-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الاستثمار في الخنازير!

سلطان بركاني
  • 1678
  • 2
الاستثمار في الخنازير!

لا يشكّ منصف عارف بآداب الإسلام في معاملة الحيوان أنّ ما أقدم عليه بعض الطلبة في جامعة الوادي يوم الثلاثاء الماضي عندما قتلوا بطريقة قاسية خنزيرا دخل إلى الجامعة، عمل يتنافى مع نصوص الشّرع التي توجب الرّحمة بالحيوان عند قتله أو ذبحه، وتحرّم تعذيبه والتّنكيل به؛ ففي الحديث المشهور: “إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته” (رواه مسلم).

ربما ظنّ الطلبة -كما يظنّ كثيرون غيرهم- أنّ تحريم لحم الخنزير يجعل التنكيل به مباحا، وهذا غير صحيح، لأنّه -ابتداءً- لا يلزم من تحريم أكل لحم حيوان معين إباحة قتله، وإذا أبيح قتله، فذلك لا يبيح الوصول إلى الغرض بطريقة وحشية؛ فالحمار مثلا يحرم أكل لحمه لكن لا يباح قتله، والخنزير يحرم أكل لحمه ويباح قتله إذا لم يكن ملكا لغير المسلم، لأنه أسوأ من الفواسق التي أمر النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بقتلها وأخبر بأنّ من أعمال عيسى -عليه السلام- عندما ينزل في آخر الزمان متبعا شريعة محمد -عليه الصّلاة والسّلام- قتل الخنزير، لكن كلّ هذا لا يسوّغ قتل هذا الحيوان المستقذر حرقا أو ضربا حتى الموت، إنما ينبغي أن يقتل قتلا رحيما، ويقاس هذا بترغيب النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- في قتل الوزغة مع التأكيد على أنّ قتلها من أول ضربة أعظم أجرا من قتلها بضربتين، وهكذا، كلّ هذا حتى يحرص المسلم على إحسان القتل وعدم تعذيب مخلوق من مخلوقات الله، مهما كان مستقذرا في طباعه، ومهما كان وجوده في بعض الأماكن مؤذيا للإنسان.
ما فعله طلبة جامعة الوادي، خطأ دافعه الحماس الممزوج بالخوف، لا يقبله الشّرع ولا يقرّه، ومحاولة بعض العلمانيين والموتورين الاستثمار في واقعة خنزير الجامعة، لا تخرج عن سياق استثمارهم في أخطاء المسلمين لدعم الدعوات العلمانية المريبة إلى إعادة فهم نصوص الشّرع ولِمَ لا وضعها في المتحف لعدم صلاحيتها لهذا الزمان!

