الجمعة 20 سبتمبر 2019 م, الموافق لـ 20 محرم 1441 هـ آخر تحديث 14:26
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق
ح.م

ينبغي ألا نترك مشاعر الغضب والانتقام وأحيانا الحقد تطغى على أنفسنا في هذه الآونة.. الزمن اليوم هو زمن التفكير في أفضل أساليب البناء وما أصعب ذلك، أكثر من التفكير في أقوى وسائل الهدم وما أسهل ذلك.

لا أعتقد أن أولويتنا اليوم هي الشروع في محاكمة الفاسدين، أو استرجاع الأموال التي نهبوها وإعادة الحقوق إلى أصحابها، بقدر ما هي الإسراع بسدِّ كل الثغرات التي يتسرَّب منها الفساد وإعادة إقامة البناء الذي أوشك على الانهيار وتعزيز ركائزه…

قبل الشروع في العلاج، وقبل الجري خلف المجرم لإلقاء القبض عليه ومحاسبته، ينبغي وقفُ نزيف هذا الجسد الوطني المُثخَن بالجراح، والمنهَك القوى وغير القادر على الصمود… لا ينفع في شيء إلقاءُ القبض على المجرم ومحاسبته إذا تركنا الضحية تنزف وتموت… وبلدنا اليوم هو الضحية، وهي تنزف في أكثر من موقع، والفاسدون هم أولئك الذين أثخنوا جسدها بالجراح، ومازالوا وإلى اللحظة وفي أكثر من مكان ينهبون. والشعب الذي هبّ هبَّة رجل واحد هم المسعفون الذين جاءوا من كل حدبٍ وصوب لإنقاذ هذا العملاق الذي أطاحوا به أرضا، فلا ينسوا مهمتهم الأولى ويتحولوا نحو سيناريوهات الحساب والعقاب السابقة لأوانها.

الزمن اليوم هو زمن إيقاف هذا العملاق الواقع على الأرض ومدِّه بكل الطاقة التي يحتاج حتى ينهض ويعتدل، عندها سيتفرغ إلى الذين أصابوه وتآمروا عليه وأسقطوه أرضا.

هل نُلهي هذه الهبَّة الشعبية عن القيام بمهمتها الأولى لإيقاف هذا العملاق، بالجري خلف من تَسبَّب في إيذائه؟ أم علينا رصّ صفوفها وتوحيد جهودها من أجل تحقيق هدف مركزي أساسي: أن تتعزز أركانُ الدولة الوطنية أولا وتستعيد قواها وتتمكن من الحركة بعقلانية ورشاد لتقوم هي بمعاقبة من تسبَّب في إيذائها؟

كيف نزعم إمكانية محاسبة الفاسدين والدولة اليوم بلا رأس وتكاد تكون غائبة لولا رعاية من الله تعالى؟

هل وفَّرنا للقاضي الاستقلالية والضمانات اللازمة ليقوم بمهامه؟ أم أننا نريد إقحامه مرة أخرى، في لعبة صراعٍ جديدة تَبدَّل فيها فقط طرفا النزاع؟

يبدو لي أنه علينا أن لا نُخطئ هذه المرة في أولوياتنا.. إن إقامة الدولة واختيار قيادة راشدة لها من خلال انتخابات حرة ونزيهة، يسبق عملية الحساب والعقاب، بل ويسبق أي عملية إصلاح أخرى. وكل ما يجري قبل أن نُعيد انتخاب مؤسسات الدولة الشرعية، وقبل أن يُصبِح على رأسها قادةٌ يختارهم الشعب بحرية، يكون أقرب إلى الانتقام وتصفية الحسابات الشخصية ودغدغة عواطف الشعب منه إلى البناء الحقيقي والاستثمار الإيجابي في هذه الهَبَّة الشعبية الكبرى. لتستعيد الدولة رأسَها أولا، وهي التي ستُطيح برؤوس ناهبيها.

 

600

1 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close