الأمازيغية وظفتها فرنسا ضد بومدين وتسببت في عراك بين قادة الثورة – الشروق أونلاين
السبت 25 ماي 2019 م, الموافق لـ 21 رمضان 1440 هـ آخر تحديث 01:32
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

الباحث جمال مسرحي

  • الشاذلي فضّل تسمية الأمازيغية لأن البربرية رآها شيئا مشين وغير لائق

  • لهذا السبب أبعد آيت أحمد بعد نشوب الأزمة البربرية في التيار الاستقلالي

  • زروال وبوتفليقة أبعدا الأمازيغية والإسلام من التجاذبات السياسية

  • أنصار الحركة الوطنية انحازوا إلى العربية كهوية مخالفة للاستعمار الفرنسي

  • "البونية" هي الرافد الأنسب للأمازيغية ومن الخطإ الاعتماد على اللاتينية

  • هناك دول ستسير على خطى الجزائر لتفادي الاستغلال السلبي للتعدد اللغوي

  • لم يسجل التاريخ تعارضا بين العربية واللغات المحلية في شمال إفريقيا

يؤكد الباحث في التاريخ جمال مسرحي من جامعة باتنة، أن قضية الأمازيغية ظهرت كحلقة نزاع في شمال إفريقيا بعد الحرب العالمية الأولى، وبرزت في الجزائر بين قيادات التيار الاستقلالي وفق ما اصطلح عليه بالأزمة البربرية التي تسببت حسب قوله في إبعاد آيت احمد، مضيفا أن فرنسا وظفت الأمازيغية للضغط على بومدين من الناحية الاقتصادية، في الوقت الذي أكد أن زروال وبومدين عملا على إبعاد الأمازيغية والإسلام من التجاذبات السياسية، وأكد أن هذا القرار ستسير على خطاه بعض الدول لتفادي الاستغلال السلبي للتعدد اللغوي.

بداية، السؤال الذي يطرح نفسه، كيف تصف لنا إشكالية قضية الهوية في شمال إفريقيا؟

لم تطرح قضية الهوية في شمال إفريقيا كقضية نزاع إلا بعد الحرب العالمية الأولى، فمنذ الفتوحات الإسلامية في الشمال الإفريقي لم تطرح قضية هوية المغرب الإسلامي إلا عرضا رغم ما صاحب الفتوحات من حركة تعريب واسعة بعد استكمال الفتح والقضاء على البيزنطيين الذين كانوا يحتلون كامل بلاد الشمال الإفريقي، وكانوا قد ورثوه عن الرومان بعد طردهم للوندال في منتصف القرن السادس للميلاد، بل اندمج المغاربة في حركية الفتح، وكان أغلب جند المسلمين الفاتحين للأندلس من المغاربة، ثم قامت دول محلية مستقلة عن السلطة المركزية الإسلامية خاصة العباسية في كامل بلاد المغرب، ربما للسياسة التي اتبعها الخلفاء العباسيون، ومن قبلهم الأمويون المتميزة بالشدة والقوة وصلت حتى إلى فرض الجزية على السكان رغم كونهم مسلمين كما تذكر بعض المصادر، إضافة إلى ما كان يهدد مركزية الدولة من خطر للخوارج، فقامت الدول المستقلة في المغرب، فأصبح المغرب منفصلا على السلطة المركزية في بغداد. وقد عرفت بلاد المغرب الدول التالية: الإمارة الأموية في الأندلس على يد عبد الرحمان الداخل سنه 750م، ثم الدولة الرستمية بالغرب الجزائري بين 777-909م، وبعدها الدولة الإدريسية بالمغرب الأقصى بين 789-975م، ثم دولة الأغالبة في تونس بين 800-909 م.

كيف حصل التعريب في مختلف هذه الدول؟

ورغم أن الدول هذه دول مستقلة ولو نظريا عن السلطة العباسية، إلا أن حركة التعريب بقيت مستمرة بها ربما لعلاقة اللغة العربية بالدين الإسلامي، فالرغبة في التعرف على تعاليم الإسلام وإتقانها يحتم على السكان تعليم اللغة العربية، فتدريجيا تعربت قبائل بأكملها وتزايدت حركة التعريب بعد الهجرات الهلالية خلال القرن الحادي عشر للميلاد.

