الإثنين 23 نوفمبر 2020 م, الموافق لـ 07 ربيع الآخر 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

الأخضر واليابس

عبد الناصر بن عيسى صحافي.. ومدير مكتب الشروق الجهوي بقسنطينة
ح.م
  • ---
  • 0

كشفت دراسةٌ سوسيولوجية ظهرت مؤخرا في البرازيل، إفراز جائحة كورونا وضعا اجتماعيا جديدا، ازداد فيه الأغنياءُ ثراءً، وتراجع المستوى المعيشي للفقراء إلى الحضيض، وتبيّن بأن خلف هذا العالم الخائف من الفيروس القاتل، عالماً آخر بصدد جمع “غنائم” ضحايا الرعب بكل الطرق الشريرة التي تجعل من مصائب الناس، فوائد لهم.

وإذا كانت الحالة العامة تتميز حاليا في قلب الموجة الثانية من الجائحة بالضبابية، فإن أخطر مرحلة ستمر بها البشرية إنما ستكون بعد تشييع الفيروس وزوال الجائحة، فهي لن تختلف عن فترة نهاية الحرب العالمية الثانية؛ إذ يكتشف الناس بأن العالم قد تغيّر، وبأن القوى قد مالت يمينا ويسارا، وانقسم العالم إلى معسكرات جديدة على وزن ما يملكه كل بلد من أموال وثروات، وأسوأ الأغنياء في العالم من جمع ماله من جيوب الأكفان البيضاء وفي مجالس العزاء والدموع.

في الجزائر، منذ أن نفخت الجائحة أنفاسها ولصوص الأخضر واليابس ينشطون تحت جنح الظلام، منهم من راح يستنزف الآثار الشاهد الأول على الحضارات التي مرت بالبلاد، ومنهم من طمع في هكتارات جبلية وأراض للزراعة، فراح يحرق غابات كانت إلى وقت قريب زينة حياتنا الدنيا، وما عادت تمرّ ساعة زمن من دون أن نسمع عن لصوص رمال الشواطئ ومستنزفي مرجان البحر وناهبي النحاس والحديد، كما عاد المتاجرون بالبيوت الفوضوية والقصديرية وأقاموا دولتهم من جديد، مستغلين الوضع الوبائي الخطير الذي تمرّ به البلاد مثل كل بلاد العالم، حتى صرنا نخشى أن لا يجد محاربو الوباء بعد الانتصار المأمول على الجائحة، شجرة واحدة يستريحون تحت ظلالها ضمن فترة استراحة محارب، أو شبر رمل يتمدّدون عليه في رحلة اصطيافٍ بحرية.

لا نريد أن يتكرّر ما يحدث عادة في الحروب أو الثورات، عندما يقف الأطباء والطواقم الصحية في الصفوف الأولى يواجهون الفيروس من دون أسلحة، ويبذل الطيِّبون من مالهم ووقتهم وجهدهم لأجل توعية الناس ومنع الوباء من الوصول إليهم، بينما يعصر الانتهازيون كل البرتقالات الطازجة ليتعاطوها على نخب كورونا، فنجدهم بعد أن تضع الجائحة أوزارها، هم المنتصرون وقد كانوا في أيام الحرب يقولون: “اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون”.

لقد تعبت البلاد وملّ العباد من الذين زعموا الجهاد في أيام الثورة وكانوا ضمن عساكر فرنسا، ومن الذين استغلوا أيام العشرية السوداء فحوّلوها إلى سجل تجاري باعوا به كل الممنوعات، ومن الذين استغلوا فترة الفساد الطويلة التي عصفت بالبلاد، حتى كادت تحوّلها إلى خراب، وما عاد الجسد قادرا على تحمّل مزيد من الألم الذي سبَّبه هؤلاء الذين لا تحلو لهم الحياة إلا في المياه الدامعة والوجوه البائسة الحزينة، فنبقى ندور في حلقة مفرغة ويعيد التاريخ نفسه، فتلفظ كورونا رجالا على شاكلة ما أفرزته سنوات الضياع والفساد.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

  • ترامب: حرب الساعات الأخيرة!!

    مؤشرات حرب تلوح في الأفق القريب، هي الخيار الإستراتيجي في قواعد الأمن العالمي تقع على عاتق الرئيس ترامب مهمة تنفيذ تفاصيله في ساعات الحسم الأخيرة،…

    • 1118
    • 0
600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close