السبت 04 أفريل 2020 م, الموافق لـ 10 شعبان 1441 هـ آخر تحديث 21:11
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

الإمام هو محور المعركة الحضاريّة

عبد الحميد عثماني نائب رئيس تحرير بجريدة الشروق
أرشيف
  • ---
  • 10

لقد ألفنا احتجاج العمال الجزائريين من كل القطاعات على طول العام، لأنّ الموظف في بلادنا يعاني من ضنك العيش وضغوط الحياة الاجتماعية، لكن أن يضطر الإمام بسَمْته التربوي وصورته الذهنية في مخيال المواطنين للخروج إلى الشارع، للاحتجاج على ظروف قاهرة، فهذا مؤشرٌ على أنّ الأمور لا تسير على ما يرام.

طبعا هذا الكلام ليس من باب التمييز ولا دعوة للتفاضل بين العمال، لأنّ تأييد المطالب المشروعة غير قابل للتجزئة، كما أنّ التعاطف المهني يشمل الجميع، لكن المسألة في عمقها تتجاوز الانشغالات الاجتماعية والوظيفية إلى معضلة العناية المنقوصة للدولة بالشأن الديني في بلادنا منذ عقود.

يجب الإقرارُ أنّ قطاع الشؤون الدينية ظلّ دهرا من الزمن، وربّما لا يزال كذلك، مهملاً ومهمّشًا، وحالة الإمام اليوم مظهرٌ سيّء من تجليات الوضع العام.

لقد كان تفكير السلطة مع المجال الديني ينطلق دوما من منطق الاستعمال السياسي لا أكثر، دون التكفل اللازم بشروط ترقيته ضمن التأهيل الضروري لمواجهة الغزو الثقافي في بُعده العقدي والفقهي، بل إنها في مرحلة ما أجهزت على “المرجعية الدينية الوطنية”، وفق توصيف الخطاب الرسمي، بفتح المجال واسعا أمام التيار المدخلي لاعتلاء المنابر، في إطار إستراتيجية خاطئة لمحاربة مسمّى “الإسلام السياسي”، وهو ما يدفع الجزائريون اليوم كلفته الاجتماعية بفتن شعواء، يثيرها هؤلاء في كل مناسبة دينية وحتّى من دونها، في مخالفة صريحة لمرجعيتنا التاريخيّة.

إذا كان مفهوما عجزُ الدولة خلال الستينيات والسبعينيات عن تأطير القطاع لظروفٍ تاريخية ناجمة عن التجهيل الاستعماري، فهل من المعقول أن تفتقد الجزائر بعد 58 سنة من الاستقلال لأعلام دينيّة لها صيتها في العالم الإسلامي؟ حتّى أنّ الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة برّر عدم تعيينه مفتيًا للجمهوريّة طيلة 20 عاما من حكمه بعدم اقتناعه بوجود شخصية موسوعية ومرجعية بثقل المنصب، قياسا إلى نماذج دولية في أقطار أخرى!

هل يقلّ العقل الديني الجزائري ذكاءً أو أهليّة عن نظرائه في البلاد العربية؟ ولماذا خرّجت المدرسة الجزائرية عباقرة في الطب والعلوم الدقيقة، بينما عجزت عن تخريج مثلها من مشايخ العلوم الشرعية في مختلف التخصصات؟

اعتقادنا أنّ الإشكال الأساس يرتبط بالمنظومة السائدة، والتي تكرس الرداءة في الفضاء الديني على حساب التكوين العلمي المنهجي المتكامل والجدّي.

نذكر ونحن في الطور المدرسي أنّ الراسبين في شهادة نهاية التعليم الثانوي يتوجهون إلى المعاهد الدينية، عبر مسابقات لحفظ جزء من القرآن، ثم يتحولون إلى أئمة يعظون الناس ويفتون في شؤونهم اليومية من دون الحاجة إلى المرور على الجامعة.

من سوء حظّنا أنّ الجامعة الوحيدة التي أسستها الجزائر للعلوم الشرعيّة، وحلم رئيسها المرحوم الشاذلي بن جديد أن يجعلها أزهر المغرب العربي، قد انتكست سريعا بدخول البلاد نفق العشريّة السوداء، فقد هجرها كبارُ العلماء من أبناء الوطن وضيوفه، قبل أن يكتسحها الفكر المدخلي المُدمِّر في حالة من الفراغ الفكري والعلمي.