هل شكّل هذا صراعا لغويا وتعارضا بين العربية واللغات المحلية؟

لم يسجل لنا التاريخ أن هناك تنافس أو تعارض بين اللغة العربية واللغات المحلية المستعملة في كل منطقة من مناطق المغرب الإسلامي أو الدول المستقلة، بل بالعكس تماما أعتقد أن هناك تناغما بين الحرف العربي وبشتى اللهجات المحلية ببلاد المغرب، حيث تحتفظ لنا المكتبات القديمة في بلدان المغرب العربي الحالي بمؤلفات بمختلف اللهجات المحلية كتبها أصحابها بالحرف العربي، شملت مجالات الفقه والعلوم الدينية واللغة العربية والفلك وغير ذلك، وهذا يقودنا إلى ضرورة الابتعاد عن الحرف اللاتيني لكتابة اللغة الأمازيغية الحالية.

لماذا في رأيك؟

لأنه حتى في فترة الدولة النوميدية لم يستخدم الحرف اللاتيني في كتابة اللغة التي يتكلمها السكان في المملكة النوميدية التي كانت مراسيم ملوكها (على غرار العاهل النوميدي سيفاكس أو ماسينسان من بعده ثم ابنه مسيبسا) تصدر باللغة البونية، وتكتب بالكتابة البونية أيضا، وتشهد على ذلك نقيشة دوقا الأثرية التي اكتشفت في مدينة دوقا بتونس الحالية، وكذا عشرات أو مئات النقائش التي تحتفظ بها متاحف الجزائر، لا سيما متحف سيرتا الوطني، وجلها كتبت باللغة والكتابة البونية أو البونية الحديثة.

من خلال كلامك، كيف تنظر شخصيا إلى اللغة البونية؟

أعتقد أن البونية قد تشكل الرافد الأنسب لكتابة وتدريس اللغة الأمازيغية، ومن الخطإ بمكان الاعتماد على اللغة اللاتينية في ذلك، لأن البونية سواء اللغة أم الكتابة كانت قريبة جدا من الليبية القديمة والنوميدية بعدها… ولنا أن نستشهد بمقولة القديس أوغسطينوس الذي قال: “لو سألتم السكان في البوادي والأرياف النوميدية لأجابوكم باللسان البوني نحن كنعانيون”، وذكر القديس أوغسطينوس الأرياف التي بقيت البونية لغة للسكان المحليين، بينما واضح تماما أن المدن كانت قد ترومنت بنسب كبيرة وتلاشت بها الثقافة المحلية أمام اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية في المقاطعات والولايات الرومانية… وهذا إن دل على شيء إنما يدل على الترابط والانسجام الذي كان قائما بين اللغة والكتابة البونية والبونيه الحديثة والنوميدية.

متى كثر الجدل حول قضية الهوية في شمال إفريقيا؟

يعود طرح مسألة الهوية بشكل حاد في الشمال الإفريقي إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهنا نستشف فيه رائحة الاستعمار، حيث أصدرت السلطات الفرنسية بالمغرب الأقصى ما سمي بالظهير البربري بتاريخ 27 أفريل 1919، والهدف منه كان واضحا، وهو وضع شرخ بين العرب والبربر في المغرب الأقصى، وما تلى ذلك من تمييز عرقي بين العنصرين، والهدف منه كان استعماريا بشكل واضح.

ومتى برزت هذه القضية في الجزائر؟

لم يكن هاجس الهوية لدى زعماء الحركة الوطنية في الجزائر ينسحب إلا على العربية، ليس كعرق ولكن كهوية مخالفة للاحتلال الفرنسي الذي حاول طمس كل معالم الهوية الجزائرية بكل عناصرها، سواء تعلق الأمر بالعربية أو الإسلام أو الانتماء إلى هذه الأرض تراثها وتاريخها، محاولا ربط جل المنجزات الحضارية المتعلقة بالتاريخ القديم بالرومان أو بالبيزنطيين. وربما تظهر لأول مرة قضية الهوية من خلال الأزمة البربرية التي نشبت في صفوف التيار الاستقلالي، حزب الشعب وحركة الانتصار للحريات الديمقراطية، وذلك بدعوة بعض أعضاء الحزب المغتربين إلى إدخال اللهجة القبائلية وتوحيد منطقة تواجد قبيلة زواوة في إقليم واحد، لكن المطلب لقي رفضا قاطعا من قبل قيادة الحزب، بل بعد ذلك قام مصالي الحاج بفصل جل المتسببين في تلك الأزمة التي ظهرت سنة 1947، وطال الإبعاد حتى حسين آيت احمد الذي عين على رأس المنظمة الخاصة عقب وفاة محمد بلوزداد بعد فترة قصيرة من توليه تسيير المنظمة غداة إنشائها سنة 1947، ثم أبعد منها حسين آيت أحمد سنة 1949 بسبب تلك الأزمة، وما نسب إليه من قبل قيادة الحزب رغم انكاره وتبرئه من المجموعة التي أقالها مصالي الحاج من صفوف الحزب، وتم إبعاد آيت أحمد إلى القاهرة بسبب تلك الأزمة.