العلمانيون وزراعة كلية الخنزير!
على صعيد آخر، حاول بعض العلمانيين في الأيام القليلة الماضية الاستثمار في واقعة خنزيرية أخرى لتنفيس عقدهم المستحكمة تجاه كلّ ما له علاقة بالدّين، عندما تناقلوا خبر نجاح بعض العلماء الأمريكيين في زراعة كلية خنزير في جسم إنسان، وعلق العلمانيون على التجربة متهكّمين: “سينشغل المسلمون بما إن كان ذلك جائزا أم محرما”! ونسي أدعياء العلمانية هؤلاء أن يذكّروا الأمّة بالذي يشغل بني جلدتهم من الموتورين الفارغين الذين لا هم في العير ولا في النفير، ولا شغل لهم غير عدّ ما يتوصّل إليه الغرب من اكتشافات، كأنّ اهتمام المسلمين بمعرفة حكم الشّرع في مستجدّات القضايا هو سبب تخلّف الأمّة عن ركب البحث العلميّ! مع أنّ الكلّ يعلم أنّ سبب التخلّف هو هذه النّسخة الهجينة من العلمانية التي حاربت العلماء واضطرتهم إلى الهجرة، حتى تبقى بلاد المسلمين ذيلا ذليلا للدول الغربية وسوقا لما ينتجه الغرب.
الاهتمام بحكم الشّرع في مستجدات الأمور لا يعني تحريم البحث والاكتشاف، إنّما يعني الدّفع نحو مزيد من البحث للتوصّل إلى البدائل الأفضل التي تخلو من الأضرار الجانبية، يقينا بأنّ الخالق العليم الخبير ما حرّم شيئا إلا لما فيه من ضرر عَلِمه من علمه وجهله من جهله، ومن قواعد الشّرع أنّ الضّرر يزال، لكنّه لا يزال لحساب ضرر أعظم منه.
من عجائب العلمانيين أنّهم مع كلّ اكتشاف غربيّ يظنّونه يحرج المسلمين، يسارعون إلى التأكيد على نجاح الاكتشاف قبل أن يجزم الباحثون أنفسهم بذلك! بل ربّما تكون القضية لا تزال محلّ تجريب، لكنّ العلمانيين لا يتردّدون في طرحها كحقيقة علمية راسخة قضي فيها الأمر! وقصّة كلية الخنزير الأخيرة هي مثال من مئات الأمثلة في هذا الصّدد.
في يوم الأربعاء الماضي، الموافق لـ20 أكتوبر، تناقلت بعض وسائل الإعلام خبر نجاح جراحين أمريكيين في زراعة كلية خنزير في جسم “مريضة متوفاة دماغيا ظهرت عليها علامات ضعف في وظائف الكلى ووافقت أسرتها على التجربة قبل أن يتم رفعها من على أجهزة الإبقاء على قيد الحياة”، بعد تعديل جينات الكلية بحيث لم تعد أنسجتها تحتوي على جزيء معروف بأنه سيؤدي في الأغلب إلى رفض الجسم للعضّو المزروع على الفور، لكن لا أحد من الباحثين زعم بأنّ التجربة نجحت في جسم مريض كامل الحياة، ولا أحد جزم بأنّ زراعة كلية الخنزير في جسم الإنسان أصبحت مضمونة النتائج، والجرّاحون أنفسهم يقرّون بأنه لا يزال هناك كثير من العمل الذي يتعين القيام به قبل القطع بأنّ زراعة أعضاء الخنزير المعدّلة أصبحت ناجحة ومضمونة، فهذا مثلا كبير المسؤولين الطبيين في الشبكة المتحدة لمشاركة الأعضاء بأمريكا “ديفيد كلاسين” أكّد أن هناك عقبات لا تزال قائمة قبل التمكّن من استخدام أعضاء الخنازير المعدلة وراثيًا في الكائنات الحية، وحذّر من أنّ “الرفض طويل الأمد للأعضاء يحدث حتى عندما تكون كلية المتبرع متطابقة بشكل جيد”.
المسألة إذن لا تزال في إطار البحث، ونجاحها لن يكون محرجا للمسلمين الذين يعتقدون أنّه في الإمكان إيجاد بدائل أخرى لأعضاء الخنزير، كما يعتقدون كذلك أنّ استخدام أعضاء الخنزير ليس محرّما في كلّ الأحوال، بل هو مباح في حال الضّرورة وغياب البدائل، وقد أصدر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، يوم الإثنين الماضي، فتوى تؤكّد أن استخدام كلية الخنزير مباح في حال الضرورة الملجئة أو الحاجة التي نزلت منزلة الضّرورة، بشرطين: أولهما: فقد البديل الطاهر، والثاني: كون الضرر المترتب على الزرع أقل من الضّرر المترتّب على عدمه، ولو بغلبة الظن؛ سيما أثناء إجراء عملية الزرع وبعدها.
ربّما يكون اختيار الجرّاحين أعضاءَ الخنزير لاستخدامها بدائل للأعضاء البشرية، راجعا إلى كون أعضاء الخنزير قريبة من أعضاء الإنسان، ولأنّ الخنزير متوفّر في الغرب أكثر من القرد، وهو الحيوان الأكثر استهلاكا في المطاعم الأمريكية، ولو أجريت الأبحاث في مكان آخر، ربّما وقع الاختيار على بديل آخر، ومن يدري لعلّه يكون أفضل وأكثر مواءمة.. وأيا يكن الأمر، فقواعد الشّريعة الإسلامية تتّسع للتعامل مع كلّ الأحوال ولن يجد المسلمون أيّ حرج في التعامل مع أيّ بحث علميّ متجرّد يهدف إلى نفع الإنسان، ولن يشعروا بالحرج أمام نتائج أيّ بحث، وإن كانوا يتُوقون إلى الأوان الذي تعود فيه إليهم ريادتهم العلمية ليواصلوا مشروعهم الكفيل بإسعاد البشرية حقيقة، مشروع توجيه العلم لخدمة الهدف الأسمى من وجود الإنسان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • لطفي

    بارك الله في أخي كانب المقال و كثر من أمثاله

  • مومو

    ... المسلمين يعتقدون أنّه في الإمكان إيجاد بدائل أخرى لأعضاء الخنزير ... نحن المسلمين لا ننتج ولا نخترع ولا نبتكر... بل لا نشارك في بناء الحضارة الانسانية . فكيف نسمح لأنفسنا اعطاء دروس للذين أفنوا أعمارهم في خدمة البشرية ؟؟؟؟