-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ارحموا الفقراء..

سلطان بركاني
  • 4527
  • 14
ارحموا الفقراء..

تشير بعض الإحصاءات إلى أنّ ثروة 200 من أغنياء هذا العالم تتجاوز دخل 41 ٪ من سكان الأرض مجتمعين، وأنّ المساعدات التي تخصّصها الأمم المتّحدة للدّول الفقيرة كلّ عام هي أقلّ بكثير ممّا تنفقه تسعةٌ من البلدان المتقدّمة على غذاء القطط والكلاب في ستّة أيام فقط؛ وبينما يموت 35 ألف طفل يوميا بسبب الجوع والمرض في هذا العالم، ويعيش أكثر من 3 ملايير إنسان تحت خطّ الفقر، يموت الآلاف في المقابل بسبب التّخمة والإسراف في المآكل والمشارب، وفي الوقت الذي يُحرم مئات الملايين من أبسط ضروريات الحياة، ينفق الآلاف من المترفين المليارات على السيارات والألبسة الفاخرة والمساحيق والأصبغة وعلى تربية الكلاب والقطط.

90   في المائة من أفراد الأمّة يراوحون بين الكفاف والفقر

ليس غريبا أن تكون هذه حال العالم المادي الذي لا يعرف غير الدولار إلها، ولكنّ الغريب أن تكون هذه أيضا حال العالم الإسلاميّ الذي ينتسب إلى دين يقول نبيّه المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به)؛ ففي الوقت الذي تنعم طائفة من هذه الأمة لا تتجاوز نسبتها 10 ٪ بالعيش الرغيد وتتنافس في نفخ الأرصدة في البنوك المحلية والأجنبية، يراوح باقي أفراد الأمّة بين الكفاف والفقر بكلّ دركاته، إلى الحدّ الذي يضطرّ معه أب مسلم فقير في بلد مسلم غنيّ إلى الجلوس في المسجد بعد صلاة الصّبح حتى يتأكّد من ذهاب أبنائه إلى المدرسة، لأنّه لا يُريد أن يعيش مأساة مطالبتهم له بدنانير يشترون بها “لمجة” كبقية زملائهم في المدرسة، فهو لا يملك شيئاً، وبالكاد يوفّر لهم ما يبقيهم على قيد الحياة.

 

“جامبو البطاطا” و”بطاطا الصّيدلية”! 

لقد ملأت الدنيا قلوب كثير منّا، وأصبحنا- إلا من رحم الله- أسرى لِلُغة الأورو والدينار، وصرنا لا نقنع من هذه الدنيا بقليل ولا كثير؛ من ملك سكنا يتمنى آخر، ومن ملك سيارة يسعى ليقتني أخرى أفضل منها، وبيننا أسر فقيرة لا نكاد نتذكرها إلا في رمضان، أسرٌ لا تعرف في يومياتها إلا المعاناة والمكابدة لأجل الظفر بأبسط ضروريات الحياة، لا يستطيع أربابها دفع مستحقات الكهرباء والغاز والماء، ولا توفير مصاريف الدراسة إلا مع مشقة وعناء، أسر لا يطمع أفرادها في لحم ولا فاكهة، فيكفيهم أنّ أعينهم تستمتع بمنظرها مرصوفة في المحلات، ولكنّ غاية أمانيهم أن لا تتكرر عليهم كثيرا تلك الأيام التي لا يجدون فيها ثمن الخبز والحليب، أمّا “البطاطا” التي كانت إلى وقت قريب ملاذًا للفقراء، فقد أصبح اقتناؤها حلما صعب المنال، حتى إنّ بعض المحرومين أصبحوا يتندّرون بالقول إنّهم توقّفوا عن شراء “البطاطا” في انتظار نزول “جامبو البطاطا” إلى الأسواق، وبعضهم يقترح أن تباع هذه السّلعة في الصّيدليات، ليحظى المحظوظون منهم بتخفيضات الضّمان الاجتماعيّ! هذه الحال من اليأس التي وصل إليها الفقراء في هذا البلد لا يحسّ بها كثير من الموسرين الذين ينفقون في جلسات المقاهي وعلى حلويات الأطفال يوميا ما تنفقه بعض الأسر على الخبز والحليب في أسبوع أو أكثر، بل إنّ بعض الموسرين ينفق الواحد منهم على لباس واحدة من بناته في موسم واحد ما ينفقه بعض الآباء الفقراء على لباس أسرة كاملة خلال عام كامل، فضلا عن أن يحسّ بمعاناتهم المسؤولون الذين لا يعرف كثير منهم أسعار الموادّ الأساسية في الأسواق.

