-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اكاش محمد أو “حديدوان” التوأم المفقود للبراءة

صالح عزوز
  • 1343
  • 0
اكاش محمد أو “حديدوان” التوأم المفقود للبراءة

هو نسخة أصلية من زمان الفكاهة والتهريج في جزائر الأمس، اختارته الأقدار لأن يكون الراعي الرسمي لبشاشة وابتسامة الأطفال أنذاك حين كان لعالم التمثيل والمسرح ذوق في حضرة جيل عريق نفخ الروح في أعمال بقيت راسخة ورؤوسها شوامخ رغم داء وغطرسة ماديات اليوم، هو ذلك الطفل الكبير الذي انحنى جيل بأكمله إلى روائع قدمها بالمجان لبراعم كبرت اليوم وقد كتبت في مذكراتها لحظات للضحك تستأنس بها حين تحن إلى طفولتها.. فيا ليت الطفولة تعود يوما للأنس مع “حديدوان” التوأم المفقود لعالم الطفولة.

” هو المهرج.. ليس للتهريج.. لكن للتعليم والتربية… “

إن الحاجة إلى الدخول في الفترة الانتقالية بعد الاستقلال والدفع بجيل ما بعد الاستقلال أوجب على الكثير من المسؤولين في تلك الفترة التفكير في خلق جو تربوي وتعليمي وأفكار تنشق من أصول ورحم الثقافة الجزائرية التي بقيت تتخبط في ثقافة المستعمر الفرنسي، خاصة وهي فتية في استقلالها، ففتحت الأبواب أمام المواهب الشابة من الهواة ليكونوا خير خلف لخير سلف في دفع الجزائر إلى الأمام في كل الميادين والميدان الثقافي خاصة، اختار القائمون على هذا العالم شخص المعلم ليكون المربي الذي يعلم ذلك الجيل ثقافة محلية بأفكار جزائرية محضة عن طريق فن الفكاهة الذي مهد الطريق لظهور نابغة في البشاشة وفن التهريج في قالب تربوي هادف أضيف إلى مقررات وزارة التربية في المدرسة الجزائرية أنذاك كان الثنائي “حديدوان ” و”حميد” القائدين الروحي له.

“ولد من رحم فرقة الهواة ومن التراث اشتق اسمه”

يعتبر غولي عاشور مدير مسرح الهواة لابن خلدون في ذلك الزمان الملقب بالاسم الفني “حميد” ممن كان لهم فضل في صقل موهبة “حديدوان”، حيث اقترح عليه المسؤول في التربية الوطنية للحديقة الساحرة “عثامنية عبد الله” أنذاك فتح الأبواب أمام المواهب الشابة، خاصة المهرجين، لكن ليس للتهريج، ولكن للتربية والتعليم بحيث تصبح هذه الأخيرة مكملة للمقرر الدراسي للمدرسة الوطنية، لأن الحديقة الساحرة كانت تحظى بكل الاهتمام حتى من طرف رئيس الجمهورية، وأقترح عليه اسم “إكاش محمد” المعروف في الغرب الجزائري بمدينة وهران باسم “عبد الرؤوف” نسبة لممثل مغربي أحبه “حديدوان” وقلده في بعض أعماله، وكانت البداية مع “غولي عاشور” من التراث في مسرحية من تقديم ثلاثي “جحا، حديدوان، شكركر”، لكنها لم تكن في مستوى تطلعات لجنة الحديقة الساحرة فاقترح على مدير المسرح تجريب ثنائية من اسمين وهما “حديدوان وحميد”.

“مسرحية درس في الموسيقى… أول مولود لهذا الثنائي”

هي المسرحية التي لقيت الترحيب بالإجمال من طرف اللجنة الخاصة بالتلفزة والإذاعة الوطنية وكذا من وزارة التربية، وكانت الخطوة الأولى للولوج إلى عالم الظهور المباشر في التلفزة الوطنية، ومن هنا كان التاريخ لاسم فكاهي رسم الابتسامة والفرح على محيا اطفال الجزائر أنذاك من لا شيء، لكن من موهبة صقلت على أعمال هادفة تهدف إلى التربية والتعليم في قالب سهل ممتنع كان “اكاش محمد” أو “حديدوان” من المؤسسين له رفقة صديق الدرب “غولي عاشور” أو “حميد”.