لماذا اختفى مطلب الهوية خلال الثورة؟

صحيح أنه اختفى مطلب الهوية في مقررات الثورة التحريرية ومواثيقها من بيان أول نوفمبر 1954 ووثيقة الصومام 1956، وكذا ميثاق طرابلس 1962، إلا أن تلك المواثيق لم تهمل الانتماء الحضاري الشامل للجزائر مغاربيا وعربيا ومتوسطيا..

كيف تصف النضال الحاصل من أجل الهوية مباشرة بعد الاستقلال؟

برز النضال من أجل الهوية البربرية كحق مشروع في كثير من الحالات، وفي حالات أخرى كحق أريد به باطل لدى الكثير من السياسيين، بغية اتخاذ القضية مطية لتصفية الحسابات بين قادة الثورة أنفسهم، وأمام القبضة الحديدية التي اتسمت بها فترتي حكم الرئيس أحمد بن بلة والرئيس هواري بومدين اتجاه هذه المسالة، وتبنيهما بشكل كبير للعربية كلغة وهوية رسميه للدولة الفتية، هذا كله أعطى الفرصة للبعض ليركب موجة الدفاع عن الهوية لتسوية مشاكله مع السلطة القائمة آنذاك، معتمدين في ذلك على ما أتيح لهم من إمكانات محلية أو خارجية. وفي هذا السياق حاولت المؤسسة الاستخباراتية الفرنسية استثمار ذلك الواقع وتلك الخلافات بين الجزائريين لتستغل بعض المثقفين الجزائريين أمثال مولود معمري ومحمد أركون، يؤطرهم بعض المحسوبين على جهاز الاستخبارات الفرنسية، كجاك بينيت (JACQUES BENET) الأنثروبولجي اليهودي الفرنسي المعروف والباحث جابريال كاميس (G.Camps)، بتأسيس الأكاديمية البربرية في فرنسا سنة 1967.

هل ترى بأن هذا هو السبب الجوهري الذي جعل فرنسا تستثمر في هذا الجانب؟

يبدو أن ما جعل فرنسا تقدم على ذلك هو محاولة عرقلة جهود الرئيس الراحل هواري بومدين فيما يتعلق بسياسة التنمية الشاملة التي أعلنها منذ توليه مقاليد السلطة غداة الإطاحة بالرئيس أحمد بن بلة في 19جوان1965، حيث قام بتأميمات أضرت بالتواجد الفرنسي في الجزائر، لاسيما في شقه الاقتصادي، ويتعلق الأمر بتأميم المناجم في 1966، والبنوك في نفس السنة، وإلغاء التجارب النووية الفرنسية في الصحراء (رقان وإينكر)، ثم طرد الفرنسيين من قاعدة المرسى الكبير البحرية في سنة 1967، لذلك يبدو الأمر واضحا تماما أن فرنسا التي استمر احتلالها للجزائر أزيد من قرن ونصف لم تفكر في إنشاء مؤسسة تهتم باللهجات البربرية إلا بعد مغادرتها للجزائر، وهذا يثير أكثر من علامة استفهام، ويجعل من أمر إنشاء الأكاديمية البربرية في باريس في تلك الفترة تحديدا فعلا موجها لعرقلة جهود الرئيس بومدين وإلهائه عن تلك السياسة التي أزعجت الساسة الفرنسيين، لا سيما أنه كما هو معروف أنه سيقدم على إجراء جريء تمثل في تأميم المحروقات في 24 فبراير 1971، وهو قوض فعلا المصالح الفرنسية بالجزائر، وكانت له انعكاسات على الساحة الإفريقية ككل، لكن هذا لا يعفي تجاهل النظام لمطلب الهوية المرفوع من قبل النخبة أو المثقفين، لاسيما الطبقة الفرنكفونية آنذاك بشكل أو بأخر، وهذا رغم حداثة الدولة وتشعب مشاكلها بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

كيف تصف ردود الفعل الناجمة عن تجاهل النظام لمثل هذه المطالب؟

استغل بعض الناشطين السياسيين ذلك الفراغ للنضال والضغط الخارجي على النظام الجزائري، لكن أعتقد أن الرئيس بومدين كان قد تحكم في الوضع بما لم يسمح للأطراف الخارجية أن ينجح ضغطها عليه عن طريق جماعة الأكاديمية البربرية من باريس، لكونه كان يملك أدوات ضغط على فرنسا، أو أن فرنسا تدرك تماما أنها لن تستطيع التأثير على بومدين بتلك الجماعة، لذلك كان الوضع نشاطا سياسيا في الظاهر وثقافيا في الباطن ولم يتعد هذا.

