-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أيُّ دورٍ للجامعات الإسلامية في حماية الأمن الديني؟

محمد بوالروايح
  • 1286
  • 0
أيُّ دورٍ للجامعات الإسلامية في حماية الأمن الديني؟

هناك عددٌ معتبر من الجامعات الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي منضوية تحت لواء “رابطة الجامعات الإسلامية”، وهناك في المقابل عددٌ أقل من المعاهد والكليات الإسلامية في العالم غير الإسلامي، ومن الشطط الحكم على هذه الجامعات والمعاهد بأنها لا تؤدي جميعا دورا في حماية الأمن الديني، فهذا الدور منوط بمدى فعالية المكونات البشرية التي تتشكل منها؛ فبقدر ما تكون هذه المكونات واعية برسالتها يكون دور هذه الجامعات والمعاهد قويا وفعالا والعكس صحيح.

إذا أخذنا على سبيل المثال الجامعات الإسلامية في ماليزيا وإندونيسيا، فإنه يمكن القول إن هذه الجامعات تؤدي -علاوة على دورها التكويني والمعرفي- دورا رياديا في حماية الأمن الديني، وقد اطلعتُ على برامج التكوين ومخططات العمل في هذه الجامعات والمعاهد فوقفت على ما يثلج الصدر ويبشّر بوعي متزايد بأن الإسلام ليس مادة معرفية وإنما هو قضية دينية، وبأن هناك متربصين بالإسلام من أصحاب الدعاية المغرضة التي تستهدف القيم العليا في الإسلام والمادة الصلبة في جسم الأمة الإسلامية، وهو ما يوجب على الجامعات والمعاهد الإسلامية السهر على إعداد طالب العلوم الإسلامية إعدادا مزدوجا معرفيا وميدانيا، لأن فشله الميداني لن يعطي قيمة لنجاحه المعرفي، فترتيب الفشل والنجاح موقوفٌ على تحقيق أو عدم تحقيق ثنائية فقه العرفان وفقه الميدان.

تشكل الجامعات الإسلامية في ماليزيا الوجهة المفضلة لكثير من الطلبة من شتى بقاع العالم، وقد اكتسبت هذه الجامعات شهرة كبيرة في تكريس ثنائية فقه العرفان وفقه الميدان، لأنه لا يكفي –وفق ميثاق هذه الجامعات- أن يحيط طالب العلوم الإسلامية بمسائل علم التوحيد وأن يحفظها عن ظهر قلب ثم لا يكترث وراء ذلك للهجمات الدعائية المغرضة التي تستهدف عقيدة التوحيد.

إن عقيدة التوحيد لم توجَد لتدرَّس وحسب، وإنما وُجدت لتكرَّس في الميدان وليعمل أهلها على إزالة المعوقات التي يضعها خصومها في طريقها حتى لا تصل إلى مريديها أو تصل إليهم مشوَّهة أو محرَّفة. هناك في ماليزيا جماعاتٌ علمانية تجهر بمناهضتها لعقيدة التوحيد، وتسلك في سبيل ذلك كل الطرق الدعائية من أجل تشويه صورة هذه العقيدة في نفوس المؤمنين بها وفي نفوس “المؤلفة قلوبهم” حتى تكرِّهها إليهم وتصدُّهم عنها إن استطاعت.

إن الدعاية المغرضة التي تمارسها بعض الجماعات العلمانية ومعها بعض الجماعات الدينية تقتضي من الجامعات الإسلامية أن توجّه عنايتها الأولى لإيجاد طلبة ملمّين بثقافة العرفان وثقافة الميدان، فإن لم يفعلوا أو تهاونوا أو استهانوا بهذا جرفتهم الجماعات العلمانية والدينية المتربصة. إن الاحتكاك الحضاري بين الإسلام والديانات الأخرى أمرٌ لا مناص منه، ولكن حينما تخرج العلاقة بين الإسلام وهذه الديانات عن هذه الدائرة المشتركة وتصبح معاداة الإسلام غاية ترام، فإن الواجب على المسلمين في هذه الحالة تحريك قواعدهم المعرفية في كل ميدان لكي تمارس واجبها الديني والوطني في الدفاع عن دينها ووطنها ضد أي دعاية دينية أو سياسية، ونؤكد في هذا الصدد على الدور المحوري والجوهري الذي يجب أن تضطلع به الجامعات الإسلامية لأنها تشكل صمام الأمان للذود عن القيم الإسلامية.

ولا يقلّ دور الجامعات الإسلامية في إندونيسا في حماية الأمن الديني عن دور نظيراتها في ماليزيا، فجامعة جاكرتا الإسلامية على سبيل المثال تعدّ جامعة رائدة في مجال الدفاع عن الإسلام ضد كل الهجمات والدعايات التي تستهدفه من غير الإخلال بمبادئ التسامح الديني التي يشدد عليها الدستور الإندونيسي، فالخريطة الثيوقراطية في إندونيسا تشير إلى وجود جماعات دينية مختلفة في توجهاتها الدينية ولكنها متحدة في توجهاتها الوطنية إلا من فضّل منها طريق اللاتسامح فإنها تواجَه في هذه الحالة بالصرامة اللازمة حفظا لوحدة الدولة.

أليس من العجيب أن تصرّ بعض الجامعات الإسلامية على تدريس بعض النظريات الدعوية لمفكرين لا يبلغون في ميزان الفكر الدعوي معشار ما بلغه الشيخ محمد الغزالي وتصرّ في الطرف المقابل على تجاهل فكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، مع أن هذا الفكر وخاصة في جانبه المتعلق بالأمن الديني تولى له أهمية خاصة في بعض الجامعات الغربية؟.

