-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإسلام بين صرامة السلفي وذوق الصوفي

التهامي مجوري
  • 1019
  • 0
الإسلام بين صرامة السلفي وذوق الصوفي

التياران السلفي والصوفي مدرستان في الإسلام ولدتا لحاجة اقتضاها واقع الأمة في مسيرتها الطويلة.

أما المدرسة السلفية فكانت نتيجة البدع التي ابتدعها الناس في الدين، حيث أضافوا إليه ما ليس منه، فكانت السلفية، وهي نسبة للسلف، من أجل تنقية السنة النبوية مما علق بها من أدران المبتدعة في التاريخ، ومحاربة الوضع والتدليس والتقوُّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإجتهاد في الإقتداء والتأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام في كل كبيرة وصغيرة، وأما المدرسة الصوفية فنسبة لأهل الثفة أو للبس الصوف طلبا للزهد والخشونة في العيش، فكانت نتيحة الجفاف الذي أصاب الروح في مراحل طغى فيها البذخ وانبساط الدنيا على الناس، فكان التصوف عبارة عن عملية إنقاذ لهذه الروح من طغيان المادة وفساد الذوق وانحراف الجادة عن سواء السبيل، وذلك باعتماد الزهد والابتعاد عن الدنيا وزخارفها.
ولكل ذلك أصول ونماذج في سلوكات الصحابة. فالتيار السلفي يمكن أن يعتبر من هذه الناحية امتداد لعبد الله بن عمر رضي الله عنه، الذي كان يتتبع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حذو القذة بالقذة كما يقال. ويمكن اعتبار التيار الصوفي امتداد لأبي الدرداء رضي الله عنه، الذي تأذت من مبالغاته في الزهد زوجته التي قالت عنه “إن أبا الدرداء لا حاجة له في النساء”.
وتفرع عن هاتين المدرستين فروع أخرى توالدت عن بعضها البعض، وكلما ابتعد الفرع عن الأصل ازداد تشددا ومبالغة عما ورث… وهكذا، إلى أن بلغت حد الانحراف عن الدين ومبادئه.
ولكن ما يميز كل من المدرستين هو أن المدرسة السلفية تميزت بالصرامة العلمية، مستأنسة بطريقة أهل الحديث، وعممت هذه المنهجية على كل شيء في الممارسات العلمية والعملية والسلوك…، فالحكم الفقهي المستنط من حديث لا يجوز التخلف عنه مهما كانت المبررات؛ لأنه صح عن النبي…، من غير مراعاة لاعتبارات أخرى غير المنصوص عليها أو ما يفهم من دلالات ألفاظها.
أما المدرسة الصوفية فقد تميزت بتذوق ما تستقبل من نصوص الوحي أكثر من اهتمامها بثبوت النص من عدمه؛ بل في بعض الأحيان يكون ذلك على حساب الجكم الفقهي المستنبط من النص.
وسارت المدرستان على هذا النحو من التعامل مع مفردات الإسلام، حتى غدت الصرامة عند السلفي هي الدين، بحيث تكون مكانة المرء ومستوى سلفيته بقدر ما يظهر من تمسك بالفهم للنص ومخاصمة كل من يخالفه بقوة وقسوة، والذوق عند الصوفي هو جوهر الإسلام وأعلى مقاماته الإحسان كما هو شائع في أدبيات الصوفية، الذي ينقل العبادة من مجرد الحركات الآلية إلى طعم يذوق حلاوته في قلبه.
فما مدى صحة هاذين التوجهين؟ وما حظهما من فهم الإسلام كما أراده الله للبشر؟
لا شك أن لكلا المنحيين اعتباره في الإسلام، بحيث كل منهما تمسك بحانب لا غنى عنه، ولكن الخطأ وقع منهما في اعتبار ما تمسك به كل منهما هو الأصل وهو الفرع وهو الدين الذي يتعبد به، وغيره لا حظ له من الدين الحق، أو هو منقوص الحظ في ذلك، وهنا مكمن الخلل وموطن الخطر.
فعندما أرسل الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، أراده خاتما لجميع الرسالات السابقة ورسلها السابقين، حيث أن هذه الرسالة هي خلاصة التجربة النبوية منذ إبراهيم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام، ومن ثم فهي المُؤَسِّسة للتوجه الذي ينبغي أن يسير عليه الإنسان من هنا فصاعدا، ولذلك قال الله في كتابه (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران 19]، (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [آل عمران 85]، فهو ليس طرفا يقابل أو يقارن بغيره من الأطراف في أطر جزئية ضيقة، وإنما هو خلاصة سيرورة خبرة نبوية إنسانية ناظمها قوانين وسنن أخضع لها الله جميع مخلوقاته (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [آل عمران 83],
وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، بحيث لم يقل للناس أنا هو كل شيء، أو أنا ومن ورائي الطوفان، وإنما قال لهم بأمر من الله (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) [الكهف 110]ّ.
