-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التاريخ لا يُكتب بالهوى

خير الدين هني
  • 1223
  • 3
التاريخ لا يُكتب بالهوى

الكتابة في التاريخ احترافٌ يستلزم الإلمام بعلوم متعددة، كعلوم التاريخ والجغرافيا والاجتماع والنفس ومدارسهم المنهجية والنقدية، وليس يسيرا على كاتب هاوٍ أن يحلل حوادثه وما يترتب عليها من ظواهر اجتماعية ونفسية وسياسية، وما يكتنفها من تحوُّلات تظهر على  شبكة العلاقات والنظم  والمفاهيم، وقواعد السلوك الأخلاقي، يكتب بنزعة عقلية تحكمها العصبية العرقية والثقافية، لأن التاريخ فعلٌ حركيٌّ يصنه البشر، يُكتب كما وقع بخيره وشره، ومن يريد تدوين وقائعه وعلاقاته الاجتماعية، فلابد من الرجوع إلى أصول الثقافات وتطوُّر نُظمها وكيفية انتشارها، لأن معرفة تاريخ المجتمع وثقافته ضروريةٌ لفهم واقعه، وهذه المعرفة هي من تشكل القواعد الأساسية لفهم الحوادث التاريخية، وأماكن وقوعها وزمانها والظروف التي أحاطت بها، وبحياة الأفراد والشخصيات التي صنعت هذا التاريخ.

وعند المقارنة بين حوادث التاريخ، ينبغي أن لا نعمّم حكم حادثة على حادثة أخرى تخالفها في الزمان والمكان والظروف، كما فعل آيت حمودة حين قارن بين الأمير عبد القادر عندما تفاوض مع الفرنسيين وهو ضعيفٌ عسكريا، إذ خوَّنه وجرَّده من الوطنية، واعتبره دخيلا على الجزائر في كلام  مبطَّن، وهي “ليست ملكا له حين باعها” حسب زعمه، وبين كريم بلقاسم حين رفض العرضَ الفرنسي في اقتطاع الصحراء من الجزائر، لأنه ابنُ هذا البلد كما ضمَّن كلامه.

وهو يتجاهل وضع الأمير عبد القادر العسكري، إذ كان مع قليلٍ من جنده في حربه مع فرنسا التي جيَّشت له جيوشا جرارة بآلاف المرتزقة، وقد فاوضها وهو في حالة ضعفٍ عسكري بعد خمسة عشر عاما من الحرب، لأنه لم يجد نصيرا أو مُظاهِرا يؤازره على مواصلة القتال، بينما كان كريم بلقاسم  يفاوض باسم جيش التحرير الوطني الذي كان يملأ الجبال بقوَّته وعقيدته القتالية، ولم يكن في وسعه مخالفة أوامر قيادة الجيش التي كانت تتابع المفاوضات أوَّلا بأول، واتفاقية إيفيان كانت بتوقيع قيادة جيش التحرير، والمفاوضون كانوا يوقعون بالنيابة عنهم فحسب، ولم تكن لهم حرية الاختيار أو القرار  في التفاوض، وهذا ما لم يُشِر إليه آيت حمودة، ولا نعلم إن كان يجهل منهج المقارنة التاريخية، أو لحاجةٍ في نفسه كان يريد تمريرها.

وآيت حمودة حينما تحامل على الأمير عبد القادر، فلأنه انطلق من خلفيةٍ ثقافية جهوية تعادي عرب الجزائر أولا، وقد اعتاد الناسُ سماع ذلك من أصحاب هذه النزعة، ولأنه مجرَّد مثقف هاوٍ يتحدث في التاريخ برأيه الشخصي ثانيا، ولا يكتبه  بمناهجه العلمية والنقدية المعروفة عند أهل الاختصاص من المؤرخين المتعمقين في علومه وفنونه ومدارسه المنهجية والنقدية. والمنهجُ التاريخي الحديث لا يسمح لغير المتخصصين أن يكتبوه أو ينقدوا حوادثه ووقائعَه وشخصياتِه المؤثرة، بخلفيةٍ ثقافية وإثنية أو بلغة المنتصرين، ممن يكتبونه بإرادتهم ونوازعهم الذاتية، أو بالرأي والهوى، أو بالترغيب والترهيب والروح الانتقامية، كما يفعل مؤرخو الانقلابات في تاريخنا المعاصر، أو تزويره بالتدليس أو الإخفاء أو التنقيص، أو التزيُّد أو التحوير أو الإلغاء.. وقواعد التاريخ المنهجية، تستوجب على كاتب التاريخ أو ناقدِه، ألا يخوض في حوادثه ووقائعه، إلا بالروح الموضوعية التي تسعى إلى تحري الحق من غير تزيُّدٍ أو تنقيص.

