-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الاحتباس الحراري.. طقسٌ جامح واقتصاد عالمي أسود

د. عمر هارون
  • 428
  • 0
الاحتباس الحراري.. طقسٌ جامح واقتصاد عالمي أسود

الحديث عن الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية بحدود 1.3 درجة مئوية عن ما كانت عليه سابقا وأثر ذلك على ذواب القطبين وكل ما يترتب عن التلوث العالمي الذي فاق كل الخطوط الحُمر أمرٌ يبدو أنه لا يهم أحدا إلا بعض المناضلين في سبيل الطبيعة، لكن الحقيقة المرة التي يجب أن لا ننكرها هي أن العالم اليوم يشهد تغيرات مناخية عميقة ستؤثر بشكل مباشر على حياة البشر على كوكب الأرض، واقع لن يسلم منه بلدٌ في المعمورة بما فيها الجزائر، خاصة مع التحولات العميقة التي يشهدها المناخ العالمي من ارتفاع درجات الحرارة وتراجع مستويات التساقط مما يؤثر على العديد من القطاعات الاقتصادية الهامة كإنتاج الكهرباء، والزراعة، وحتى تكاليف النقل والتنقل.

تطرف الظواهر الطبيعية

من الفيضانات التي ضربت دبي إلى ارتفاع درجات الحرارة إلى أعلى المستويات في العديد من دول العالم على غرار مصر التي فاقت فيها درجات الحرارة الـ50 درجة مئوية وصولا إلى الحرائق التي اندلعت في أصقاع مختلفة من العالم وتسجل إلى الآن خسائر رهيبة مادية وبشرية، كما شهدت بعض الدول ظواهر طبيعية متطرفة ومتعاكسة كأن تشهد موجات حر ٍّكبيرة تتبعها فيضانات وهو الحال في الفلبين، هذا التطرف الذي يجعلنا نؤكد ضرورة أن يتم تغيير تسميات الظواهر التي نعيشها ومسبباتها على غرار مصطلح “الاحتباس الحراري” الذي تعودت عليه الآذان وأصبح يبدو لطيفا مقارنة بالنتائج التي تحصل بسببه، خاصة أن هذا النوع من الطقس بعيدا عن التكاليف المالية الكبرى التي يخلّفها فإنه يؤثر على عديد القطاعات والصناعات بشكل مباشر، فلا يمكن لمحطات توليد الطاقة أو محطات نقل المسافرين خاصة الجوي منه بالإضافة لقطاعات التعليم وحتى الإنتاج العمل في حالة الطقس المتطرف، وهو ما يزيد الطين بلة.

الآثار الاقتصادية لتطرف الطبيعة

لا ينكر أحد الآثار الاقتصادية المترتبة على تطرف الطبيعة الذي لا يمكن أن يكون عفويا، فالتدمير الممنهج من قبل الدول الصناعية لكوكب الأرض قضية واضحة ولا يستطيع أحد الهروب منها، التقديرات المنشورة في هذا المجال تؤكد أن الاقتصاد العالمي سيخسر 38 تريليون دولار (38 ألف مليار دولار) بحلول 2049 وهو ما يمثل 20 بالمئة من الاقتصاد العالمي وفق الدراسة المنشورة في مجلة “نيتشر”، وسيفقد الاقتصاد الفرنسي مثلا 13 بالمئة من مداخيله في حين أن ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية ستخسر ما يعادل 11 بالمئة من مداخيلها، واقع يجعل العالم يتوجه نحو الاستثمار وتطوير الطاقات الخضراء إذ قدِّرت الاستثمارات في هذا المجال في حدود 1.8 تريليون دولار، وتمثل 40 بالمئة من المبالغ الواجب رصدها للاستثمار المناخي لمنع التدهور الكارثي للبيئة في آفاق 2030 وفق إتفاقية باريس و30 بالمئة بالنسبة لما يجب رصده في آفاق 2050.

لا ينكر أحد الآثار الاقتصادية المترتبة على تطرف الطبيعة الذي لا يمكن أن يكون عفويا، فالتدمير الممنهج من قبل الدول الصناعية لكوكب الأرض قضية واضحة ولا يستطيع أحد الهروب منها، التقديرات المنشورة في هذا المجال تؤكد أن الاقتصاد العالمي سيخسر 38 تريليون دولار (38 ألف مليار دولار) بحلول 2049 وهو ما يمثل 20 بالمئة من الاقتصاد العالمي وفق الدراسة المنشورة في مجلة “نيتشر”.