 

المجتمع يرفع شعار “نفسي.. نفسي” 

لقد نزعت الرحمة ليس فقط من قلوب المسؤولين وأصحاب المناصب والمترفين، ولكن أيضا من قلوب عامّة الموسرين، وأصبح الواحد منهم لا يهمّه أمر جاره ولا يهمّه الوضع الذي يعيشه قريبه، وربما لا يهمه أمر أخيه من أبيه وأمه، بل ربما لا يهمّه أمر والده ولا أمر والدته؛ تجد الرّجل في حال مادية يغبطه عليها كثير ممّن هم حوله، يسكن أوسع السكنات، ويتقلب بين أرفع أنواع السّيارات، وربّما يقرض الأصحاب والأحباب من الأموال ما يقرض، وتجد إلى جنبه فقيرا معدما لا يكاد يضمن قوت يومه إلاّ بعد مشقة وعناء، وربّما تجد أخا له لأبيه وأمّه يصارع الفقر والفاقة، ويعاني المهانة والمذلّة، بل ربّما تجد أباه الذي تعب وعانى ما الله به عليم ليجعله- بإذن الله- رجلا، تجد أباه هذا غارقا في ديون يصعب عليه سدادها، ويتمنّى من خالص قلبه لو يظفر بالتفاتة حانية من ابنه الغني ليسدّ ديونه، ولِمَ لا ليدفع عنه تكاليف حجّة إلى بيت الله الحرام يختم بها حياته التي ملئت تعبا ونصبا لأجل أبنائه، وربّما تجد في المقابل أبا يتقاضى الأموال الكثيرة بالعملة الصعبة، ولا همّ له إلا أن يكدّسها في البنك بعيدا عن أعين أبنائه الذين يعانون الفقر والحاجة، ويطرقون الأبواب ويريق الواحد منهم ماء وجهه لعلّه يظفر بوظيفة يبني بها مستقبله.

 

التعلّق بالمظاهر يزيد معاناة الفقراء 

كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: “لو كان الفقر رجلا لقاتلته”، يقول هذا في زمن لم تكن فيه المظاهر هي المعيار الذي يحكم من خلاله على الناس، وفي زمن يقتسم فيه الرجل التمرة مع أخيه، فكيف نقول نحن في هذا الزمان الذي أصبحت المظاهر هي المعيار الأهمّ وربّما الأوحد في الحكم على الناس، وأصبحت المباهاة ليس بالعلم ولا بالمواقف وإنما بالمظاهر، بالألبسة التي تلبس وبالأطعمة التي تؤكل وبأنواع السيارات التي تركن أمام أبواب البيوت، وهكذا…

 

اتّقوا الله في الفقراء 

لقد آن الأوان للمسؤولين أن يتّقوا الله في فقراء هذا البلد الذين ملّوا شعارات الوطنية التي ذبحوا بها عقودا من الزّمان، وما رأوا من ثمارها إلا الدعوات الموسمية للمشاركة المكثّفة في الانتخابات.. آن الأوان أن تتحوّل الوطنية إلى ممارسات في الواقع ترفع الغبن عن المغبونين، في بلد لو وزّعت زكاة احتياطات الصّرف التي يملكها على الفقراء، ما بقي بين أفراده فقير واحد.