ولأنّ خيار الإقصاء الإيديولوجي كان مبرمجًا مع سبق الإصرار والترصّد، فقد أقدمت حكومة أحمد أويحيى سنة 2003 على التخلص من شعبة العلوم الإسلامية في التعليم الثانوي بحجَّة سوق العمل، ولو كان ذلك حقيقة لأغلقنا الجامعة الجزائرية بكل فروعها.

نتذكر في فترة من حياتنا الجامعية أنّ التوجيه نحو أقسام الجامعة الإسلامية بقسنطينة كان مفتوحا لكل حملة البكالوريا من ذوي المعدلات المتدنية، من تخصص الآداب إلى العلوم الطبيعية، مرورا بالكيمياء والكهرباء والتقنيات والأشغال العمومية والتسيير وكل الفروع الأخرى!

لقد كان مخططا ممنهجًا لتفريغ التكوين العلمي الديني من محتواه وتمييعه حتى يفقد أثره في الواقع المجتمعي لاحقا، وهذا ليس حكمًا ينطلق من ثقافة المؤامرة، بل هو ما تسنده القرائن والأدلة الملموسة بلا ريب.

خلاصة القول إنّ الإصلاح الذي ترفع الجزائر الجديدة رهانه اليوم يتجاوز التكفل بوضع مستخدمي القطاع، إلى الاهتمام الفعلي بالتكوين العميق، ولمَ لا استحداث “معهد عالي” للمواهب المميزة في العلوم الشرعيّة، لأنّ حاجتنا إليها لا تقلّ أهمية عن حاجتنا لمتفوقين في باقي مجالات الإبداع والاختراع، وإذا لم يدرك حكامنا ذلك، فإنهم لم يستوعبوا بعد أصل وميدان المعركة الحضاريّة.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

  • الحقيقة.. لكن !

    صحيح أن الحقيقة حقّ مقدّس، يجب قولها ولو كانت مرّة، والساكت عن الحقّ "شيطان أخرس"، لكن أحيانا وفي وقت الشدة والاستثناءات والطوارئ والحروب، فإن "الكذبة…

    • 241
    • 1
600

10 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • امام

    أحسنت فقد وضعت يدك على الجرح , وأشرت الى مكمن الخلل

  • جلال

    أن مسؤولية الحكومة هي المراقبة والتدخل عند خرق القوانين كالإحتكار مثلا أو التعدي على ملك الغير فهى تملك سلطة الإكراه والدين لا إكراه فيه (يمثل المرجعية الأخلاقية للدولة والشعب معا) تسييس الدين هو إفساد للدين والسياسة معاً. فعندما يسيس الدين يدخل مباشرة الجانب الغيبي في القرارات السياسيةفهناك قرارات سياسية تافهة جداً وخاطئة، وهناك تصرفات خاطئة جداً من السياسيين، فتلصق هذه القرارات باسم الدين. فلا يمكن أن يُساق الناس إلى الجنة على حد السيوف، كما أنه لا يُعقَل أن من يقيد حريات الناس ويَكبُتُ أنفاسهم، يمكن أن يُحِبَّ لهم الخير إن في الدنيا أو في الآخرة؛

  • محمد

    ليس القطاع الديني وحده من يشكو أزمة جوهرية فالمنظومة التربوية كذلك تفتقر إلى المبادئ الأساسية لوجودها.اعتنى النظام السياسي بالقطاعات الاقتصادية لتوفير ما يسد به مطالب المجتمع الحياتية ولم ينجح فيها كذلك لأن الركيزة الأخلاقية الضرورية لبناء مجتمع متكامل غائبة.الطبقة الحاكمة لا تملك تلك الروح الوطنية الناضجة المالكة لثقافة راسخة تمكنها من إحصاء الفرق بين الفائدة والمفيد لحياة الأمة كما كان يمثلها المرحوم نايت بلقاسم مع الأخطاء المرتكبة.تكوين موظفين فقط لقطاع التربية والشؤون الدينية لا يكون فعالا إلا لما يعتمد على اختيار عناصر تتميز بالصفات المعرفية والخلقية النموذجية الواعية بدورها:الضمير المهني