وهذا الذي يُوحَى إلي هو خلاصة التجربة البشرية ونهايتها وكمالها، فعلى صعيد النبوة والرسالة “إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فأحْسَنَهُ وأَجْمَلَهُ، إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ به، ويَعْجَبُونَ له، ويقولونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هذِه اللَّبِنَةُ؟ قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتِمُ النَّبيِّين” (رواه البخاري عن أبي هريرة)، أما على الصعيد الخبرة الإنسانية “إنَّما بُعِثْتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ” (أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، عن أبي هريرة).
وعلى هذا سار سلف الأمة عندما كانوا يتعاملون مع نصوص الوحي موصولة بسنن الله في خلقه وطبيعته في مخلوقاته، والفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها، بحيث تلقوا الوحي –قرآنا وسنة- وكأنه آلية تثقيفية تربوية لإحداث التوازن في الحياة، فلم يعتبروه نصوصا جاءت لفرض هذا أو ذاك من الأمور أو لنفيها، بقدر ما هي منظومة متكاملة لخدمة الإنسان والحرص على مصالحه العليا، في الدنيا والاخرة، وفي نفس الوقت لتعبئته بطاقة متوازنة لا تغلب فيها جهة من مكونات الإنسان على جهة أخرى، فلا الروح تلغي الغريزة ولا العقل يهمين على العاطفة، فإذا كانت الغريزة تهدف لتحقيق الحاجة، فإن الروح تهدف إلى ما فوق ذلك من مثل عليا؛ لأن الإنسان ليس كتلة من الحاجات فحسب، وإنما هو غايات وطموحات سامية تتجاوز الحاجة القاصرة، وكذلك الأمر بالنسبة لعلاقة العقل بالعاطفة، فإن العاطفة ليس مطلوبا منها أن تكون بصرامة العقل، والعكس ليس مطلوبا من العقل أن يكون بلطف وهشاشة العاطفة، وإنما هما متكاملان، وعليه كانت رسالة الإسلام هي إقامة هذا التوازن بين مكونات الإنسان، في إطار سنني متوازن، مبني على صرامة قوانين الطبيعة والعلاقات الإنسانية، وتوجيهات الأحكام الشرعية التعبدية.
لا شك أن الحاجة تهفو إليها الغريزة ولكن ضمن آفاق الروح، وضوابط العقل ومقتضيات تهدف إلى ترويض العاطفة… بحيث أن هذه المكونات الأربعة تتحرك وفق هذه التداولية المطردة، قد يكون الوضع يحتاج إلى موقف، فهذا دور العاطفة والعقل، ولكن انطلاقا من متطلبات الغريزة وسقف الروح، كما قد يكون الدور للروح مثل إقامة العبادات مثلا، ولكن مصداقيتها تكون بمقدار ما يملأ الروح والغريزة طمانينة، والعقل والعاطفة تثبتا ورزانة وليونة.
وكأن كل موقف أو رأي يمر بالإنسان فردي أو جماعي، شخصي أو عام، يحتاج إلى انعقاد “مجلس للتشاور” بين هذه المكونات الأربعة –الغريزة والعاطفة والعقل والروح- لاتخاذ القرار الذي يستجيب لمراد الجميع في إطار وظائف الجميع.
وهذه اللغة المتناغمة بين مكونات الإنسان الأربعة –الغريزة، العاطفة، الروح، العقل- ليست موجهة إلى النخب التي تفهم العلاقة بين الروح والغريزة والعقل والعاطفة، وإنما هي لجميع الناس على ما بينهم من تفاوت…، فالعلاقات الجنسية مثلا فطرة وغريزة في الإنسان، وهي ممارسة طبيعية من حيث هي حاجة طبيعية، ولكن جاء الإسلام بتنظيم هذه العلاقة بما يسمى بعقد الزواج، ثم نبه إلى أن هذين الزوجين سيتحولان إلى خلق آخر عندما يصبحان زوجين يخلفان ذرية، ليصبحوا أسرة، ثم تكتلات أسرية قَبَلية، فمجتمعا، ونظما، ودولا بعد ذلك…إلخ، في هذه المستويات يوجد الفرد الذي يخاطبه الإسلام بأحكامه…، فيأمره وينهاه ويوجهه…، ومطلوب منه ان يستجيب وفق هذه الدوائر.
