-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أي دور للفضائيات الإسلامية في مواجهة التنصير والتكفير؟

محمد بوالروايح
  • 1691
  • 0
أي دور للفضائيات الإسلامية في مواجهة التنصير والتكفير؟

نحن في زمن الذرة، زمن انتهت فيه الحروب التقليدية، وانتهى فيه دور الجيوش الجرارة وبدأ شكل آخر من الحروب “العصرية” وفي مقدمتها الحرب الإعلامية التي لا يحسنها إلا المتمرسون بفن الخطاب الإعلامي، هذا الأخير للأسف هو ثالثة الأثافي ونقطة الضعف الأكبر في إعلامنا العربي الذي يسبح في فضاءات بعيدة عن اهتمامات الأمة العربية، فكل همِّ المنتسبين إليه -إلا من رحم ربّك- هو رعاية مسابقات ملكات الجمال وموضات تسريحات الشعر وجديد الأطباق الغذائية وأخبار المد والجزر في عالم السياسة المشوب بكثير من الأخبار الكاذبة والمزيفة التي لا يصدقها إلا من ختم الله على سمعه وبصره.

وليس الإعلام الإسلامي بِدعا من الإعلام العربي في التقهقر ومجانبة سنة التطور، فهو إعلامٌ نمطي في أغلبه، يعزف على وتر واحد وهو وتر التجديد الكاذب الذي لا نرى له أثرا في الواقع، تجديد يحسبه أصحابه إنجازا كبيرا ونحسبه نوعا من التهريج الإعلامي الذي لا طائل من ورائه، فهل من الإنجاز الكبير أن يتقلص حجم البرامج الفكرية في الفضائيات الإسلامية وينزل إلى المستوى الأدنى في عالم يموج بالأفكار وبالمتربصين بالإسلام آناء الليل وأطراف النهار، يترقبون الثغرات ويتحينون الفرص لتنفيذ مشاريعهم التدميرية برعاية “سامية” من مؤسسات معاداة السامية ومؤسسات الماسونية العالمية؟.

لست من الصنف المبتدع الذي يكرّه إلى المسلمين كل ما يستقيم به دينهم ودنياهم وتستقيم به عباداتهم ومعاملاتهم وسلوكاتهم من برامج الإرشاد والإنشاد التي تبثها الفضائيات الإسلامية، فهذه من أساسيات دعوتنا ومن جماليات ديننا، ولكنني لست في المقابل من الصنف الجامد، الذي لا يهتز له عود وهو يعيش في وسط فكري موبوء، تنتشر فيه الألغام الفكرية والعقدية وتحيط به من كل جانب.

إن الفضائيات الإسلامية بحاجة إلى تأهيل في مجال فن الخطاب وفقه الأولويات وفقه التحديات حتى تتبين دورها وتعي رسالتها، فنحن المسلمين لا نعاني عجزا في رجال الإرشاد والإنشاد وإنما نعاني عجزا رهيبا في رجال الفكر القادرين على مواجهة تيارات التنصير والتكفير التي تستهدف مجتمعنا الإسلامي، ما سرُّ إصرار بعض الفضائيات الإسلامية على الانتقاء المجحف وغير المنصف للمدعوّين للموائد الفكرية على قلتها والتي يُدعى إليها في الغالب من يحملون فكرا مغشوشا يجتهدون في تهذيبه وتحبيبه إلى السامعين والمشاهدين بما أوتوا من محسِّنات بديعية ومهارات كلامية ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب؟

لقد آلمنا كثيرا نحن المسلمين -من طنجة إلى جاكرتا- ما قاله القمص زكرياء بطرس، طعنا في الدين وفي سيرة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وآلمنا قبل ذلك ما قاله سلمان رشدي في كتابه “آيات شيطانية” طعنا في القرآن الكريم، وآلمتنا الصور الكاريكاتورية التي نال صاحبُها من شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ومن زوجاته أمهات المؤمنين، انفعلنا كل على طريقته في الرد على هذه الإساءات والشبهات ودعا بعضنا إلى محاكمة الجناة ومقاطعة المنتجات وهذا رد فعل طبيعي فـ”النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم”، لكن متى ننتقل من ردة الفعل إلى الفعل؟ ومن الرد الجماهيري عديم الأثر في الغالب إلى الرد الإعلامي الممنهج الذي تضطلع به مؤسسات إعلامية قوية تمتلك نخبة إعلامية متميزة ضالعة بخبايا الحرب الإعلامية كما هو الشأن في الضفة الأخرى المعادية؟.

من المؤسف أن العالم الإسلامي على سعة رقعته الجغرافية لا يملك مؤسسات إعلامية قوية قادرة على مواجهة المد التنصيري والتكفيري في الوقت الذي نجد فيه في العالم الغربي عددا هائلا من المؤسسات التنصيرية والتكفيرية التي تستقطب للأسف جمهورا عريضا من المسلمين عامّتهم وخاصّتهم بعد أن نجح زبانيته في استدراجهم إلى مستنقع الإلحاد تحت عباءة “حرية الاعتقاد” و”إحياء دور العقل” الذي أماتته ما يسمونه “الطوباوية الإسلامية”.