كما آن الأوان لأفراد هذا الشّعب المسلم أن يتّقوا الله بعضهم في بعض، ويتراحموا ويحسّ موسروهم وأغنياؤهم بمعاناة فقرائهم، ويجعلوا نصب أعينهم حديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به). 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
14
  • جزاااااحقةااائررررية

    اللهم اهد أمة الإسلام ،وانزع بذور الغل والحسد والطمع من قلوبهم وابدلها بالمحبة والقناعة والايثار ،واهد حكام المسلمين لدينهم الحنيف و اعن المظلومين والفقراء يارب العزة أنت أعلم بهم منا .آآآآآآآميييييييييييييييييييييييييييييييين.

  • بدون اسم

    ما شاء عليك،ربي يزيدك الخير ويثبتك على دينك الإسلامي الحنيف،آمين آمين آمين.

  • بدون اسم

    صحيح أنا عشت الفقر وتجرعت مرارته خاصة لما تكون تعيش بين أناس يتنافسون في البذخ والمظاهر.
    رغم الحرمان الذي عشته ورغم صغر السن والله كانت نفسي طول عمري عزيزة لا تطمع بما عند الغير قانعة بما لدي من ضروريات الحياة لا أروم غيرها .. والآن بعدما أصبح لدي دخل محترم لا أجد في نفسي لهفة لشراء ما حرمت منه من كماليات وأفضل أن أساعد محتاجا على أن ألبس لباس غالي( يقارب مليون س أو يفوق) ربما يحرم علي لبسه ولا أضع ثمنه في شيء مفيد ينفع عائلتي أو أنفع به غيري.

  • salah

    الربا اصبح ركيزة اموالنا ونحن مسلمون في بلد مسلم وحقيقتنا للاسف نحن منافقون في بلد مشرك يخاف امريكا و حلفائها ولا يخاف الله كيف نقول نحن في بلد مسلم ولا نطبق شريعة الله لسبب واحد خوفا او لارضاء حلفاء اليهود ونحن كالشعب النفاق و النفاق هو مبدانا لاننا نكتم الحق ونحن نعلمون

  • نورالدين الجزائري

    الغني فسد ماله بعدم وجود البركة فيه أو يلهث بجمعه و لا يملاء في الأخير فمه إلا التراب فهو إما دواء للقلب أو إيذاء له و ظلم فقيره لأنه نصيب و حق كتبه الله تعالى له فنحن نكسب الرزق لا نملكه و لا نملك حتى الهواء الذي نتنفسه ، نحن في الأصل فقراءضعفاء و لكن الدنيا ببهرجها تسكرنا
    إن الحق سبحانه حليم يعطي عباده الرزق فلا يشكرون و يعجل لهم بالعذاب فلا يتوبون و لا يبادرهم بالإيذاء فلا يتذكرون و هو معطيهم وجودهم ذاته و الأموال التي في جيوبهم فلا يتصدقون!
    ربِّ فرج هما أراه بضعفي كبير و هو برحمتك صغير !

  • نورالدين الجزائري

    قال أهل الصلاح : إننا نضع الصدقة في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد الفقير ! هذا الرقي و السمو في التفكير و الفهم هو منعدم ، فيحل محله ما يعاكسه ! مثلا : في علم الزراعة يحكي لنا السابقون أن الكيس من القمح أو شجرة النخل .. يعطي 10 أكياس إلى 70 كيسا و الآن لا يعطي الكيس 1 إلا كيس أو كيسين ! فعندما تنقص النية ـ و هي عبادة شرعية ـ تنقص معها البركة فتزداد الحيّلة فينقص عدد الأكياس !! هناك سر إلهي أصلي في الأفق الذي هيأ أسباب الرزق و العطاء من : صدقة زكاة و معونة ، و أوجد الفقراء لها ، فإذا فسد قلـــب

  • فضيل

    اقترح على الكاتب ان يتخصص في السياسة الاجتماعية لطرح مستمر لمتطلبات هدا الحانب بصفة مدققة تعتمد الاحصاء وتبني مطالب حسب الفئات المعوزة مستلهما تطبيقات تجارب دول تعتني بشريحة المعوزين لانه جانب تؤسس له برامج متكاملة قصد توازن بين من يستفيد بلا حدود ومن يحرم بلا رأفة
    .....التخصص جد مفيد وله مردود عملي .
    .........اشكركم وفقكم الله لما ينير دروب الصواب .

