-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الاستثمار بين الدبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية “الخيرية”

سميرة بلعمري
  • 794
  • 0
الاستثمار بين الدبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية “الخيرية”

بلغ مشروع قانون الاستثمار محطته الأخيرة، وسط آمال وتوقعات بتحقيق أهدافه في توفير مناخ أعمال مربح وجذاب في سياق إعادة هيكلة اقتصادية فضلها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، طريقا آمنا لإرساء اقتصاد حقيقي، سليم ومعافى من علة الريوع، ويتمتع بمناعة عالية تجعله في مأمن من اهتزازات سوق النفط العالمية وارتدادات النزاعات الدولية ومساومات منظماتها وتنظيماتها على مختلف تسمياتها وتصنيفاتها.

نعم لقد بلغ مشروع قانون الاستثمار وأخواته ضمن الإطار القانوني والتشريعي الأكبر الكفيل بتحقيق النمو الاقتصادي المنشود، محطته الأخيرة لتجسيد قطيعة نهائية مع ممارسات أبقت بلدا بحجم قارة مثل الجزائر يتوفر على جميع المقومات والموارد الطبيعية والبشرية رهينة تبعية اقتصادية وهو يستعد للاحتفال بعيد استقلاله الـ60.

الإطار القانوني الجديد للاستثمار لم يجد الرئيس حرجا في رفضه وإرجاعه إلى “حاضنة” الحكومة ثلاث مرات، حتى ينضج ويكتمل نموه وفق رؤية الرئيس وإيمانه بضرورة إرساء اقتصاد حقيقي لا مكان فيه لاقتصاد “البازار” ولا بنود على مقاس أحد يعشش فيها الفساد.. اقتصاد متحرر من عقدة “الحاويات” وكل ما يربطه بمحيطه والضفة المقابلة هو مبدأ براغماتي رابح- رابح.

هناك في الجزائر من يمارس هواية تسويد الأوضاع، وتسميم الأجواء وزرع بذور اليأس عوض الأمل، رغم أن البيئة نفسها ترافع في نفس الوقت للصبر ومنح الفرص وتحرير المبادرة، وعند هذه الثلاثية يجب الوقوف عند المؤشرات الأولية لتعافي الاقتصاد الوطني بعد سنوات فساد وسنتين من الجمود فرضتها الجائحة.. مؤشرات تستدعي القليل من الصبر والكثير من الجهد والعمل على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وعند الخوض في الاقتصاد يستحيل الحديث عن استثمار أجنبي واستقطاب رؤوس أموال أجنبية، والقاعدة المتعارف عليها أن هذه الأخيرة جبانة، دون تفعيل للدبلوماسية الاقتصادية، والابتعاد عن دبلوماسية “الجمعيات الخيرية” التي لم تجنِ منها الجزائر في الماضي القريب سوى الجحود والنكران وإدارة الظهر، ولنا في العديد من المواقف الدولية والمواعيد القارية خير مثال؛ فمسح ديون عديد الدول الإفريقية والعمل على تنمية حدودها لم تجنِ منه الدبلوماسية الجزائرية سوى الانقلابات في المواقف حتى في القضايا العادلة وخير مثال تعبيد طريق عودة المملكة المغربية إلى أحضان الاتحاد الإفريقي، وحجز مكان للكيان الصهيوني كمراقب ضمن هذا المنبر لولا جهود الجزائر لتجميد هذا الدور المشبوه.

اليوم، والرئيس تبون بصدد تجسيد وصفة ناجحة ونهائية لإرساء اقتصاد حقيقي تنافسي، يضع الدبلوماسية الجزائرية أمام مفترق طرق مفصلي يفرض حتمية تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية ويضع السفراء والسلك الدبلوماسي أمام مسؤولياتهم في التسويق لمناخ الأعمال وسط المتعاملين الاقتصاديين الدوليين، والترويج لتحفيزات النظام الجبائي والبنية التحتية والمرافعة للبيئة القانونية والتشريعية المشجِّعة للاستثمارات الخارجية.

الترويج لمصالحنا الاقتصادية يقع في صلب مهمّات وزارة الشؤون الخارجية، سواء على صعيد الإدارة المركزية أو على صعيد شبكة سفاراتنا، وبمثل هذا التوجّه الذي كان قد أعلنه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في لقائه بالسفراء السنة الماضية، يتعين على السفارات أن تجدد منطقها للاستجابة وتقديم خدماتها، فالوقت حان لتجنيد كافة الطاقات الوطنية من أجل الترويج لصورة بلد مستقر سياسيًّا وآمنا قادرا على توفير مناخ أعمال مُربح وجذّاب.

دبلوماسيتُنا المنهمكة في الاستجابة للانشغالات التقليدية، لم تتمكن بعد من تكييف أهدافها ووسائلها ومبناها التنظيمي لتجعل من الرهان الاقتصادي أولوية، فهي لا تملك “البديهة الاقتصادية” بالقدر الكافي، وأصبح من الضّروري إدراج عامل نتائج الدبلوماسية الاقتصادية ضمن تقييم السفراء والحركة الدورية للسلك الدبلوماسي، وإن كان من المسلَّم به أن الأنشطة الحكومية لا تحلّ محلّ أنشطة المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين إلا أنها تعني العديد من الدوائر الوزارية الأخرى غير وزارة الشؤون الخارجية.

الواقع اليوم يؤكد أن قوة الدول تقاس بقوة اقتصادها، وقدرتها على التنافس الاقتصادي، هذا التنافس الذي أخذ منحى هرميا فأصبح يقاس بين الدول ثم بين المؤسسات الكبرى كالشركات المتعددة الجنسيات.. الأمر الذي فرض لزاما أن تتدخل الدبلوماسية حتى لا يتحوّل التنافس إلى صراع ويتطور إلى حروب، فالحروب في الغالب سببها موارد طبيعية، ذلك لأنه تأمين ضد الجوع والفقر مقابل رغبة في الرفاهية وتحقيق الأمن الإنساني، الذي يجعل الاقتصاد والسياسة عالمين متصلين ومتكاملين.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال إهمال دور الدبلوماسية التقليدية لأن قنوات اتصالها وركائزها هي أساس الدبلوماسية الاقتصادية، وما ينتج عنها من ترابطية وتكاملية، وكلاهما يقوم على طرق التأثير المزدوجة: الترغيب من جهة والترهيب من جهة أخرى، فالدبلوماسية الاقتصادية تعتمد أوجها في تعاملاتها إما استخدام الإمكانات الاقتصادية لإرساء علاقات تعاونية أو استخدام الحظر والحصار الاقتصادي أو المقاطعة أو تجميد أرصدة دولة أو مؤسسة ما حتى تجعلها تخضع لمطالبها، مثلما يحدث اليوم بين دول الغرب وروسيا في سياق الحرب الدائرة بينها وبينها أوكرانيا.

فهل من أمل لاستفاقة “البديهة الاقتصادية ” وسط سفرائنا وسلكنا الدبلوماسي بقيادة وزارة شؤون خارجيتنا على المستوى المركزي؟ وهل من اجتهاد وأدوار جديدة لسفرائنا حتى يقدّموا الدليل المادي على أنهم يدورون فعلا في فلك الجزائر الجديدة ومعنيّون، مثلهم مثل الإطارات في الداخل، بالمساهمة في إرساء اقتصاد حقيقي وإنعاش احتياطات صرف البلاد من العملة وهم الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة الصعبة؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!