توجد الجماعة الصغيرة والجماعة الكبيرة، على أختلاف أنواعها وأصنافها، كل ذلك يكون وفق المنظور المتوازن الذي أشرنا إليه، الذي يراعي وضع الأفراد والجماعات والمصالح والغايات، وفق منهجية تستجيب لكل فرد وفق ما يصلح الجميع، ولذلك قال الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات أن مقاصد الشارع في خطابه هي “ما يليق بالجمهور”، أي أن الخطاب الذي لا يليق بعامة الناس، فهما واستجابة وقدرة على التطبيق، ليس مقصودا شرعا، وإنما المقصود هو الذي يستطيعه أغلب الناس، وإلا اعتبر الشرع تكليفا بما لا يطاق، والمقصود بالجمهور هنا هو أغلب الناس، وذلك هو التيسير المقصود شرعا، بحيث يكون الحكم المستنبط يطيقه كل الناس أو أغلبهم، وليس يقدر عليه البعض ولا يطيقه البعض الآخر.
وهنا نصل إلى جوهر موضوعنا الذي أطلقنا عليه مصطلحي: الصرامة والذوق، حيث أن بعض الناس يتلقون ويستقبلون الوحي بطرق يغلب عليها الذاتية بشكل ما وهم لا يشعرون، فيقرأ حديث مثلا، فيعجبه كثيرا إلى حد الافتتان به، لسبب من الأسباب فتتلقفه نفسه ثم تشرع في بناء أفكار منبعها ذلك الافتتان وليس المقاصد الكلية التي أشرنا إليها، فيقع في فهم خاص لا يجوز تعميمه؛ لأن فهم النصوص وفق الخصوصيات الفردية ليس ممنوعا، ولكنه ليس مقصودا شرعا، وإنما الممنوع هو تعميم الخصوصيات على الناس؛ لأن الناس ليسوا في مستوى واحد في طبائعهم وسلوكاتهم واهتماماتهم وقدراتهم البدنية والعقلية؛ بل ومستوى التدين نفسه وخصوصياتهم فيه…إلخ، فالصحابة مثلا ليسوا في مستوى واحد في خيارات التعبد، فمنهم من عرف بكثرة الصوم، ومنهم من عرف بكثرة الصلاة، ومنهم من عرف بالعلم، ومنهم من عرف بالحهاد، ومنهم من عرف بالزهد، بل فيهم من عرف بالتشدد، وفيهم من عرف بالترخص…، كل ذلك كان في الصحابة ولم يرو عن النبي أنه أنكر على هذا أو ذاك في تغليب عبادة عن عبادة أخرى، بتغليب الصوم أو الصلاة أو طلب العلم ونشره…إلخ، وإنما كان ينكر التسيب وفعل المضاد لمقاصد الشرع، كما ينكر كل ما يُؤثّر على مسار التدين ومنهجيته.
فالتغليبات والمبالغات لجانب أو جوانب في الحياة –عبادة كانت أو معاملة- ما دامت في إطار الخصوصيات الفردية، لا حرج فيها بل هي مكرمة في الإجتماع الإنساني، تبرز فيه الأمور وفضائلها في شخص ممارسات المبالغين، قد يفعل الإنسان الفعل ولا يلقي له بالا بحكم المداومة فيصبح عادة، ولكن عندما يرى ذلك الفعل في صورة شخص آخر بالغ في الالتزام به تظهر قيمة ذلك الفعل ومستواه.
ولكن لما اجتمعت مجموعة من الناس وذهبوا إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا بها تقالوها –أي اعتبروها قليلة- وقالوا أين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني أنا أقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث أنا لا أتزوج النساء، وعزموا على فعل ذلك، فلما سمع النبي صلى الله عيه وسلم بذلك، أنكر ذلك وجمع الناس وقال لهم ألا واني أتقاكم لله وأصوم وأفطر وأقوم الليل وأنام وأتزوج النساء، “فمن رغب عن ينتي فليس مني” (رواه البخاري عن أنس بن مالك)…، نعم “ليس مني” كلام كبير في حق مؤمن أراد ان يبالغ في تعبده حبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم!! والسبب في شدة الإنكار هذه “من رغب عن سنتي فليس مني”، أن العزم على مثل هذا الفعل بهذا الشكل وبهذا التكتل الجماعي، انحراف عن الجادة؛ لأن ذلك تشكل في إطار جماعي، أي لم تعد القضية قضية خصوصيات فردية كما هو الحال عند أبي الدرداء وأبي ذر وغيرهما من المعروفين بالزهد، وإنما تحولت القضية إلى جماعة تؤسس لمنهج جديد سيكون ضرارا للمنهج الوسط الذي هو في مقدور كل الناس، ومن ثم فإن قوله صلى الله عليه وسلم “فليس مني” براءة من منهج سيوثر على مسار التدين الذي هو مفتوح، كل يمارس منه ما استطاعه وقدر عليه…، أما أن تكون خيارات هكذا تنطلق من خصوصيات فردية ويراد تعميمها في شكل تكتلات ومجموعات فذلك هو الخطر بعينه.
