة المهمة والجؤار بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الناس الخير وقواعد الشريعة الإسلامية السمحاء.

قلما يجتمع صلاح الرأسين في كيان واحد، إلاّ فيما ندر في حقب التاريخ، وقد روت وساقت لنا صفحاتُ التاريخ الإسلامي صورا وقصصا ومواقفَ وأحداثا مثيرة من حالات الاستعداء والاحتراب والتناحر بين العلماء العاملين والأمراء العابثين، التي أفضت إلى الفشل وتخضيد ذات الشوكة وذهاب الريح. كما نقلت لنا صورا أخرى عن حالات الانسجام والتوافق التام بين العلماء والأمراء، وفي هذه الحالة يكون التمكين في الأرض، وقد تبينا ذلك من خلال فترات حكم الخلفاء الراشدين الخمسة، وبعض خلفاء بني العباس كـ(أبي جعفر المنصور 136-158هـ) و(هارون الرشيد 169-181هـ) و(عبد الرحمن الناصر الأندلسي) و(المنصور بن أبي عامر الأندلسي) وبعض سلاطين الأتابكة كـ(نور الدين محمود زنكي) و(عماد الدين زنكي) الذي يُصنفه العلماء كسادس الخلفاء الراشدين و(صلاح الدين الأيوبي).. وغيرهم.

وانطلاقا من هذه الرؤية الشرعية للداعية والإمام وللعالم الفقيه والمتمثلة في قيادة الأمة نحو الخير، نتساءل عن وضعية الإمام منذ بداية العهد الاستعماري الفرنسي للجزائر، فقد نقل الدكتور (أبو القاسم سعد الله 1935-2013م) في موسوعته العلمية الشاملة “تاريخ الجزائر الثقافي” بأن: المعلم أو الشيخ الإمام كان يتقاضى أجرا عينيا وغير عيني من غِلال ومحاصيل الخيرات التي كانت تدرُّها الجزائر ما يكفيه للعيش هو وأسرته المكوَّنة من زوجتين أو ثلاث زوجات ومجموعة كبيرة من الأبناء، ويتبقى له من الأجر ما يكفيه كل سنة لشراء هكتار من الأراضي الخصبة في سهل متيجة الخصب.

ولما دخل الاستعمار هبَّ العلماء والشيوخ والأئمة وطلبة العلم للذود عن حياض الأمة فجاهدوا في سبيل الله، واستشهد الكثير منهم، وخلت المساجد والجوامع والكتاتيب والزوايا والمكتبات وسبل الخيرات.. من طلبة العلم، وصادر الفرنسيون وثائق الأوقاف وطردوا الفقيهين الحنفي محمد بن العنابي والمالكي مصطفى الكبابطي نحو الشرق بعد أن جرَّدوهما من وثائق الأوقاف، ثم ألغوا مجلس الإفتاء سنة 1869م، وطبَّقوا حكم الظهير البربري على بلاد القبائل عوض تطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية لمسخها وفسخها وتشويهها، وحاربوا كل العلماء والشيوخ، حتى هبَّ الكثير من أساطين الاستعمار ينبِّهون القادة العسكريين إلى خطورة إفراغ البلاد من العلماء والشيوخ، لأنهم خشوا أن لا يبقى من يرأس هذه الأمة، فأسَّسوا بذلك مدرسة (الفرنكوميزيلمن) لتخريج الأئمة الرسميين المدجَّنين، الذين لا يستطيعون الخروج عن سياسة المستعمِر التي رسمها لهم وهي تعليم الناس العبادات فقط، ووضعوا قانون 1905م و1907م لفصل الدين عن الدولة، الذي استفاد منه الدين المسيحي واليهودي، أما الدين الإسلامي فظل محاصَرا ومطارَدا رجاله ودعاته.. وقاوموا كثيرا أهلَ العلم والخير، ولما قامت وتأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م ما لبثت أن واجهت التضييق والقمع والمنع والمصادرة والاعتقال والسجن.. وما قانون ميشيل سنة 1933م القاضي بمنع الأئمة الأحرار من إلقاء الدروس والمواعظ في الجوامع والمساجد، فهبّت الجمعية لإنشاء المدارس والجوامع الحرة، والتي لا تخضع للإدارة الاستعمارية، ثم تلاه قانون 08 مارس 1938م الذي يعِدُّ اللغة العربية لغة أجنبية محظورة.. وشجعوا الطرق الصوفية ومدوها بالمال والمساعدات والتأييد الأدبي والمعنوي ليُغرقوا الشعب الجزائري في الجهل والخرافة والأساطير والذل والصغار، ووقفت معهم وفي صفهم الكثيرُ من الطرق الصوفية كالطريقة التيجانية الضالة والعليوية الضالة.. وغيرهما.

