-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إفريقيا في حسابات الكيان الإسرائيلي

محمد بوالروايح
  • 1499
  • 0
إفريقيا في حسابات الكيان الإسرائيلي

تناور “إسرائيل” على كل الجبهات فبعد أن نجحت في استمالة بعض الدول العربية للتطبيع معها، اتجهت إلى إفريقيا حيث افتكت صفة عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي. وتدعي إسرائيل أن هذه العضوية مستحقة لأنها تربطها بأكثر الدول الإفريقية علاقات اقتصادية ودبلوماسية. إن حكاية قبول إسرائيل عضوا مراقبا في الاتحاد الإفريقي قد نسجت خيوطها بين الثلاثي: إثيوبيا، المغرب والسودان، أما إثيوبيا فلكونها ترأس مفوضية الاتحاد ممثلة برئيسها موسى فقي محمد، ولكونها أيضا لا تخفي صداقتها لإسرائيل ربما إحياء للميثاق التاريخي بين مملكة الحبشة والمملكة اليهودية، وأما المغرب فلأنه يريد من خلال هذه الخطوة أن يبرهن لإسرائيل على صدق نواياه وبأنه جاد في التطبيع وبأنه يريد أن يذهب به بعيدا خارج الدائرة العربية إلى الدائرة الإفريقية وما وراءها، وأما السودان فلأنه يسعى لإرضاء إسرائيل من أجل ديمومة التطبيع الذي وقعه المجلس العسكري الحاكم والذي لا يريد هذا الأخير أن ينتهي بنهايته.

يجيز القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي تعيين مراقبين من خارج الاتحاد، ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن لماذا إسرائيل بالذات مع أن عضوية هذه الأخيرة تتنافى مع الأهداف التي رسمها الاتحاد الإفريقي والتي تضمنتها المادة الثالثة من القانون التأسيسي التي تنص على التعجيل بتكامل القارة السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتعزيز مواقف إفريقية موحدة حول المسائل ذات الاهتمام للقارة وشعوبها، والدفاع عنها وتعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة. من المعلوم أن وجود إسرائيل تحت أي صفة في الاتحاد الإفريقي يتنافى مع هذه الأهداف جملة وتفصيلا، فالتكامل بين دول القارة الإفريقية السياسي والاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بوجود إسرائيل في الاتحاد الإفريقي الذي يحول دون وجود مواقف إفريقية موحدة من المسائل ذات الاهتمام للقارة وشعوبها وفي مقدمتها المسألة الفلسطينية، كما أن وجود إسرائيل في الاتحاد الإفريقي من شأنه تقويض جهود تعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة، فإسرائيل بشهادة الخبراء الاستراتيجيين هي عامل توتر في المنطقة العربية وإذا سمح لها أن تكون عضوا مراقبا في الاتحاد الإفريقي فإن عدوى ذلك ستنتقل من البيت العربي إلى البيت الإفريقي.

يدين الاتحاد الإفريقي -كما جاء في قانونه التأسيسي- الإرهاب وأي فعل أو سلوك عدواني، وهذه العناوين كلها متحققة في الحالة الإسرائيلية، فإسرائيل هي الراعي الأول للإرهاب الدولي فهي التي تحرك خيوطه بمباركة من حلفائها الاستراتيجيين، وإسرائيل دولة احتلال ومن ثم فإن قبول انضمامها إلى الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب هي شرعنة لهذا الاحتلال.

قرأت لوزير خارجية الكيان الإسرائيلي ” يائير لابيد” تصريحا عجيبا ومستفزا في آن واحد حيث قال احتفاء بحصول إسرائيل على منصب عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي: ” هذا يوم احتفال بالعلاقات الإسرائيلية الإفريقية..إن صفة العضو المراقب سيمكن إسرائيل من مساعدة الاتحاد الإفريقي بشكل أكبر في مجالي مكافحة جائحة كورونا والإرهاب. أإلى هذا الحد تنجح إسرائيل في الضحك على ذقون القادة الأفارقة، هل تريد إسرائيل أن تكرر في إفريقيا فضيحة اللقاحات التي تنتهي صلاحيتها بعد أشهر والتي قالت إنها حولتها إلى السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق مقابل حصول إسرائيل على شحنات لقاح فايزر الذي وجهته جهات أوروبية إلى السلطة الفلسطينية؟.أإلى هذا الحد تستخف إسرائيل القادة الأفارقة وتعدهم بمساعدتهم في مكافحة الإرهاب وهي الإرهاب بعينه؟