ولا يمكن أن ننسى الدور الكبير الذي يؤديه الأزهر في حماية الأمن الديني، نؤكد على ذلك رغم أننا متيقنون بأن الأزهر لم يعد -لسبب أو لآخر- يؤدي ذلك الدور التمثيلي الذي كان يؤديه في زمن مضى، ومردّ ذلك إلى تنازل الأزهر عن جزء كبير من هذا الدور لصالح مؤسسات دينية ناشئة والتي لم يوفق أغلبُها في حمل الرسالة وأداء الأمانة، وكذا توجه الأزهر في المرحلة الحالية إلى الاهتمام بالحوار الخارجي مع الفاتيكان وغيره وإهماله بعض الشيء للحوار الداخلي.

للداعية الملهم والمفكر المجدد  الشيخ محمد الغزالي رحمه الله كتابٌ قيّم بعنوان “الغزو الثقافي يمتدّ في فراغنا” يصلح أن يكون كتابا مرجعيا تعتمد عليه الجامعات الإسلامية في بلورة موقف إسلامي متزن ومتحد لمواجهة التيارات التغريبية القديمة والمتجددة والمتحورة التي تجعل من المساس بالأمن الديني أساسا لميثاقها وتحديد علاقتها بالآخر. إن كثيرا من الجامعات الإسلامية في الوطن العربي لم تولِ فكر الشيخ محمد الغزالي التجديدي في حماية الأمن الديني الاهتمام الذي يستحقه، فلا نجد في برامجها تركيزا على ذلك في مقابل اهتمامها الزائد بفكر قد لا يصلح لحسم أي معركة دعائية أو عدائية تستهدف أمننا الديني.

لماذا لا تخصص بعض الجامعات الإسلامية جزءا من برامجها التعليمية لفكر الشيخ  محمد الغزالي رحمه الله رغم أن هذا الفكر يحمل من خصائص الخصوبة والعقلانية والاستشرافية ما لا يحمله فكر كثير من المجددين؟

أليس من العجيب أن تصرّ بعض الجامعات الإسلامية على تدريس بعض النظريات الدعوية لمفكرين لا يبلغون في ميزان الفكر الدعوي معشار ما بلغه الشيخ محمد الغزالي وتصرّ في الطرف المقابل على تجاهل فكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، مع أن هذا الفكر وخاصة في جانبه المتعلق بالأمن الديني تولى له أهمية خاصة في بعض الجامعات الغربية؟.

ليس هناك من هو أولى بحماية حصوننا المهدَّدة من داخلها التي تحدَّث عنها محمد محمد حسين في كتابه “حصوننا مهددة من داخلها” من الجامعات الإسلامية، فهذه هي وظيفتها الأولى، وقد استشعرت بعض الدول العربية والإسلامية هذا الخطر فأوحت إلى القائمين على الجامعات الإسلامية بضرورة أن تكون حماية الأمن الديني في صدارة الموضوعات التي ينبغي أن تشتمل عليها المقررات الدراسية لهذه الجامعات.

لقد آن الأوان للجامعات الإسلامية أن تعيد النظر في خريطتها التكوينية وبرامجها المعرفية، وأن يتصدر موضوع الأمن الديني صدارة اهتماماتها، فإن لم تفعل فمن حق الدولة أن تستبدلها بغيرها أو تعفي القائمين عليها حتى يتركوا مكانهم لمن هم أجدر وأقدر، فالأمن الديني هو قطب الرحى وهو صمام الأمان ومن دونه يكون مستقبل المجتمع مفتوحا على كل الاحتمالات ومعرضا لأي انزلاقات.

إن دور الجامعات الإسلامية لا يتوقف عند الجانب النظري في تدريس العلوم الإسلامية والتفنن في نحت موضوعات جديدة مع كل سنة جديدة، ثم لا تجد لهذه الجامعات بعد ذلك دورا يُذكر في الدفاع عن الهوية الوطنية وفي حماية المرجعية الدينية.

إن الجامعات لم توجد لتؤدي دورا بيداغوجيا محضا يهتم ببرامج التكوين وجلب المدرسين وتوزيع قاعات التدريس وكفى الله المؤمنين القتال، وإنما وُجدت لكي تؤدي دورا وطنيا ومجتمعيا ولكي تمثل جدارا منيعا للحفاظ على قيم الأمة، وإن الجامعات الإسلامية لم توجَد لتشكل واجهة دينية رمزية في المجتمع بل لتشكل عنصر مواجهة حاسم ضد كل مساس بالأمن الديني والوطن، ولا يمكن في اعتقادي أن يكون للجامعات الإسلامية دورٌ حاسم في حماية الأمن الديني إلا إذا استجابت لهذه الشروط الثلاثة:

الشرط الأول: أن يتولى قيادتَها من يملك رؤية معرفية وواقعية تؤهِّله ليكون عاملا فعّالا في المساهمة في حماية الأمن الديني بالتنسيق وتبادل الخبرات مع القيادات الوطنية الأخرى.

الشرط الثاني: أن تضيف هذه الجامعات إلى برامجها التكوينية برامجَ تهتمّ بتدريب الطلبة على طرق مواجهة النِّحل الدخيلة التي تهدد المرجعية الدينية والوطنية.

الشرط الثالث: أن تنتدب هذه الجامعات وتستضيف الكوادر الفكرية المتميزة من أجل الاستفادة من خبراتها في مجال حماية الأمن الديني، وأعتقد أن هذا الاستثمار أفضل بكثير من إهدار المال العام في برامج مكرَّرة ومجترَّة لا تقدِّم ولا تؤخِّر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!