-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأمير عبد القادر.. ومشروع الدولة الوطنية

عمار يزلي
  • 1139
  • 0
الأمير عبد القادر.. ومشروع الدولة الوطنية

المجدفون في حق رموز الوطن والدولة التاريخيين، انطلاقا من عقدةٍ في عقيدة الإثنية الضيّقة والجهل والمرض الفكري والوباء الأيديولوجي المطعَّم سياسيًّا بفكر الانفصالية المقيتة والألمعية المرَضية، لا يدركون أن ديناميكية العمل السياسي لدى الأمير عبد القادر، إنما جاءت في محاولة جمع شتات القوى الرافضة والمقاومة للتغلغل الاستعماري الفرنسي تحت لواء وشعار واحد: الجهاد ضد الكفار المحتلين. وهي اللازمة الفلسفية والروحية التي بنى عليها الأمير عبد القادر بيانه للقبائل في 22 نوفمبر 1832. هذا ما لا يرضي البعض اليوم من أتباع فكر ماما فرنسا.

الكل يعلم -إلا من يعلم أنه لا يعلم- أنه كان على الأمير عبد القادر أن يجمع شتات القوى الإسلامية المتولد عن انهيار الإمبراطورية العثمانية وتسلط سلطة ضباط الوجاق والانكشارية على مقاليد الحكم والإدارة، على حساب الشعور القومي والحس الديني الإسلامي الذي كان محرك العالم الإسلامي لفترة طويلة، في كل الأقاليم، ما خلا المغرب الأقصى الذي بقي نظام الحكم فيه ملكيا، عن طريق تناوب السلالة الملكية العلوية على عرش الملك بعد دولة السعديين وهذا جانبٌ يمثل حجر الزاوية في فهم فلسفة الأمير عبد القادر خلال مقاومته العسكرية للاحتلال ومشروع بناء دولة وطنية ضمن كنفدرالية إسلامية.

ثورة الأمير عبد القادر ومساعيه لإقامة دولةٍ وطنية عربية إسلامية، لم تكن من دون بعد رسم جغرافي وحدود إقليمية واضحة ومحددة على الأقل على مستوى التصور ومخطط المشروع الذي كان يعمل على تحقيقه، الأمر الذي جعل إستراتيجية “السكوت عنه” في كل المعاهدات التي أبرِمت بين الطرف الفرنسي والأمير عبد القادر، لاسيما “معاهدة “عبد القادر- ديميشيل” (1834)، ومعاهدة “عبد القادر- بيجو” المعروفة بـ”معاهدة تافنة” (1837)، هو الذي يدفع بالقوتين المتصارعتين إلى المجابهة العسكرية رغم التعهُّد بحفظ السلم والتعاون والتبادل التجاري.
فرنسا العسكرية كانت أول ما قامت باحتلاله هو المدن الساحلية والواجهة البحرية محاوِلة فرنستَها وإلحاقَها بجنوبها، غير أن تواتر الأحداث عقب إسقاط الحكومة الملكية في فرنسا، سرعان ما جعل القادة السياسيين الجدد يكتشفون سوء تقدير القادة العسكريين القدماء لمعاهدة الصلح والسلام والتبادل التجاري مع الأمير عبد القادر من خلال بنود المعاهدتين المذكورتين لاسيما على مستوى الحدود الإقليمية لسلطة الأمير، وإمكانيته التسلّح من أيِّ جهة، ليطّلع القادة السياسيون الفرنسيون على “المسكوت عنه” في رسم دولة الامير وخطرها المستقبلي على وجود الاحتلال الفرنسي بالجزائر، فينزوون إلى المناورة باللعب الكاليغرافي على الحدود الغربية للعاصمة والخلط بين “وادي خضرة” (Khadra) و”واد قدارة” (Kadara) لكسب حدود لا حدود لها لإدارتهم.

معاهدة تافنة كانت ستطوِّق الوجود الفرنسي حول بعض المدن الساحلية، في حين ان باقي أنحاء البلاد الأخرى، ما عدا بعض الجيوب مثل غرداية ووادي سوف، كانت قد دخلت تحت إمرته، ولم يبق حائلا أمام المناطق الأخرى الداخلية إلا عامل الوقت. هذه الشساعة الجغرافية، كانت ستعطي للأمير عبد القادر القدرة على المناورة في ربح الوقت من أجل إعداد نظام متكامل لدولةٍ وطنية قوية قادرة على “رمي الفرنسيين إلى البحر”.

للأسف، أمثال كثير من قليل من هؤلاء اليوم، ممن تركتهم فرنسا ناطقين باسمها، هم ومن معهم من المتخاذلين من الجيران، هم من أرغموا الأمير على قبول توقيف القتال مقابل الهجرة إلى عكا بفلسطين وليس قبوله أسيرا ونقله إلى ميناء تولون الفرنسي. هي خيانة المواثيق دائما لدى فرنسا وأحفادها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!