ولكن ما هو الحد الفاصل بين الخصوصيات الفردية والفعل الجماعي؟
الحد الفاصل بين الخصوصيات الفردية والفعل الجماعية، هو الإطار العام للتدين وقد حسم فيه الإسلام، وهو أركان الإيمان الخمسة وأركان الإسلام الخمسة في مجال التعبد المحض، أما في مجال المعاملات فالمعيار هو المصالح والمفاسد.
وتفصيل ذلك خاضع لما يليق بالجمهور فهو من قصد الشارع، وما لا يليق بالجمهور فهو من الخصوصيات الفردية التي لا يطيقها كل الناس.
فالشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله عندما ألف كتابه “صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم”، قد جاء بكل ما صح عنده مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، بغاية الوصول إلى “صلوا كما رأيتموني أصلي”، وكان لكل فعل من أفعال الصلاة أكثر من صيغة، حتى أن دعاء الاستفتاح وحده جاء بإحدى عشرة صيغة، وقال في المجمل أن المؤمن عليه أن يأتي بمجموع هذه الصيغ حتى يكون مقتديا بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان أحيانا يفعل كذا وأحيانا يفعل كذا وهكذا…إلخ، بحيث من لم يأت بهذه الصيغ كلها، قد يحرم أجر الإقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام.
هل يمكن لعامي أن يقوم بكل ذلك؟ لا يمكن، وهو ما تنبه إليه فقهاؤنا قديما، فصنفوا أفعال النبي إلى مستويات ومراتب، واجب وسنة مِؤكدة وأخرى خفيفة، وفضيلة ورغيبة…إلخ.
فالنهج الذي صنف وفقه الشيخ ناصر رحمه الله كتابه، هو الذي أطلقنا عليه مصطلح صرامة السلفي، وهي الصيغة التي لا تليق بالجمهور، ولذلك عمد العلماء إلى تصنيف الأحاديث إلى ما فُعل وأُمر به دائما وهو الواجب، وما أمر به وفعل غالبا هو السنة المؤكدة، وما أمر به وفعل نادرا هو السنة…، ومن كل ذلك اختاروا الأنسب والأيسر للمكلف، ومن ثم فإن ما كتبه الشيخ الألباني في صفة صلاة النبي، لا يؤخذ هكذا ويطبق بلا مراعاة لأحوال الناس وإمكاناتهم، وإنما يِؤخذ ويطبق وفق منهج الفقهاء والأصوليين.
وفي المقابل ذوق الصوفي، فيمكن اعتبار كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي، مثلا لهذا التوجه، رغم أن العلامة الغزالي أراد لكتابه أن يكون خزانا للمعرفة والسلوك الإسلامي في جميع مناحي الحياة، عقائد وشرائع وسلوكات، ولكن كل ذلك عرضه في إطار ذوقي صوفي، أخل ببعض الضوابط العلمية، ولعل استدراكات الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، خففت من سلطة الذوق على المفاهيم الدينية في الكتاب.
إن الإسلام بوسطيته يرفض صرامة السلفي، ولا يقبلها إلا في إطار المنهج الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المنهج الذي يقرر أن هناك قواسم مشتركة بين المؤمنين من مقررات الشرع، وهي ما عبر عنه الشاطبي بما يليق بالجمهور، وأخرى عبارة عن زيادات تقبلها الخصوصيات الفردية من آحاد الناس، ولا يطالب بها الجمهور لكونها ليست مقصدا شرعيا، كما يرفض ذوق الصوفي الغالب على الصرامة العلمية التي يرفضها الوحي والعقل معا، بسبب ما ألحقت بالدين من شوائب وخرافات.
فلا صرامة السلفي مقبولة أو مرفوضة بإطلاق، ولا ذوق الصوفي مقبول أو مرفوض بإطلاق، لما فيهما من حقائق ثابتة في نصوص الوحي وفي سلوك السلف، وأخرى دخيلة عنهما، وإنما المرفوض والمستهجن هو تركيز هذا الطرف أو ذاك على خصوصية من خصوصياته واعتبارها هي المبدأ والمصير، في حين أن ما يختلف فيه عادة ما يكون جزئيا وليس كليا، وكل جزئي لا يصلح جامعا بين الناس، وإنما يصلح كخصوصية فردية تُحْترم ويعذر صاحبها، ولكنها لا تصلح لإلزام أحد ممن لم يقتنع بها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!