الثلاثاء 21 أوت 2018 م, الموافق لـ 10 ذو الحجة 1439 هـ آخر تحديث 21:49
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

استعادة الوعي وتطوير الاستراتيجيات والتكتيك

  • ---
  • 0

جيوش الأمريكان تتخذ قواعدَ في العراق وسورية وفلسطين، وجيوش فرنسا وبريطانيا في ليبيا، والخبراء الأمنيون الغربيون والقواعد العسكرية الغربية في قطر والبحرين والإمارات وو.. من أين بدأت الرحلة وكيف نواجهها؟

كانت حملة نابليون على مصر 1798-1801 هي الحملة الغربية الثالثة بعد فشل الحملتين السابقتين في 1221 وفي  1250.. بعد مواجهات قوية قادها الأزهر الشريف استطاعت جيوش نابليون النزول الى مصر لتتحرك إلى بلاد الشام لإكمال الانتصار الاستراتيجي الغربي على المنطقة إلا أن هزيمتها الكبرى التي تحققت في فلسطين حيث ارتكست حملة نابليون تحت أسوار عكا دعت القائد الفرنسي إلى التخلي عن أحلامه التوسعية عائدا مدحورا هو وحملته التي لم تبق مطولا في مصر.. لكن الحملة فرخت في السنوات الثلاث كل سمومها لاسيما الثقافية حيث أرست الحملة علمانية غزت ثقافة النخب الفكرية فيما بعد وسيكون لهذا أثره البالغ الخطورة على أجيال الأمة في كل الوطن العربي.. وهذا البعد الثقافي “فصل الدين عن السياسة” على أرضية الصراع بين الكنيسة والسياسة هو ما ميز الحملة الفرنسية عن حملات الفرنجة السابقة والتي كانت مغلقة على عصبيات دينية عنصرية وكان لذلك أثرُه البالغ رغم أن سنوات الحملة الفرنسية على مصر لم تمكث طويلا.. وتكوّنت في مصر دولة محمد علي بتبعية للعثمانيين سنة 1806 بعد قلاقل داخلية كان واضحا أن للقوى الأوروبية لاسيما بريطانيا وفرنسا أثراً فيها.. وبدأت طموحات والي مصر تكبر شيئا فشيئا من خلال محاولاته بسط نفوذه على بلاد الشام والجزيرة العربية، ومن جهة أخرى عمل على تطوير مؤسسات الدولة التي عمل على إبرازها من خلال بعثات علمية أرسلها إلى باريس لتعود بمزيد من الثقافة والإدارة.

جاءت واقعة نافرين البحرية  في 20 أكتوبر 1927 لتؤرخ لمرحلة أكثر تأثيرا حيث حرك القرار الاستعماري البريطاني الفرنسي الروسي أساطيل الغرب الحربية لمواجهة الأسطول التركي والمصري والجزائري وهي الذراع العسكرية التي تحمي بلاد المسلمين ومن خلال خديعة أتقن المستعمرون صناعتها تمت هزيمة الأساطيل الإسلامية الثلاثة لتستمر بعدها موجات الاستعمار الحديث.. حيث تم فرض الحصار الغربي فورا على الجزائر تمهيدا لحملة استعمارية بقرار غربي تقودها فرنسا وانسحاب والي مصر من دائرة العثمانية وذهابه إلى تكريس الدولة القُطرية باستراتيجيات قُطرية وتكوين طبقات ثقافية قُطرية فكانت الضربتان الخطيرتان الأولى احتلال الجزائر والثانية إغراق مصر في الانصراف عن الأمة..

ومنذ تلك الواقعة بدأت الموجات الاستعمارية تتلاحق على وطننا العربي ومشرقنا الإسلامي لتسقط عواصمنا الواحدة تلو الأخرى وصولا الى سقوط عاصمة الحكم العثماني إعلانا عن سقوط الكل الإسلامي على طاولة التقسيم الاستعماري لمنطقة الرجل المريض على دول الاستعمار التقليدية.

وهنا أدرك الغرب الاستعماري ضرورة إيجاد ضمانات لانتصاره التاريخي مستفيدا من استخلاصات تجارب حملاته السابقة على المنطقة فتبلورت فكرة قيام كيان بشري في القلب من المنطقة، غريب عنها ثقافة وعرقا، يقوم بمهمات تكتيكية قوية تخدم استراتجيات الغرب الأساسية، فكانت فكرة الكيان الصهيوني بعد قرن كامل من الانتصارات الغربية على وطننا العربي والتي انتهت بسقوط الخلافة العثمانية.. ليتم ترسيم التجزئة باتفاقية سايكس بيكو والإعلان عن وعد بلفور واحتلال فلسطين في الوقت نفسه سنة 1917..

هنا أصبحت مهمة التحرّر من المشروع الاستعماري شاقة وأخطرها التحرر من منهج التفكير الذي تغلغل في عقول النخب الثقافية التي استسلمت لمنطق الدولة القُطرية وانعزالها عن محيطها العربي الإسلامي.. لم تكن الدعوات القومية قادرة على تكسير هذه القُطرية المستفحلة في حين ظل الغرب يضرب عن قوس واحدة مصالحنا وبلداننا..

فشلنا جميعا في أهدافنا كلها.. فشلنا في استرداد فلسطين؛ فها نحن بعد مئة سنة نشهد كيف تتسرب الأرض من تحت أقدامنا ويتم الإعلان عن ضمّ القدس للكيان الصهيوني، وفشلنا في تحقيق نهضة حيث لم تكن العقود الطويلة إلا إمعانا في تخلفنا وفقدان ثرواتنا في مشاريع استهلاكية الأمر الذي حوّلنا إلى قطيع من التابعين لما ينتجه الغرب.. وكان الفشل ذريعا في إمكانية تكاملنا ووحدتنا حيث أصبحت عواصم الغرب هي الأقرب إلينا من جيراننا المقربين.

