-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البرلمان الجديد.. قراءاتٌ وتأمُّلات

محمد بوالروايح
  • 1099
  • 1
البرلمان الجديد.. قراءاتٌ وتأمُّلات

سألني أحدُهم: كيف تتوقع شكل البرلمان الجديد، هل سيكون كسابقيه أم سيكون نسخة أخرى منفردة ومتميزة؟ فقلت لسائلي: ما المسؤول عن ذلك بأعلم من السائل، فلا أحد في هذه المرحلة بإمكانه التكهُّن بشكل البرلمان الجديد حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ويسدل الستار عن مخلفات المعركة الانتخابية وسجالات الزعامة السياسية بين أحزابٍ ترى نفسها أهلا للريادة وأحزابٍ ترى نفسها أحقَّ بها وأهلها وأحزابٍ أخرى ترى نفسها ضحية غياب الشفافية والمصداقية بسبب ما تصفه بالخروق والتجاوزات التي شابت العملية الانتخابية.

جاء إعلان المجلس الدستوري -الذي يؤدي حاليا مهام المحكمة الدستورية- النتائج النهائية للاقتراع الانتخابي فاصلا في النزاع الذي حدث بين الأحزاب وبين هذه الأخيرة وبين القوائم الحرة وحتى بين الشركاء من نفس الفصيل السياسي ومن نفس القائمة أيُّهم أولى بالمنصب وأيهم أحق بتمثيل الشعب. تكلم المجلس الدستوري فسكت الكل وسلم الكل لأنه لا صوت دستوريا يعلو على صوت المجلس الدستوري فقراره نهائي وغير قابل للطعن بأي شكل من الأشكال.

أنا واحدٌ من الذين أخفقوا في الاقتراع ولم يسعفهم الحظ للوصول إلى قبة البرلمان؛ إما بسبب ضعف الدعاية، أو بسبب عدم الدراية بقواعد اللعبة الانتخابية، أو بسبب الجهل بخصوصيات الميدان وما يطلبه الشعب من عضو البرلمان، مهما تكن الأسباب، فقد “قضي الأمر الذي فيه تستفتيان” فمباركٌ للفائزين وحظ موفق للمتعثرين.

من أدبيات المنافسة الانتخابية أنها تقوم على عنصر الانتماء والولاء وحجم الدعاية الانتخابية ووسائل الدعم والرعاية التي يحظى بها مترشحون ويفتقدها آخرون ممن لا سند لهم بعد الله إلا أنفسهم والدعم المحتشم الذي يتلقونه من بعض أقربائهم وأصدقائهم والمتعاطفين معهم والمؤمنين بقدراتهم.

كنت أتمنى أن ينتهي كابوس المقاطعة الشعبية وأن ترتفع نسبة المشاركة الشعبية في العملية الانتخابية، ولكن يبدو أن المقاطعة الشعبية مستمرة وبحدّة وأن العزوف الانتخابي قد ازداد حدّة وتحوّل إلى ظاهرة مقلقة ولافتة للنظر وتحتاج إلى تحليل نفسي واجتماعي لمعرفة الأسباب الحقيقية لهذا العزوف الانتخابي الذي هو نتيجة عمل تراكمي ليس في المجتمع الجزائري وحسب بل في المجتمعات العربية بصفة عامة وبدرجة أكبر وفي المجتمعات الأخرى بدرجة أقل، فقد رسخت في الضمير الشعبي العربي أن الانتخابات ليست إلا شكلا من أشكال تدعيم وتجديد هياكل النظام، وأنها لا تفضي إلى التغيير بل تكرس سلطة الأمر الواقع إذ يستخلف فيها النظامُ نفسه بتغيير الوجوه وتبادل الأدوار وكفى الله المؤمنين القتال.

بعد أيام معدودات سنشهد ميلاد برلمان جديد، يميِّزه من القراءة الأولى طغيانُ التيار الحزبي المخضرم المكوَّن من حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي وحركة حمس وحركة البناء الوطني وحزب المستقبل ويزاحمهم هذه المرة وبقوة التيار الحر ويشاركهم حزب صوت الشعب ولكن بمقاعد معدودة تجعل منه تيارا شريكا في قبة البرلمان وليس شريكا في صنع القرار لأنه لا يمتلك التمثيل البرلماني الذي يؤهِّله لذلك، ولكنه سيقوي ضعفه التمثيلي بانضمامه المرتقب لتكتل التحالف الرئاسي الذي سيتشكل داخل الغرفة السفلى.