وجوب الإلمام بمناهج التحقيق التاريخي:

ولتحقيق هذه الغاية، يتعين على كاتب التاريخ أو ناقده، أن يكون ملمًّا إلماما واسعا بمناهج التحقيق والتدقيق والتمحيص في حوادثه ووقائعه وأمكنة وقوعها وأزمنتها والظروف المحيطة بها، وعليما بالدراسات النفسية التي تعتمد في تحليل سير الشخصيات المؤثرة في وقوع الأحداث وتطوُّرها، ومنهج التحقيق التاريخي يكون بالمقارنة والموازنة والتحليل المخبري، بين المصادر والمراجع والوثائق، والرسوم والنقوش والمذكرات والتماثيل والنُّصب، وشهادة الأشخاص الأحياء، وبيانات ومقالات الجرائد والصحف ومناشير المواقع الإلكترونية، وهل هي صادرة عن  مؤرخ عربيد متقلّب المزاج؟ أو عن منتصرٍ متغلّب وبخط وإمضاء قادته العسكريين أو المدنيين، أو من قضاة محاكمه المعيَّنين؟ أو هي بخط وإمضاء المستسلمين المتغلب عليهم، أو من المظاهرين المناصرين للمنتصر المتغلب، أومن الأعداء  المناوئين؟ وهل هذه الوثائق أصلية أو مستنسخة أو مشكوك في مصادرها، أو كُتبت تحت الضغط والإكراه؟ وغير ذلك مما يستلزمه منهج التحقيق التاريخي.

تزوير التاريخ هواية كل مستعمِر:

وآيت حمودة استغفل المشاهدين، حينما عرض وثيقة مجهولة المصدر، ليستدلَّ بها على “خيانة” الأمير عبد القادر كما زعم، ومن أن فرنسا دفعت لعائلته علاوات شهرية يتقاضونها عند حلول كل أجل، ولما سأله المنشط عن مصدرها أبى الكشفَ عن مصدره، ولأنه جهولٌ بالمنهج التاريخي والنقدي، وضع نفسه تحت طائلة الإدانة المقصودة بإهانة أحد رموز المقاومة الوطنية. ولو كان مؤرِّخا محترفا لعرض على المشاهدين خطة التحقيق التي اعتمدها في كشف الحقيقة التاريخية، والمنهج التاريخي يقتضي منه بيان التحليل المخبري الذي يكشف حقيقة ما ادَّعاه، ووثائق الأرشيف الفرنسي المتعلقة بالمقاومة أغلبها مكذوبٌ إذا لم نقل كلها، لأن فرنسا كتبت تاريخ المقاومة الجزائرية بخاصة، وحرب التحرير الكبرى بلغة المنتصِر المتغلّب.