وكيف تنظر إلى تطورات هذه القضية في عهد الشاذلي بن جديد؟

فعلا، الوضع عاد للبروز مرة أخرى بعد وفاة الرئيس بومدين، وانفجر في سنة 1980، وتحديدا في 20 أفريل من تلك السنة، فيما عرف آنذاك بالربيع البربري، وذلك بمواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في مدينة تيزي وزو، وذلك بعد رفض والي الولاية الترخيص للكاتب مولود معمري بإلقاء محاضرة حول الشعر القبائلي. كان ذلك في 10 مارس 1980، ومنذ ذلك التاريخ توالت الاحتجاجات والمواجهات، وكانت تندلع من حين إلى آخر باحتلال الطلبة لجامعة تيزي وزو، وبلغت أشدها في 20 أفريل 1980، ورغم أن الطلب كان في جوهره ثقافيا إلا أن باطنه كان سياسيا بامتياز، من خلال سير الأحداث، من ذلك إشاعة خبر مقتل 32 طالبا لتأجيج الوضع أكثر، مما يوحي أن هناك في هذا السياق مستفيد من تأجيج الصراع وتعقيد الأمور، وهو من كان وراء تلك الشائعات.

ما هو المصطلح الذي ينطبق على تلك الأحداث، ربيع بربري أم ربيع أمازيغي؟

للتذكير أن تلك الأحداث كانت تعرف في وسائل الإعلام بأحداث الربيع البربري أو المطالب البربريه..إلخ، فكان الشاذلي بن جديد الرئيس المنتخب حديثا يرى في مصطلح بربري شيئا مشينا وغير لائق، لذلك طرح القضية على لجنة مشكلة من 4 شخصيات علمية رأى أنها تمتلك الكفاءة التي تمكنها من إيجاد البديل اللائق، وتشكلت تلك اللجنة من الدكاترة: عبد المجيد مزيان وعثمان سعدي ومحي الدين عميمور ثم مولود قاسم نايت بلقاسم، وقد أشارت إليه تلك اللجنة باستبدال مصطلح بربري بأمازيغي على ما يذكر الدكتور عميمور مستشاره الإعلامي آنذاك.

كيف تنظر إلى التطورات الحاصلة في هذا الجانب موازاة مع الانفتاح الإعلامي والديمقراطي؟

نعم، هدأت الأمور إلى غاية فتح المجال أمام التعددية السياسية بعد أحداث أكتوبر 1988، والتحولات السياسية التي عرفتها الجزائر، ليعود مطلب الهوية الأمازيغية وبشكل علني من قبل الأحزاب السياسية، رغم أن بعض تلك الأحزاب لم تكن تؤمن به أصلا، وإنما كان الهدف هو الضغط على السلطة أو كسب أصوات المواطنين واللعب على عواطفهم، ذلك ما جعل الرئيس اليمين زروال يبعد الأمازيغية والإسلام عن التجاذبات السياسية من خلال قانون إعادة هيكلة الأحزاب والجمعيات السياسية الصادر سنة 1995، ويكرس ذلك في دستور 1996 بشكل واضح.

في الأخير، كيف تنظر إلى الآفاق المستقبلية على ضوء ترسيم الأمازيغية لغة رسمية؟

القرار يعد فرصة لتفادي التجاذبات والمزايدات الحاصلة في هذا الجانب، فقرار رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة بترسيم الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية يعد في نظري حلقة ضمن محاولات سحب هذه الورقة من أيدي بعض المستغلين لها سياسويا، وأعتقد أن الكثير من الدول التي لها تعدد لغوي ستحذو حذو الجزائر في هذا المجال درءا لخطر التمزق والاستغلال غير البريء لمثل هده القضايا.

https://goo.gl/NEuG59
الأمازيغية جمال مسرحي فرنسا

مقالات ذات صلة

التعليقات في هذا الموضوع مغلقة!

38 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
    close
    close