الجمعة 05 مارس 2021 م, الموافق لـ 21 رجب 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

أي قيم سَيَحمِل جيلُ الغد؟

محمد سليم قلالة أستاذ جامعي
ح.م
  • ---
  • 10

جيل ما قبل الاستقلال كان يحمل القيم الوطنية بلا منازع، بكل ما في الوطنية من معانٍ: دين، لغة، انتماء حضاري، تطلع للحرية، افتخار بالأمجاد… وقِس على ذلك. كان الاستعمار الفرنسي هو التحدي الأول والأخير.. نحن لسنا فرنسيين، ومَن تَجَنَّس فقد باع دينه ووطنه…

جيل ما بعد الاستقلال بقي حاملا لهذه الشُّعلة المُتَّقِّدة في النفس، حَالِمًا أنْ تَتَحقق ذات يوم. أنْ تَتَحقق العودة إلى الذات، وتُقام العدالة الاجتماعية، ويتم إعلاء كلمة الدين، ولا يحصل أي تأخر في نصرة القضايا العادلة، ولا تُقبَل أي مساومة مع عدو الأمس.

وكانت محاولة بناء المؤسسات الوطنية من قبل رجال مخلصين ونساء مخلصات، أوفياء لتضحيات الشهداء. لم يكن هناك تكالبٌ مفرط على المادة ولا على مغريات ما بعد الاستقلال. مازال الناس يتذكرون جحيم الاستعمار. لم تكن قد مَرَّت سوى سنوات قليلة على استعادة السيادة الوطنية. كان الشعور بالحرية كافيا لملء نفوس الناس عزة وكرامة. ورغم الفقر وقلة الحيلة لم تكن الفوارق الكبيرة قد برزت بعد، ولا كان الأغنياء الجدد بقادرين على التَّباهي بممتلكاتهم. أَيُّ تباهٍ كان سيُتبَع بسؤال من أين لك هذا؟ وأين كُنتَ أثناء الثورة؟ لم تكن السنوات قد أنْسَتْ الناس مَن يكون هذا ومَن يكون ذاك؟…

عشرون سنة من بعد، بدأ تحوُّلٌ كبير على مستوى القيم. مع البدايات الأولى للانفتاح الاقتصادي، بدأ اللهث وراء مغريات الحياة. وأصبح بإمكان الثراء أن يكشف عن وجهه. ولم تعد قيمة التضحية تَجد آذانا صاغية. عرف الناس لأول مرة اللاتناسب الطردي بين الثورة والثروة. الذين كانوا وقودَ الثورة، لم يكونوا من بين المستفيدين من الثروة.. والذين كانوا يجاهدون باسم الدِّين والوطن، وجدوا الدِّين قد زُحزِح من الحياة، والوطن لم يَعد يأبه بهم. فكان الاحتجاج الاجتماعي وكانت العودة إلى منبع كل القيم، إلى الدين: الإسلام هو الحل.

ولم يكن صعبا فهم المعادلة: أي انتصار للدين سيعيد ترتيب كافة القيم، ويعيد تشكيل كل المجتمع. لذلك جرت عملية تشويه كبيرة للدين ليُحرَّف عنوة من كونه مصدرا للقيم إلى مُصَدِّر للإرهاب…

عشر سنوات من بعد، تم إحداث شرخ كبير في القاعدة القيمية للأمة، لِيُشرعَ في تنشئة جيل عبر التلاعب بكافة القيم. وبدأ الغموض يحل محل الوضوح، وانتشر سؤال مَن نحن بدل سؤال: كيف نعيد بناء الذات بعد تحريرها من المستعمِر؟ بل وأصبحت كافة القيم السامية محل سؤال: الدين؟ الجنسية؟ اللغة؟ الثقافة؟ التاريخ؟ وكان البديل جاهزا: القيم العالمية! الديمقراطية الليبرالية! اللائكية!

وكأننا سلّمنا على خلاف شعوب الحضارات التاريخية بالخضوع لقيم العولمة الغربية. وكأننا قَتلنا ذلك الطموح بأنَّنا يُمكِن أن نكون بديلا آخر لهذه العولمة المُتهالكة مثلما فعلت الحضارة الصينية أو الروسية أو الهندية أو بدأت تفعل اليوم الحضارة الإفريقية الناشئة. وكأننا قبلنا بالانسلاخ من وعائنا الحضاري لنرضى بأن نكون ديكورا غير ملائم على هامش الحضارة الغربية المتهالكة. وكأننا قبلنا بكذبة انتصار العولمة الغربية ونهاية تاريخ الإنسانية!

إنها مشكلتنا الأساسية، وكيفية التعامل معها هي التي يستُحدِّد خيارنا المستقبلي: إما بناء دولة مركزية في نطاق عمق انتمائنا الحضاري وقيمنا الوطنية كما ضحى من أجل ذلك الشهداء، أو القبول بأن نكون ضمن بقايا عولمة رأسمالية ليبرالية غربية كانت سببا في إذلالنا لأكثر من قرن، وقتلت الملايين من آبائنا، وأجدادنا، والأخطر من ذلك هي الآن تسعى لفرض قيمها المريضة علينا باعتبار أن تلك هي الحضارة وذلك هو المستقبل وما دون ذلك هي قيمٌ بالية تعلق بها ذات يوم الأجداد ولا تصلح لجيل الغد من الأحفاد.