ولما اندلعت الثورة التحريرية المباركة، كان المشهد الديني ينقسم إلى قسمين، أحدهما أئمة الإدارة الاستعمارية الرسميين والطرق الصوفية الذين يسبِّحون بحمدها ويقدِّسونها ويحاربون الدين الإسلامي الصحيح ورجاله (انظر رسالتي للدكتوراه: الشيخ العربي التبسي مصلحا. جامعة الخروبة 2002م). وثانيهما أئمة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين اختاروا حل الجمعية يوم 06/01/1956م بقيادة الشيخ العربي التبسي والانضمام كأفراد إلى صفوف الثورة التحريرية وعلى إثرها أغلِقت مدارس الجمعية والمعهد الباديسي واعتقل رجالُه في المعتقلات، والتحق الكثير منهم بالجبال واستشهدوا في سبيل الله.

ولما استقلت الجزائر سنة 1962م الاستقلال الشكلي، لأن الاستقلال الفعلي بدأ منذ 22/02/2019م باستبعاد اللوبي الفرنسي المجرم، خيّرتْ حكومة الاستقلال العلماء بين الالتحاق بالتعليم أو القضاء أو الإمامة والمساجد، ولم تراعِ جهادهم ونضالهم وأبعدتهم عن دواليب الحكم والسياسة فاتحة المجال أمام العلمانيين وغلاة اليساريين والمغامرين.. ليوصلوا البلاد إلى شفير الهاوية.

وظل الإمام ضعيفا –وأغلبهم كبار في السن ويحفظون القرآن وشيئا من الفقه ومتن ابن عاشر- مكبَّل اليدين والفم والعقل والروح، تصله الخطبة من وزارة الشؤون الدينية بالجزائر العاصمة ليتحدث في الخطبة الأولى عن الفقه، وفي الثانية يتحدث عن الخلايا الثورية والثورات الثلاث الفاشلة (الزراعية، الصناعية، الثقافية) والتطوُّع والتسيير الاشتراكي للمؤسسات والذكريات والمناسبات الثورية والتاريخية.. وغيرها من موضوعات النظام المغامِر.. مع كونه يتلظى ضمن وضعية اجتماعية واقتصادية ومالية بائسة جدا، إذ يطمع المسكين في إجراء عقد زواج أو جلسة صلح علَّ المتخاصمين أو غيرهما يمنحوه شيئا من المال وبعض الحلوى واللحم يعود بهما فرِحا إلى أولاده، لأن النظام الفاسد أراد له ذلك الإذلال.

حتى تخرَّج جيلُ الصحوة الإسلامية وبرز طلبة الجامعة والمعاهد الإسلامية العليا من بصيص الأمل الدعوي وتوظفوا كأئمة وخطباء ومفتين، وبأجور زهيدة جدا، ووضعية اجتماعية متردية، فلم يعد الإمام هو قائد القرية أو البلدة أو الحي، كما كان لا يفتي أحدٌ أو يقطع أمرا دون حضوره ورئاسته، بل صار منسقُ الاتحادية والقسمة والخلية الحزبية والمسؤولُ البلدي أو رئيس الدائرة أو رئيس الديوان… هو الذي يقدَّم ليفصل في الأمور، وهكذا تراجعت مكانة الإمام، وشُلَّت يداه عن ممارسة دوره الديني والروحي والتوعوي الحقيقي.