تهدف إسرائيل من خلال مراهنتها على إفريقيا إلى إحياء العلاقات التاريخية التي كانت تربطها ببلدان جنوب الصحراء الإفريقية وهي علاقات تعود -كما كتبت وزارة الخارجية الصهيونية- إلى أواسط الخمسينات، فقد كانت لإسرائيل علاقات ممتازة مع غانا وأكثر من ثلاثين دولة إفريقية ولكن في أعقاب حرب أكتوبر وتداعيات الأزمة النفطية العالمية قطعت معظم دول جنوب إفريقيا علاقاتها مع إسرائيل بعد تلقيها وعودا من المجموعة العربية بقيادة مصر بتزويدها بالنفط العربي الرخيص والدعم المالي فلم تجد دول جنوب الصحراء بدا من الاستجابة لطلب المجموعة العربية حماية لاقتصادياتها في ظل أزمة نفطية خانقة غير معلومة ولا مأمونة العواقب.

تعتقد إسرائيل اليوم بعد سنوات من المواجهة بينها وبين العرب بأن المجموعة العربية لم تعد تمتلك عوامل القوة التي كانت تمتلكها في السابق كما تعتقد أن النفط العربي لم يعد سلاحا استراتيجيا يثير مخاوف إسرائيل ولهذين السببين تعيد إسرائيل الكرة من جديد لكسب الحليف الإفريقي الذي قالت إنه أصبح أكثر قبولا لإسرائيل كما أنه لم يعد رهين النفط العربي والقرار الإفريقي.

كل القراءات الاستراتيجية تنبئ بأن إسرائيل ماضية في مسعى استرجاع الحليف الإفريقي والدليل على ذلك اللغة الدبلوماسية الواثقة التي تحدث بها سفير الكيان الصهيوني لدى أديس أبابا (أليلي أدماسو) في أثناء تقديم أوراق اعتماده إلى رئيس مفوضية الاتحاد ” موسى فقي محمد” ممثلا لإسرائيل بصفتها عضوا مراقبا في الاتحاد الإفريقي.

لا يجب الاستهانة باللعبة الإسرائيلية في إفريقيا فكثير من المعطيات الجيوسياسية تصب لصالحها وخاصة أنها ليست وحدها في هذا اللعبة بل تشاركها الدول العربية الحليفة التي دخلت معها في حلف” التطبيع”. إن تيار الرفض العربي لمناورات الكيان الصهيوني على صلابة مواقفه وقوة آلته الدبلوماسية، يحتاج إلى مساندة عاجلة غير آجلة من المجموعة الإفريقية حفظا لإفريقيا من أن تعبث بها اليد الصهيونية وتفككها من الداخل ويخترقها الموساد ويجوس خلال الديار لا يجد من يردعه ولا من يوقف مخططاته.

يجب أن يتدعم تيار معارضة التطبيع ومعارضة قبول إسرائيل عضوا مراقبا في الاتحاد الإفريقي الذي تقوده الدبلوماسية الجزائرية التي نجحت في إجهاض الخطة الإسرائيلية بالتشاور مع بعض الدول العربية التي صوتت معها ضد قرار عضوية إسرائيل في الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب، فمصر بغض النظر عن نظامها السياسي وبعيدا عن الجدل القائم بشأن علاقاتها الخفية أو المعلنة مع إسرائيل قد صوتت ضد قرار الانضمام لأن مصر تدرك بأن إسرائيل ضليعة في كثير من المشكلات التي تعاني منها مصر ولعلها أهمها تحيزها للطرف الإثيوبي في النزاع الدبلوماسي لحد الساعة القائم بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة. لا يمكن لمصر بالاعتبار القومي والسياسي والواقعي أن تصوت لصالح إسرائيل التي تبدي تحيزا ظاهرا للطرف الإثيوبي في الوقت الذي تلوح فيه بوادر حرب مياه قادمة بين مصر وإثيوبيا بسبب سد النهضة.

إن قرار منح صفة عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي هو قرار إداري من رئيس مفوضية الاتحاد وهذا القرار كما جاء في بيان الخارجية الجزائرية لا حدث ولا يمكن أن يؤثر على الدعم الثابت والفعال للمنظمة القارية الإفريقية للقضية الفلسطينية، كما أنه لا يمكن أن يؤثر في قرارات الاتحاد الإفريقي التي تملكها الدول الأعضاء حصرا.

إن الجزائر تبذل جهودا دبلوماسية كبيرة ضد التطبيع وتداعياته وضد تهجين الاتحاد الإفريقي وهذه الجهود تحتاج إلى تثمين من المجموعة الإفريقية وإن أي تقصير إفريقي في هذا المجال ستكون آثاره وخيمة وتبعاته خطيرة على الاتحاد الإفريقي إن لم يؤد إلى تفجيره من الداخل وهذا ما تعمل له إسرائيل وحلفاؤها الجدد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!