إن ميلاد التحالف الرئاسي يعني انحسار المعارضة البرلمانية وخاصة بعد تقهقر جبهة العدالة والتنمية وغياب الأحزاب الراديكالية المعارضة المقاطِعة للانتخابات: حزب القوى الاشتراكية وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال. إن الأحزاب المكوِّنة للبرلمان الجديد لن تشكل أيَّ قوة ضغطٍ تُذكر لأنه لا أحد منها يمتلك الأغلبية البرلمانية حتى وإن تحالفت فيما بينها لأن وجود كتلة الأحرار داخل البرلمان كقوة موازية سيرجِّح الكفة لصالح “حزب الرئيس” ويحسم القضية وبالضربة القاضية، وفي البيان الاستباقي الذي حرَّره تحالفُ القوائم الحرة الفائزة ما يرجِّح صحة هذه الفرضية؛ فمن مصلحة الأحرار تفضيل برنامج الرئيس على برامج الأحزاب، لأن برنامج الرئيس يتضمن مشاريع جاهزة لبناء الدولة، في حين تمثل برامج الأحزاب مجرد تصورات وتخمينات في هذا المجال وشتان بين الحالتين.

لن يتغير المشهد السياسي في البرلمان الجديد، فأحزاب الأمس المهيمِنة على البرلمان بالمنطق الوجودي؛ أي بالنظر إلى حجم وجودها داخل البرلمان، هي أحزاب اليوم، والمتغير الوحيد المحتمل هو أن تعمل هذه الأحزاب على تكييف خطابها السياسي بما يتماشى مع منطق الجزائر الجديدة التي لا تقبل -حسب من ينظرون إليها- القرارَ الأحادي والحكمَ الأحادي والسلطة الفردية.

أمام البرلمان الجديد تحدياتٌ كبيرة وطنيا وإقليميا ودوليا، فعلى المستوى الوطني ستشكل مشاريع وخطط الإنعاش الاقتصادي وقضايا الشأن الاجتماعي تحديا كبيرا لنواب البرلمان وخاصة في ظل تداعيات جائحة كورونا، وأما على المستوى الإقليمي فإن أزمة منطقة الساحل وما تشكله من خطر على الأمن القومي ستحتم على البرلمان -من باب الحرص على المصلحة الوطنية- الموافقة على أي قرار يتخذه رئيسُ الجمهورية أو يقرره المجلس الأعلى للأمن لحماية حدودنا، وأما على المستوى الدولي فإن “جائحة” التطبيع مع الكيان الصهيوني التي أصابت بعض الدول العربية ستفرض على الجزائر دعم كل مبادرة عربية وإسلامية لمواجهة التطبيع الذي ترفضه الجزائر جملة وتفصيلا انطلاقا من عقيدتها الثابتة من القضية الفلسطينية ومن دفاعها الدائم عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

إن البرلمان الجديد لن يخلو من وجود فئة نيابية أمِّية بالمعنى التشريعي، إما لجهلها، أو لضعف تكوينها في مجال التشريع. وبالنظر إلى التحديات الكبرى التي تنتظر البرلمانَ الجديد، فإننا نلحّ في هذا الجانب على مسألة مهمة، وهي ضرورة أن يعمد البرلمان القادم إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة النواب الجدد تجعلهم أكثر إلماما بالقوانين والتشريعات بما يجعل وجودهم في البرلمان قيمة مضافة وليس رقما مضافا.

للنائب -بحسب النصوص القانونية- مهام محددة، تتلخص في المساهمة في التشريع وممارسة الرقابة والتعبير عن اهتمامات وانشغالات المواطنين، وقد أدركنا من قراءتنا وتحليلنا لواقع العمل النيابي أن بعض النواب لا يُحسن من هذه المهامّ إلا التعبير عن انشغالات واهتمامات المواطنين بل يبدع في وصفها وينقلها باحترافية عالية ولكن تجده في المقابل لا يفقه شيئا في مسائل التشريع ووسائل ممارسة الرقابة، ولهذا السبب فإنني أهيب بالبرلمان الجديد أن يعمل على تدارك الضعف المسجَّل في هذه الناحية عن طريق إقامة توأمة مع الجامعات والمعاهد العليا المتخصصة من أجل تدريب أعضاء البرلمان وتحسين أدائهم النيابي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • خالد

    تحليل « جائحة » المقاطعة التي غيبت 77٪ من الجزائريين بعد أهم حدث ( الحراك) في القرن 21 هو قضية القضايا !