وآية ذلك ما فعله برلمانُها في فبراير 2005، حينما زوَّر التاريخ في قانون العار الذي أصدره في عاصمة ما يسمُّونه -كذبا وزورا- عاصمة الحريات، زوَّروا التاريخ بدعوى أن احتلال الجزائر كان “من أجل نشر الحضارة والمدنية في مجتمع بدائيٍّ متوحِّش؟!”، والحقيقة التاريخية تقول: إنهم جاءوا ليبيدوا أمة كاملة بدينها وحضارتها وتاريخها ولغتها وثقافتها وأعرافها وأخلاقها وعلاقاتها الاجتماعية، وينهبوا مواردَها وخيراتِها الظاهرية والباطنية السائلة والجامدة، وإذلال شعبها وقهره وتفقيره وتجويعه وتجهيله، وجعله تابعا ذليلا لسياستها ولغتها وثقافتها، وهذا التاريخ المزوَّر هو الذي كتبه أسلافُ فرنسا الاستعمارية في وثائقهم، وهو ما يؤمن به أخلافُهم المتنوّرون اليوم ويروّجون له، ولكنهم يعلمون -يقينا- بأنهم يكذبون على التاريخ، ويمارون ويدارون للمغالطة والتغطية على جرائمهم الشنيعة.

وإذا كان هذا حال فرنسا اليوم في فهم التاريخ المزوَّر بالتدليس، وهي أضعف من نسج العنكبوت، فكيف بها أن تكتبه بنزاهةٍ وموضوعية، حينما كانت في أعتى قوَّتها وجبروتها؟ لذلك، فإنّ أيت حمودة حينما يعتمد على الأرشيف الفرنسي الذي كتبته بيدها أو أشرفت على كتابته بالإيعاز، يكون إما لأنه جاهلٌ بمناهج كتابة التاريخ ونقد حوادثه، وإما لأنه يريد تمرير مشاريعه الثقافية والعِرقية من طريق التاريخ الذي زوَّرته فرنسا.

الاستعمار أول من زرع بذور الجهوية:

والتاريخ الاستعماري الأسود لفرنسا، هو من غرس بذور التفرقة والعنصرية والكراهية والشقاق بين أفراد الشعب الجزائري الواحد، الذي انصهر بالدين واللغة والثقافة والمصاهرة، منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام، فكانت حركات التنصير التي نشرتها في المناطق الجبلية، هي من غرس هذه الكراهية التي جعلت أصحابَ النزعة الانفصالية يعادون العرب والإسلام واللغة العربية، ويتخذون النزعةَ العرقية سلاحا يهاجمون به كل رمز وطني، لا يؤمنون بعِرقه أو نِحلته أو ثقافته.. وحتى المعارضون الراديكاليون المقيمون في العواصم الغربية، من الذين يسخطون على كل ما هو جزائري، أصبحوا متوافقين مع هذا التيار الفرانكوفيلي المستغرب، ويقلّدونهم في عدائهم للرموز الوطنية التي لا يرضى عنها الانفصاليون والنزعويون والذين فقدوا الإحساس بأي قيمة أو رمزية وطنية.

ووسائلُ الإعلام المرئية، هي من يتحمل المسئولية كاملة في دعوة هذا اللفيف من المستغربين، ليشكِّكوا في تاريخ الأمة ودينها وثقافتها ولغتها ورموزها، ويُفسدوا عقول الشباب بهذا الضلال والانحراف المتقصّد، إذ أصبحت تعقد الندوات للمارقين والضالين والنزعويين ليبثُّوا سمومهم في وعي الأمة ووجدانها، وسادة القوم لا يحرِّكون ساكنا أمام هذه الردة المقصودة، وكأن الأمر لا يهمُّ وحدة شعبٍ هو مهزوز في كيانه أصلا، وهم لا يعلمون بأن التشكيك والنيل من الرموز والشخصيات، هو أول قاصمة تقصم الظهور والعقول، وتخرِّب العلاقات الاجتماعية التي هي جوهر كل بناء نهضوي وتطوري.

إنّ العلاقات الاجتماعية الحميمية بين أفراد الأمة، هي التي تبني قواعد السلوك الصحيح في العقول والنفوس، وتجعلهم راضين غير ساخطين، وهادئين ساكنين غير مضطربين، والعلاقات الاجتماعية المتناسقة، هي التي تبعث عواطف الإحساس بالمسئولية والثقة بالذات والانجذاب نحو المقوِّمات الوطنية والقومية، وعنصر الثقة بالنفس هو جوهر كل إبداعية فكرية أو علمية أو ثقافية، لأن الإبداعية لا يمكن أن تتفتَّق في الأذهان من دون محرِّكٍ نفسي، والمحرِّكُ النفسي ينمو ويزدهر في ظروف تملؤها أجواء الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.