مساحة أمل

مقالات ذات صلة

600

10 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • نمام

    الثقافة معرضة لهزات كبرى ومعرضة للتاكل و المحو في جو العولمة و المعلوماتية والاعتقاد بان القيم ثابتة وغير قابلة للتغيير ولم تتاثر بما يجري وما يشهده العالم من انقلاب وبقاء منظومتنا المحلية و العربية و الاسلامية مما هي عليه يدفع بشبابنا الى التعرض لانفصام و حيرة و قلق بين موروث وتقاليد مستوردة وربما لتيه ولا ننسى بان ثورة الاتصال والمعلوماتية التي كسرت المحضور و المقدس والاطلاع على قضايا مسكوت عنها في ديننا و ثقافتنا من صراع على السلطة وقضايا مجتمعية منها ملكات اليمين و السبي و الرق وقضايا اخرى قد نراها تتنافى و قيم المجتمع اليوم و ما يراه الشباب في الجامعات و الاحتكاك قد يدفع بقيمنا للانحصار

  • ثانينه

    جيل الامس كان كالقطيع تملي عليه كل الاشياء ويتقبلها ويهضمها طواعيه حرف تاريخه وتقبله غيبت هويته فرضت عليه ثقافه الاخر ….اما جيل اليوم والغد هو جيل المستقبل لانه بكل بساطه هو من سيرسم ويخطط لهدا المستقبل ملايين متخرجين من الجامعات لايمكن ان نكدب عليهم مره اخري وهم في صراع مع بقيه الامم لفرض وجودهم وتواجدهم في هدا العالم المتوحش الدي يفرض عليك ان تكون يقظا ومستعدا في اي لحظه وفي الجيل المتعلم يمكن ان نقول ان للديموقراطيه معني وتصبح الاغلبيه المتعلمه هي القائده عكس الامس اين الحكام كانو ا ناتجين عن اغلبيه جاهله اونقول انها غير متعلمه اولها مستوي شعبي ضعيف

  • كمال

    كلام جميل.

  • طارق الجزائري

    مقال يضع اليد على الجرح.
    هناك مظاهر انسلاخ واضحة في مجتمعنا عن قيمه والتركيز واضح على الأجيال الجديدة من أجل تمييعها وتذويبها في القيم الغربية لعدم وجود أجسام مضادة في فكرها والنتيجة ستكون شباب خانع استهلاكي لا هدف.

  • ثانينه

    هدا الجيل سيحمل قيم العلم الصحيح لاقيم الجمعيات الدينيه الباديسيه النوفمبريه التي قيدت هدا الشباب وخلقت منه شباب تحت الوصايه سيج بسياج من الممنوعات والمحرمات هدا الجيل سيسترجع تاريخه ومكانته العالميه.سيفجر طاقاته خاصه عند نجاح الثوره انشاء الله

  • الجيل الفاشل لا يعطي دروس

    دمرتم ماضي البلد و تريدون تدمير مستقبله من الافضل ان تصمتوا للابد

  • ناجي بن العيد الطريفي

    لقد افتك منا الغرب مهمة توجيه شبابنا وراهن في ذلك على وسائل الاعلام والتواصل وقد نجح الى ابعد الحدود حتى اصبحت قيمنا محل سخرية و تندر فالثورة ما الثورة ؟ و الشهداء ما الشهداء؟ و الوطن ما الوطن ؟ و الثوابت ما الثوابت ؟ في حين صار شبابنا يتلقف الوافد من الغرب دون تمحص قصات شعر عجيبة و سراويل ممزقة و هابطة و اغاني فاجرة و كأن شاعر الثورة تنبأ بهذا الوضع حين قال : فويل الجزائر اذا دنس الشباب هذي الطباع

  • ابا القاسم

    كل انسان ولد حرا يختار منهاجا لحياته يناسبه ولا يفرض عليه فرضا ولا بالقوة
    كل انسان يختار طريقا بقناعاته وبكل اريحية وبلا تسلط من احد
    الانسان ليس عبدا لاحد الا لخالقه فقط

  • كلمة انصاف

    واحد معقد كيما انت تهدر على بن باديس رحمه الله من شيعه الملايين و البشير الابراهيمي محيي امة بفضل الله اخلاصه و عمله. نحن جزائريون موحدون مسلمون لغتنا عربية جميلة معبرة نكرم الضيف و نضرب بالبلوط و السيف و نتزوج النساء و نحب الطيب و الاكل الحلال الى يوم تلق الصحف انشاء الله. ولي ما عجبوش الحال يشرب من الصابلات.

  • ياسين

    “الشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتما تاريخه…” على حد تعبير بن نبي رحمه الله… فالشعب الألماني لم يبن بلده بعد الحرب العالمية الثانية بالرصيد المالي بل أعاد بناءه بالرصيد الثقافي الذي يحمله كل فرد من الشعب الألماني… إذن فالبناء الحضاري يبدأ من بناء الانسان الحامل لرسالة الحضارة وليس لحامل نفايات الحضارة؟؟؟

close
close