  • نورالدين الجزائري

    بما يعرف بـ : لونساج يجعل رويدا عامة الناس ينجرون إلى التكيف مع هذه الموبقات التي أصبحت كالأمواج العاتية لا ينجو منها إلا ـ القبيح ـ إما تتحرك على هذه الوتيرة بالخطف و الكذب و الخوف من المستقبل ليقصو القلب فيما بعد فنألف ركوب سفينة الهيجان و الفوضى بلا حرج ! و هذا الرد العدائي يتكون و ينشأ مع مراحل الحياة من الحينة إلى الأخرى .
    تنصرون بضعفائكم ! بمعنى إذا ظلمنا هم يوف نُظلم و تزيد شقوتنا في الحياة لماذا ؟ لأن الغني ينفق على الفقير و القوي على المسكين، فهو يؤدي عن الله تعالى الذي ـ أوكله ـ لهذا

  • نورالدين الجزائري

    حوت يأكل حوت و قليل الجهد يموت !
    إن المال كله مال الله تعالى أعطاه للإنسان بالحركة ، و هذه الحرية في الإرادة و الكسب يحميها سياج من الأحكام الشرعية منها : تحريم كسبه من الحرام / عدم التبذير / إعطاء نصيب منه للفقير .
    مَن هو المسؤول على هذا العدد الهائل من الفقراء و على هذا الفقر المدمر الممزق لحياتهم ؟ سئل أحد الصالحين : ما مدى بقاء الناس على الخير ؟ قال : ما بقي أمرائهم على الخير ! إن هذه الفوضى في تسيير مرافق البلاد من : العفس على القانون / الرشوة المحسوبية الإختلاسات و إعطاء المال للصبية

  • ام كلثوم

    لايحس بمحتوى مقالك هذاالامن ذاق مرارة الحاجة والفاقة من يتامى وارامل وذوى الدخل الزهيد.الفقر مؤلم جدا...صعب عليك ان تعلم طفل اليوم المعوز الصبر والثبات على واقعه البائس وحالتة اسرته المزرية وهو يرى بام عينيه اترابه ينعمون بما طاب ولذ من الاكل ويرتدون ابهى الثياب وهو يرمقهم من بعيد.ويتالم فى صمت ..ذلك ان الاطفال اليوم واعون ومدركون لحقائق تجعلهم ينحرفون ويختارون وسائل غير شرعية للظفر بابسط متطلبات الحياة..لذلك لانتحسر ونبكى اذا سمعنا ان اطفال اليوم يرتكبون انواع الموبقات حتى يقروا حقهم فىالعيش

  • المواطن

    الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وسخَّر لنا خلقاً من خلقه يعلمونا ويذكرونا وينصحونا.الحمد لله الذي كبَّرنا من صِغر، وأطعمنا من جوع، وسقانا من ظمأ، وسترنا من عورة

  • النفس والحيطة

    أعداؤنا الذين لا نبصرهم أكثر من الذين نبصرهم، وأولهم الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وله حبائل ومن حبائله النساء،

  • البصيرة

    مواقف وبصيرة لحاكم خدم الفقراء /
    عمر يستأذن عائشة بأن يدفن مع صاحبيه
    انطلق إلى عائشة - عمر يرسل ابنه - فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين] لاحظت الكلمة هذه! هو يسحب هذا اللقب منه حتى يهيئ نفسية الأمة إلى الجديد، من يفكر في هذا المعنى في لحظات الموت؟

  • لايهم

    اتقوا النار ولو بشق تمرة فان لم تكن فبشق تينة ولا تكونوا كالذين قالوا الي ما فيه نفع غير ادفع