من المؤسف أن تفسح بعض الفضائيات الإسلامية المجال لبعض المهرجين والمغردين خارج السرب ممن يعاملون الرب الواحد الأوحد كما يعاملون الأرباب المتفرقة التي صنعها الفكرُ المنحط الخارج عن الجادة والمتنكر للفطرة، فما تفسير إصرار بعض الفضائيات الإسلامية على فسح مجالها الإعلامي -بدعوى أنها مؤسسة إعلامية منفتحة على كل الآراء- لأدعياء التجديد الفكري والتنوير العقلي ليحرفوا الفكر والذكر إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا؟ أي انفتاح إعلامي هذا الذي ييسّر للمنتحلين والمبطلين والجاهلين تشويهَ حقيقة الدين وتحريفَ نصوص الوحي وليَّ الأحكام بدعوى أن هذا مما يقتضيه العقل ويتطلبه علم الكلام؟!

إننا نجد من الضيوف القارين في بعض الفضائيات الإسلامية من يسمون أنفسهم “تنويريين” ممن يخفون لوثتهم الفكرية والعقدية بالتلاعب بالمصطلحات وتهذيبها حتى يستسيغها الجمهور الإسلامي ويتلقفها جاهلا بمحتواها ومضامينها ومكامن الخطورة فيها. أليس من المفارقة أن تسير بعض الفضائيات الإسلامية في اتجاه معاكس للمرجعية الدينية والوطنية؛ فبدلا من أن تشكل عنصر مواجهة لمن يهددون الأمن الديني والوطني ويستهدفون عقيدة التوحيد ويزعزعون الوحدة الإسلامية، تفضل هذه الفضائيات البقاء في الحياد بدعوى التزامها بمبدأ الحياد الإعلامي. إن قضايا الدين والوطن لا تقبل الحياد بأي شكل من الأشكال، فلتختر هذه الفضائيات في أي صف تكون: في صف حراس الدين والوطن، أم في صف أعداء الدين والوطن، وليس هناك منزلة بين المنزلتين.

من المؤسف أن العالم الإسلامي على سعة رقعته الجغرافية لا يملك مؤسسات إعلامية قوية قادرة على مواجهة المد التنصيري والتكفيري في الوقت الذي نجد فيه في العالم الغربي عددا هائلا من المؤسسات التنصيرية والتكفيرية التي تستقطب للأسف جمهورا عريضا من المسلمين عامّتهم وخاصّتهم بعد أن نجح زبانيته في استدراجهم إلى مستنقع الإلحاد تحت عباءة “حرية الاعتقاد” و”إحياء دور العقل” الذي أماتته ما يسمونه “الطوباوية الإسلامية”.

أليس من المؤسف أن تفسح بعض الفضائيات الإسلامية المجال لبعض “التنويريين” الذين يتسترون وراء شعارات مضللة، ومنها إعادة قراءة النص القرآني بدعوى أن تفسيرات التراثيين لهذا النص كانت سطحية وغير عقلانية، وهم يرومون في الحقيقة رفض النص القرآني والتراثي معا، كما هو ديدنهم في رفض عقوبة القصاص لأنها تصادم ما يسمّونه “مبدأ الحق في الحياة”، وفي رفض أحكام الردة لأنها تصادم مبدأ “حرية الاعتقاد”.

هناك رقمٌ مذهل للفضائيات التنصيرية والتكفيرية التي تستهدف الإسلام، وليس لنا في العالم العربي والإسلامي ما يضاهيها من الفضائيات الإسلامية، لا في حجمها ولا في طريقة أدائها وتأثيرها، فقناة “الفادي” التنصيرية التي فرّ إليها المطرود من قناة الحياة “القمص زكرياء بطرس” يتهجّم فيها هذا الأخير وأعوانُه على الإسلام بكل أريحية وكأنه في ميدان يعدو فيه حصانٌ واحد.

لقد عمل المنصِّرون على تطبيق توصيات المؤتمر التبشيري الذي عقد في كولورادو عام 1978 بحذافيرها، والتي من أهمها تعزيز التواجد الإعلامي على الصعيد العالمي لمواجهة ما سموه “الأصولية الإسلامية”، وقد نجحوا لاحقا -بالتعاون بين رجال المال ورجال الفكر المسيحي- في إنشاء كثير من القنوات التنصيرية التي تقوم بدعاية مغرضة ضد الإسلام ونبيّ الإسلام عبر الأقمار الصناعية وعبر الوسائط الاجتماعية المختلفة، في حين أننا نسجل وبكل أسى غياب مؤسسة إعلامية إسلامية بهذه المواصفات، ومع ذلك نجد من يتشدق بأن الإعلام الإسلامي قد حقق قفزة نوعية وارتقى إلى العالمية، ولا أدري عن أيّ قفزة نوعية وعن أيّ عالمية يتحدث هؤلاء؟! أليس من المؤسف أن تفتح الفضائيات التنصيرية أبوابها لرجال الدين والفكر ممن يدعمون خطها ويخدمون رسالتها الدينية في الوقت الذي تفتح فيه فضائياتُنا الإسلامية أبوابها لقارئة الفنجان ولمفسّر الأحلام ولمُخرج الجن وقاهر الشياطين؟!.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!