“حساس بطبعه وحنون… والروح العائلية مطلبه”

وقفنا على شخصية “حديدوان” مع صديق دربه وطرفه الآخر من ثنائية الحديقة الساحرة التي كانت روضة من نجاحات مواهب جزائرية انطلقت من العدم ووصلت إلى أسمى معاني النجاح، هو ذلك الشخص الحنون العطوف على الأهل والأصدقاء، كان منبعا لحسن الخلق كيف لا وهو معلم لغة الضاد قبل أن يتحول إلى استاذ لعلم البشاشة لم تشهد ساحات الأطفال زحمة مند وفاته، أحب الأهل وكانت روح العائلة فخرا له، فنجاحات العائلة الصغيرة اهدته نجاحا في كل ربوع الوطن، فكان يدخلها متخفيا كلما حل بها من أجل عرض له رفقة “حميد”، كلما سمع به اطفال ركن من اركان الجزائر جمعاء إلا وحدث الزحف الأكبر نحو كل دور الثقافة والمسارح حتى يلامسوا ذلك الطفل الكبير عن قرب.

” لهجته وملامح وجهه التي دغدغ بها مشاعر الأطفال”

لعل الاستثناء الذي قدمه “حديدوان” إلى الأطفال يكمن في القدرة إلى ادخال البهجة إلى نفوس الأطفال باللهجة والصوت الحسن والملامح التي يتصف بها امام الجمهور والأطفال، خاصة، فقد صنع لنفسه شخصية فريدة من حيث الكلام والتقديم والصوت وخلق ملامح يتدرب عليها في كل مرة تتناسب مع الحادثة أو المقطع، جمع في قاموس أعماله كل كلمة أو همسة من شأنها ان تزرع البسمة على شفاه الأطفال، وكان له هذا، محققا بذلك نجاحا تصاعديا من عمل إلى أخر، فقد وافته المنية وهو يتربع على عرش الشهرة التي اثقلت كاهل من حاول البدء من بعده وبقي هو النسخة الاصلية لم تخدشها حتى تغيرات الجيل الجديد.

“الابن البار للحديقة الساحرة…”

لقد كانت البوابة التي دخل منها “حديدوان” إلى عالم الشهرة، صنع بذلك لنفسه تاريخا لو كتب ما أنصفه الدهر حقه، فكرة اضاف إليها “حديدوان” المرح والسرور وكان بارا بها، أعطته الفرصة لدخول عالم الفكاهة فأعطاها جمهورا لم تجمعه حتى طبول الحرب، كيف لا وقد كان المتجول انذاك في شوارع العاصمة والجزائر وفي كل ارجائها خاوية على عروشها تترقب ذلك الطفل بالأنف الأحمر والشفاه الملونة، يظهر امامهم ليوقظ الفرحة والضحك في نفوسهم، حتى قيل ان فرنسا لو أرادت ان تستعمر الجزائر مرة ثانية لاختارت الوقت الذي تذاع فيه “الحديقة الساحرة”.

” تصدع الثنائية وظهور ماما مسعودة…..”

لما كان دوام الحال من المحال فان ” حميد ” تعرض لحادث مرور أفقده القدرة على الظهور مرة ثانية جنبا الى جنب مع ” حديدوان ” لذا وجب التفكير في خلق ثنائية أخرى تكمل المسيرة الفنية الناجحة التي سارت بخطى ثابتة بداية من سنوات السبعينات حتى منتصف ألثمانينات ، ووقع الاختيار على ” فغولي حمزة ” الذي أضاف أفكارا أخرى في المنهج والمظهر واتخذ ” ماما مسعودة ” الاسم الفني له ،راج رواجا كبيرا رفقة ” حديدوان ” وبقي نجاح هذه الثنائية الجديدة رمزا أخر من رموز الفن الهادف الذي أضيف الى أرشيف سنوات التقدم الذي وصلت اليه الجزائر في مجال الفكاهة الخاصة بالأطفال الذي نفتقده اليوم.

“انظفا نوره بعد معاناة … القصر الكلوي”

بدأ معلما وانتهي مهرجا منتدبا في التلفزة الوطنية، وبالرغم من ان موهبة في مقامه لم تطلع الشمس على مثلها إلى حد الساعة، إلا انه رحل علينا في صمت في عز العشرية السوداء فأضاف فراق “حديدوان” دموعا أخرى أضيفت إلى أوجاع هذا الوطن الكريم.

موهبة أخرى أردنا ان نقف على سيرتها وان كانت الصفحات تنتصب خجلا منها والقلم ينحني تواضعا في خط كلمات لا تعبر عن روح كانت بالأمس توأما للبراءة ينام على ملامسة طيفها الكثير من براعم كبرت اليوم تحمل معها مذكرة سجلت على صفحاتها أجمل ذكريات الطفولة وهي “حديدوان”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!