وآيت حمودة حينما يشكك في التاريخ وينال من رموزه، من غير أن يلتمس لهم العذر كما تلتمس كل الأمم العذرَ لأبطالها ورموزها، حتى ولو أخطأوا سهوًا أو لأنهم تعرَّضوا لظروف قاهرة، لأن البطل القومي بشرٌ يصيبه ما يصيب الناس، يتشجّع تارة ويجبن تارة أخرى، ويتأثر بالعوامل الخارجية، التي تحرِّك فيه غرائز الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والأمل واليأس، والأمن والخوف، والمصلحة والتضحية، والإقدام والتهيّب، والأمل في الحياة أو الموت في سبيل مُثله العليا…

والناس يختلفون في عقولهم ومواقفهم، وطرق تفكيرهم وأخيلتهم وتصوُّراتهم، وفي شدَّتهم وليونتهم، وتشدُّدهم وتساهلهم، وإيثارهم وأثرتهم، كما يختلفون في أجسامهم وصورهم وبدانتهم ونحالتهم، وجمالهم ودمامتهم، وطولهم وقِصرهم، وفي بياضهم وسوادهم، وأنسابهم وأحسابهم، وغِناهم وفقرهم، وعِلمهم وجهلهم، وأخلاقهم وعاداتهم وأعرافهم… وهذا الاختلافُ الصوري والباطني هو ما يؤثر في بناء  الشخصية، قوية كانت أم ضعيفة، سوية أم مريضة. وهذه الشخصية هي التي تصنع التاريخ وتحرِّكه، وهذا ما ينبغي على كاتب التاريخ أو ناقده أخذُه بعين الاعتبار حينما يكتب عن الشخصيات التاريخية، والعلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية، فكل ذلك محكوم بقوة الشخصية أو ضعفها، وبتأثير العوامل الخارجية المحيطة بها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • لولا علمي بما أقول لما قلت

    الواقع الحالي هو ما يهمنا وهو ما يكشف الأكاذيب و يؤكد الحقائق - والواقع الحالي يكشف عقلية الشعوب - وعقلية الشعوب تكشف أشياء ثيرة أهم من التاريخ - عقليات كثيرة في المنطقة تدل على شعوب مختلفة تشبه العشائر - فالإستعمار لم يكن له أن ينجح لولا فساد و تخلف العقلية الغالبة التي كانت سائدة في تلك الحقبة في شمال أفريقيا - وطبعا لزالت تفعل نفس الشيئ الى يومنا هذا - شعوب متخلفة متغطرسة متعنترة - مجتمعات عقيمة لا تنجب الحياة في نفوس الأجيال

  • ثانينه

    التاريخ ملك لجميع الجزائريين..ثم ان الحكم والانتقاد امر شخصي وداتي وكل حسب تقديره للاوضاع ..بلغيث مثلا وهو مؤرخ يرفض كلمه استسلام الامير والاخر يرفض كلمه الخيانه وبالتالي لانقبل ان تفرض علينا قراءتكم احتفظوا بها لانفسكم ثم ان المناظل الامازيغي ايت حموده تكلم بالوثيقه التاريخيه وان عائله الامير كانت تتلقي منحه من الاداره الفرنسيه وهو يعيش في سوريا وليس في المنفي لانه هو الدي اختار دالك ..الامير عبد القادر من الثائرين ضد فرنسا شارك في النظال..اما ان نصنع منه اسطوره فهدا عبث والتاريخ شاهد علي دالك

  • نحن هنا

    وانت كمطلع على خبايا تاريخ الجزائر هل وثيقة معاهدة تافنة حقيقية ام موزرة؟ ومتى يكتب التاريخ الحقيقي وقد مر على الواقعة اكثر من قرنين ومات شهود العيان ولم يتركوا أثرا لاتدع الناس يسبحون في ظلمات الوهم ألم يحن الوقت بعد؟