وجاءت رياح الربيع العربي لتعصف بكل شيء، بالدولة الوطنية وبتكويننا الإثني لتمزقنا على كل العناوين في ظل هجمات متلاحقة على أكثر من صعيد في المنطقة لإبعادها تماما عن التفكير في النهضة والتكامل خوف ظهور الأمة من جديد.

“فلسطين ليست أجندة  خاصة لأحد.. وهذا يعني أن فلسطين لا تصطف في محور أحد أو مشروع أحد لأنها بذلك تفقد رسالتها.. إن لفلسطين معركتها الخاصة التي لا تشبه في وقائعها أي معركة أخرى من تلك التي تخوضها أقاليم الأمة مشرقا ومغربا.. “

كما أنه من الضروري فهم المشروع الاستعماري، فإنه من الواجب فهم أدوارنا التكاملية في مواجهته كما علينا فهم أين نواجهه وكيف نواجهه.. لأنه لحسن الحظ يبدو فاقدا لكثير من قوة دفعه ولم تبق فيه إلا أوضاع يحاول الإبقاء عليها فيما يكون فقد كثيرا من قوة دفع روحه الامبراطورية المتسيّدة.

وهنا نريد أن نوضح جبهاتنا في مواجهة مشروع متعدد الجبهات وكيف أنه ينبغي على أصحاب كل جبهة أن يدركوا العام والخاص والعلاقة بينهما وأن لا ينصرفوا من الخاص إلى العام وأن لا يقطعوا بين العام والخاص.

وفي هذا تحتل فلسطين خصوصية دقيقة لابد من معالجتها بدقة وحساسية لكي لا نضيع الجهود ولكي تحافظ على قوة إشعاعها الروحي في الدفع الحضاري للأمة.

فلسطين ليست أجندة  خاصة لأحد.. وهذا يعني أن فلسطين لا تصطف في محور أحد أو مشروع أحد لأنها بذلك تفقد رسالتها.. إن لفلسطين معركتها الخاصة التي لا تشبه في وقائعها أي معركة أخرى من تلك التي تخوضها أقاليم الأمة مشرقا ومغربا.. ويكمن الاختلاف في طبيعة المعركة وأدواتها ومآلاتها.. وإن كانت بجملتها جزءا من المعركة الكبيرة التي تخوضها الأمة في أكثر من مكان تأثرا وتأثيرا.

عندما يقصر الفلسطينيون جهدهم وجهادهم لفلسطين ونحوها فليس معنى ذلك عدم إدراكهم للأخطار الأخرى التي تمر بها الأمة، ولكن بكل بساطة لأنها الجبهة التي فتحت عليهم وتستهدف وجودهم.. إنهم يدركون أن مواجهتهم للخطر الصهيوني لا تحقق أهدافها إلا بمؤازرة عربية إسلامية حقيقية.. يدرك الفلسطينيون أنهم النقيض الجوهري للمقولة الصهيونية وللوجود الصهيوني على أرض فلسطين فهم لا يقاتلون انطلاقا من وجهة نظر أو اجتهاد ما.. إنما انطلاقا من إيمانهم بأن هذا دفاع عن الحق الإنساني في أكثر معانيه وضوحا، كما أنه محاولة لتحجيم المشروع الصهيوني عن التمدد والتخريب في المنطقة.. من هنا فإن جهاد الشعب الفلسطيني له وظيفة عربية وإسلامية بما يقدمه من خدمات حقيقية للمنطقة والأمة في محاولاته استنزاف قوى العدو باستمرار وهم بهذا يمثلون خندقا أماميا في المعركة.

أما إخواننا في بلاد العرب والإسلام فعليهم القيام بواجب الدفاع عن أمنهم ومقدراتهم واستقرار مجتمعاتهم في مواجهة وظيفة الكيان الصهيوني التي تتحرك في كل مكان في العراق ولبنان وسورية والسودان وتونس وليبيا ومصر وإيران وإثيوبيا و الهند وتركيا.. لأن هناك تخريبا عميقا في هذه البلدان وسواها تقوم به أجهزة أمن الكيان الصهيوني وهذا هو المشروع الصهيوني المتورط في كل محاولات العنف والتمرّد والتجزئة المسلحة والانفصال..

وهكذا يكون الفلسطينيون في الخندق الأمامي لمعركة الأمة ضد المشروع الصهيوني وجودا ووظيفة..

وللمعركة جبهات عديدة لابد أن يرتقي فهمنا الى إدراك الإستراتيجية الكبيرة التي تشمل جهود الأمة وما هي خصوصيات كل جبهة، ومن هنا لابد من التعامل بتركيز في كل عنوان من عناوين النهضة، وفي علاقة هذا العنوان بالعناوين الأخرى لنرى حقيقة تشابك الهجوم الاستعماري علينا

هكذا يتكامل الجهد والجهاد بين فلسطين والعرب والمسلمين والأحرار.. كان الله في عون امتنا.

مقالات ذات صلة

  • معركتنا مع الأصنام لم تنته

    انتشرت الصنمية والوثنية في منظوماتنا الفكرية والثقافية.. وتم تحويل الدين عن مهماته الاجتماعية والإنسانية إلى أن يصبح أداة قتل وتشويه وتخريب في المجتمعات والحياة الآدمية..…

    • 610
    • 3
  • انقلاب على رضا مالك!

    من تابع حوار الأمين العام لحزب التحالف الوطني الجمهوري بلقاسم ساحلي على شاشة "الشروق نيوز" قبل يومين سيخرج بعدة انطباعات، أهمها أن ساحلي ومن معه…

    • 2595
    • 11
0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!