إذا أعتُبرت هذه القيمة جيدة إلا أنها تبقى غير كافية لإحلال الطاقات النظيفة مكان الطاقات الأحفورية، خاصة أن أكبر مشكل يتعلق بعدم وجود منهج عادل لتمويل عمليات العمل المناخي، خاصة بالنسبة للدول النامية والدول الكبرى الأكثر تلويثا للكوكب، رغم أن التكلفة الحالية للعملية لا تقارَن بتاتا بما سيترتب من خسائر مستقبلا.

الضرائب البيئية حل لكن..

الضرائب البيئية واحدة من الحلول المتعارف عليها لتوجيه المجتمع لاستهلاك الطاقات النظيفة والمؤسسات للاستثمار في هذا المجال، فيمكن للدولة أن ترفع قيمة الضرائب المباشرة وغير المباشرة وحتى وضع رسوم للمؤسسات الأكثر تلويثا للطبيعة لحثها على إيجاد آليات للتقليل من هذا، لكن الضغوط التضخمية التي تضرب أوروبا -حيث يبقى التضخم بعيدا عن نسبة 2 بالمئة المستهدفة- يجعل الواقع يمنع فرض المزيد من الضغط ويحدّ من قدرة البنك المركزي على التحرك وفق أدوات السياسة النقدية، كما أن الدول الأوربية كانت تفكر قبل الحرب الروسية الأوكرانية في توقيف السيارات التي تسير بالطاقة الأحفورية في آفاق 2050 وهناك توجه الآن نحو منع السيارات من السير أكثر من 15 إلى 20 سنة من أول تاريخ سيرها للحد من التلوث، لكن كل هذه الخطط تبقى نظرية بعد أزمة كوفيد 19 والحرب الروسية الأوكرانية، إذ دخلت أوروبا في أزمة طاقة أبعادها معروفة وواضحة، والنتيجة أن الخطوات المتخذة تبقى بعيدة عن التطلعات.

التزامٌ فعال للجزائر

تبقى الجزائر واحدة من الدول القليلة التي انخرطت في مجال مرافقة العالم للتقليل من آثار الاحتباس الحراري من خلال العديد من العمليات الفعالة، فمن ناحية الطاقة التي تسير بها المركبات، حولت الجزائر أكثر من مليون سيارة لنظام الغاز الذي يعدّ الأقل تلويثا للبيئة، وبالنسبة للطاقة المنتجة انخرطت الجزائر من خلال تقليل البصمة الكاربونية للغاز الجزائري المصدَّر للعالم من خلال برنامج قدِّر بـ4 مليار دولار، وهي الآن في إطار فتح شراكة مع مؤسسات رائدة عالميا للعمل على تطوير قدراتها في إنتاج الهيدروجين الأخضر بهدف تصديره، كما أن الجزائر تنتج 98 بالمئة من طاقتها الكهربائية من خلال تربينات الغاز، وتعتبر هذه التقنية الأقل تلويثا للبيئة، وهو ما جعل الطلب على الكهرباء الجزائرية يرتفع في أوروبا إذ أن الجزائر بصدد مدِّ خط لتصدير الطاقة الكهربائية الفائضة والتي تقدر بما بين 6 و7 جيغاواط ساعي بعد أن استهدفت الجزائر الوصول إلى 25 جيغاواط ساعي في الأمد القصير، كما رفعت برنامجها لإنتاج الكهرباء بالطاقة البديلة وآخر مشروع أطلقته الجزائر بقدرة إنتاجية تصل إلى 3000 ميغاواط ساعي.

يصعب الوصول إلى حلول سحرية مع الجشع الرأسمالي العالمي، خاصة أن أكبر خوف يعترينا هو ارتفاع درجات حرارة الكون فوق 2 درجة مقارنة بما كان عليه الأمر قبل الثورة الصناعية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تغيير اقتصاديات تعتمد على الفحم بنسبة 100 بالمئة في إنتاج كهربائها، لكن الأكيد أن الطبيعة مريضة وبدأت صحتها في الانهيار وعدم تفطُّن البشرية لهذا الخطر سيؤدي بنا لأن نجعل الكون محرقة كبيرة لنا وللأجيال القادمة وفق مقاربة التنمية المستدامة، كم أتمنَّى أن يستفيق العالم من غفلته مع أن الأمر يبقى صعبا إلى درجة الاستحالة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!