ثم دُبِّرت للإسلام ولدعاته فتنة السلفية الجهادية والعلمية والحركية والتصحيحية من قِبل أجهزة الأمن والمخابرات للشغب على المشهد الديني وتعطيل فاعلية الإمام، ثم تلتها مرحلة الإرهاب، والعشريتان الفاسدتان من بعدها، والتي برزت فيها قرونُ الصوفية الخائنة والممالِئة للاستعمار، فاجتمع على الإمام لجنة دينية فاسدة، وصوفية ضالّة، وسلفية فتّانة مكفِّرة متشدِّدة ووضعٌ اجتماعي بائس وحالٌ اقتصادي مزرٍ، وفتنٌ كثيرة كقطع الليل المظلم في وجه الإمام، كي لا يستطيع تأدية دوره واحتلال مكانته الطبيعية، فصار المسكين يترقب الجنازات كي يقرأ ويزيد في دخله، ويحلل الطلاق البدعي كي يفوز بالكفارة، وغيرها من أساليب النظام القذرة، فأنّى لإمام محاصَر أن يقوم بدوره الديني؟.

واليوم قام الحراك، فهبّ دعاة الفتنة من الأئمة السلفيين المأجورين من الداخل المتآمر والخارج المتربِّص، ونادوا بوجوب طاعة السلطان الجائر والفاسق والمفسِد، وقدَّموا فتاوى لا يقبلها طفلٌ صغير، فلم يلتفت إليهم أحدٌ من الناس، وانكشف أمرُهم الخياني، تمهيدا لدحرهم من المنابر والمحاريب التي عاثوا فيها فسادا طيلة ثلاثين سنة من الفساد الماضية 1989- 2019م. وصمت رجالُ الطرق الصوفية وكمنوا لأنهم يسبِّحون بحمد السلطة ويقدِّسونها، لأنها كانت توزِّع عليهم في عهد الوزير (غلام الله) الملايين والمليارات للشغب على المشهد الديني التوعوي. وصمت مثلهم أعضاء اللجان الدينية الفاسدون والمفسدون، وصمت الجامدون من أئمَّة فلول النظام القديم، ووجد الإمام نفسه في وضع لا يُحسد عليه: أيقف مع الحراك؟ أم يقف في موضع المتفرِّج؟ أم يقتحم العقبة ويصير حراكيا فاعلا؟ تلك جملة من الإشكالات المستعصية عن الحل.

إذن ما الحل؟ الحل في استعادة دور ومكانة الإمام في المجتمع، وذلك باسترجاعه لوظيفته ولمكانته العلمية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والمالية والتغييرية الحقيقية، والتي نُزعت منه خلال الـ (189) سنة من الاستعمار المباشر 1830-1962م، وبالواسطة 1962- 2019م عبر اللوبي الفرنسي الحاكم، وهي ممثلة في الوظائف الآتية:

1 – حفظ قواعد الشريعة وأصولها وأحكام الدين ومقاصده، وتعليمها للناس فقط، وترك حرية الاختيار لهم، دون ممارسة أي تأثير فيهم.

2 – قيادة المجتمع، وذلك باسترجاع الإمام لمكانته الاجتماعية التي سلبها منه اللصوص والمغامرون والمرضى بشتى الأسقام النفسية من رؤساء الأحزاب والجمعيات والمجتمع المدني، فضلا عن مستكبري وغلاة المال الفاسد والإدارة والحكم والغطرسة.

3 – توجيه النظام السياسي، بالنصح والإرشاد والنقد والتحليل.. بعد أن سطا على هذه الوظيفة منافقو السياسة والإدارة والمال والبرلمانات …

وإذا استعاد الإمام دوره ومكانته بالطبع سيمارس وظيفته وهو متكل على الله، مبتغيا رضوانه، فيقول قولة الحق ولا يخشى في الله لومة لائم، ويفتي بالفتوى كما أفتى يحي بن يحي الليثي مع الخليفة عبد الرحمن الناصر في انتهاك حرمة رمضان.. وساعتها تعالوا فانظروا إلى الأمة كيف تنهض النهضة الحقيقية، لأن تعليم الدين الصحيح هو مفتاح النهضة، وتعليم الدين المنحرف والناقص هو مغلاق النهضة، فاللهم اشهد أني بلغتْ.

مقالات ذات صلة

600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close