  • محمد قذيفه

    بارك الله فيك أستاذ ،تخطيط تقزيم العلوم الاسلامية بدأمنذ اغلاق المعاهد الاسلامية ثم منح معامل ضعيف لشعبة جعلوها تدرس ساعتين في الاسبوع ثم حذفوها نهائيا ولو كانت المعاهد موجودة ماكانت تقع العشرية السوداء ،والدين سياسة لكن لها ضوابطها لكن السياسة ليست دينا ولا ضوابط لها في العالم الثالث

  • عزالدين

    أن يحتج الإمام على ظروف عمله ، ويهدد بالخروج إلى الشارع أمر معقول إن كان فعلا مهضوم الحقوق مغيبا مهنيا وذاك وضع ينبغي تأكيده لإنصافه مقارنة بأنداده من أصحاب المهن المتعددة كالأساتذة والمربين والمشرفين التربويين وغيرهم ممن لهم علاقة بالعلوم الإجتماعية وعلوم التربية عندئذ ستتضح الرؤية ويستقيم الحكم على حقيقة تهميشه من غيرها ، ولكن أن يتول غيره الدفاع عنه بهذه الصورة ويجعله محورالمعركة الحضارية هوتنكر ضمني لفضل اصحاب الوظائف السامية السامية من الأساتذة والمعلمين الذين أدار لهم الجميع ظهورهم وأنكروا جميلهم ولم يرد أحد حتى الإشارة إلى مشاكلهم في فضاءات الأقسام المكتظة ومعاناتهم في تحضير .. يتبع

  • عزالدين

    ومعاناتهم في تحضير أنشطتهم و تقديمها و… ألم يقل شوقي : أنا لم أر أعظم أو أجل من الذي ** يبني وينشئ أنفسا وعقولا قم للمعلم وفه التبجيلا ** كاد المعلم أن يكون رسولا
    أنا لم أعرف الإمام قبل أن أعرف أستاذي الذي علمني وعلم الإمام ليكون دليلا للحق ناشرا للخير والسلام فكيف يكون التلميذ أرفع من أستاذه ؟ وسأظل مدينا له بكل الفضل والإحترام ما حييت ولن أقرأ لمن يعرض عن فضائله ويتجاهل مكانته ويجعل غيره محورا للحضارة.

  • عمور

    ياسي عز الدين اذا كنت تعيش في الجزائر فأنت تعرف ان اول معلم يتعلم منه جميع افراد المجتمع هو الامام وقبل الدخول الى المدرسة حتى اساتذتك مروا عليه قبل ان يعرفوا المدرسة فلا تبخص الناس حقوقهم اذا كان في عقلك ذرة من انصاف وعدل

  • Benatia Mohamed salah

    نعم من حق كل جزائري ان يعيش بكرامة ولا يمد يداه لاحد ولا يمن عليه احد في بلادنا علماء ما شاء الله وما بدلوا تبديلا وقدها وقدود… اما قولك ان بوتفليقة لم يرى اهلا لهذا المنصب فهو نفسه يظن ان لا احد يعرف افضل منه في كل التخصصات والنتيجة هاهي بعد حكمه زاد العوج اعواما وفساد

  • عزالدين

    ردا على الأخ سي عمور أعرفك بنفسي فأنا أستاذ جزائري متقاعد قدأفنيت العمر كدا واجتهادا وليس في قلبي والحمد لله ذرة حقد على غيري ممن وسع الله عليهم بمتاع الدنيا وقد حباني الله بالكفاف ومدني بالقناعة وجعلني شجاعا أصدح بالحق حيثما وجد ،صادقا لا منافقا ولو تأملت مداخلتي لما اتهمتني بإبخاسكم حقكم لأنني أحسبك إماما وللأئمة النزهاء في قلبي مكانة عظيمة وحديثي عن الأستاذ ومكانته ينطلق من حكم منطقي وليس من افتراء وادعاء، فالأساتذة همشوا وهضمت حقوقهم كذلك و…. وهم ليسوا بأحسن وضع منكم (إن كنت إماما) ثم أنني أقدر كل المهن وأعي ضرورة تنوعها بما يخدم مصا لح المجتمع الإنساني ولقد أصنف عمال…

  • عزالدين

    ولقد أصنف عمال النظافة فوق الدكاترة والأساتذة لأن ما يقوم به أحدهم قد يعجزعن تأديته غيره وفي هذا تكامل في العمل وتنوع في أساليب الحياة فالناس كما قال الشاعر : الناس للناس من بدو وحاضرة * * بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم ، فهل بعد هذا يحق أن نلصق الحضارة بأحدهم دون سواه ؟

close
close