الجمعة 14 أوت 2020 م, الموافق لـ 24 ذو الحجة 1441 هـ آخر تحديث 00:24
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

التحضير للتحرير الثاني من الاستعمار الفرنسي

ح,م
  • ---
  • 12

من بين ما ينبغي الإسراع في استشرافه من تداعيات جائحة كورونا، وما تخفيه من انهيار مرتقب في النظام العالمي، بشقيه السياسي والاقتصادي، واجب علينا استشراف طبيعة العلاقات المستقبلية مع المستعمِر القديم، الذي لم يستوعب بعد مرور قرابة ستة عقود منذ توقيع اتفاقيات إيفيان واستعادة الجزائر سيادتها، مقدار الجروح التي خلّفها قرنٌ وثلث قرن من الاستعمار الاستيطاني البغيض، وجرائمه التي لا يطالها التقادم، لم تساعد السياسات النيوكلونيالية لجميع الحكومات الفرنسية المتعاقبة، على طي صفحاتها، وتخفيف وطـأتها على الذاكرة الجمعية للجزائريين.
الاستشراف يكون حتما على مستويات أربعة: سياسي، اقتصادي، وثقافي، وتاريخي، تختزن في مجملها تركة مُثقَلة بالصراعات والمواجهات المفتوحة، حالت دون بناء علاقات طبيعية بين البلدين والدولتين، على قدر من الندّية والاحترام المتبادل.
على المستوى السياسي، يُفترض أن نقطع حبل الرّجاء من النُّخبة الفرنسية الحاكمة، التي ستبقى حبيسة الإرث الاستعماري، ولم تتقدم خطوة واحدة نحو التحرُّر من هذا الإرث طيلة ستة عقود، بل نراها تسير من السيئ إلى الأسوأ، تجترُّ في السر والعلانية مرارة فقدان الفردوس الجزائري، ويكفينا في هذا المقام أن نُخرج فرنسا من جميع حسابات الربح والخسارة، فنتعامل معها في الحد الأدنى كدولةٍ معادية بالفطرة، لا يُؤتمن جانبُها كيفما ما كان تغيُّر خطابها الرسمي المعلن المتلوِّن، حسب ما تمليه مصالحها.
فرنسا ليست أقل سوءا من الكيان الصهيوني بجميع المقاييس، خاصّة وأنّها ما تزال تمارس سياسة عدوانية على حدودنا في الغرب والشرق والجنوب، وتعيد نشر نفوذها الاستعماري في منطقة الساحل في ما يشبه التطويق العسكري والأمني للجزائر، مُحاوِلة فصلنا عن بُعدنا الإفريقي، مع دعمها السياسي الدبلوماسي والعسكري المعلَن للجارة المغرب في ملف الصحراء الغربية، الذي تتخذ منه بؤرة مستدامة للضغط السياسي، والأمني، والعسكري على الجزائر.
وأمامنا فرصة سانحة لمقارعة هذه العدوانية الفرنسية، في ما يُستشرف من تحوُّلات كبرى داخل الاتحاد الأوروبي، وتراجع متوقع لمستوى النفوذ الفرنسي في تحديد الاتحاد لعلاقاته مع العالم، ومع منطقة شمال إفريقيا، وتنامي الحضور الصيني والروسي، بل وبروز مؤشِّرات كثيرة عند بعض الدول الغربية مثل: إسبانيا، وإيطاليا، وحتى ألمانيا، نحو تحرير السياسة الأوروبية في المنطقة من الإملاء الفرنسي.
معركة المواجهة الأولى في المرحلة القادمة تكون حتما في الساحة الاقتصادية، بالعمل على مراجعة علاقاتنا الاقتصادية مع هذا البلد، وفرض قدرٍ من التوازن في ميزان المدفوعات معه، وحرمانه من كثير من الامتيازات التي مُنحت له في السابق بلا مقابل، خاصة وأنَّ التغييرات المتوقعة في منظومتنا الاقتصادية، سوف تساعد حتما على تقليص الحاجة إلى السوق الفرنسية، سواء من جهة صادراتنا من النفط والغاز، أو من جهة الحاجة إلى الصِّناعات والخدمات الفرنسية، التي لا تتمتّع بأيِّ ميزة تنافسية حتى مع نظيراتها الأوروبية.
غير أن المواجهة الموجِعة لفرنسا، سوف تكون بلا شك في الساحة الثقافية، وعلى رأسها مراجعة المكانة الممنوحة بغير حقّ للفرنسية في منظومتنا التعليمية، وفي كثير من الإدارات التي نجح فيها “حزب فرنسا” دون مقاومة تُذكر في تعطيل قوانين تعريب الإدارة والمحيط، ونجاحه الباهر في إعادة وضع اليد على المنظومة التعليمية في جميع أطوارها، وعلى الفضاء الثقافي والإعلامي.
وفي هذا السياق، أمامنا فرصة لا تعوَّض بمناسبة مراجعة الدستور، لإعادة تعضيد الهوية اللغوية للجزائر، ووضع قيد دستوري دائم، يمنع العابثين من صناعة “ضرّة” مستدامة للساننا العربي، مع إخضاع الانفتاح اللغوي المطلوب لمبدأ النجاعة، ولمنسوب الانتشار والتداول في الاقتصاد والعلوم.
كما أن التعديل الدستوري القادم، سوف يوفر لنا فرصة معالجة ملف الإرث الاستعماري، بتضمين إدانة دستورية واضحة للحقبة الاستعمارية ولجرائمها، تشكل في المستقبل مرجعية ضابطة لعملية إعادة كتاب تاريخ الحقبة الاستعمارية، والحاجة إلى تثبيت جرائمها التي لا تقبل التقادم، مع احتفاظ البلد بحق ملاحقة الدولة الفرنسية أمام المؤسسات القضائية الدولية، وتحرير جميع المبادرات المُطالِبة بالتعويضات المادية والمعنية، لتعلم الأجيال القادمة أن بين الجزائر وفرنسا دينا مثقلا بأكثر من خمسة ملايين ونصف مليون ضحيَّة، وخسائر مادية تقدر بـ1700 إلى 2200 مليار دولار، تعادل الدخل القومي الخام لفرنسا اليوم.

موازنات

مقالات ذات صلة

  • حرب بلا حرب!

    جملة واحدة خرجت من "قلب" الكيان الصهيوني، منذ انفجار مرفأ بيروت، اختصرت "الحرب" الدائرة حاليا في هذه المدينة المزركشة، التي لا تكاد تشفى من "وباء"…

    • 465
    • 0
  • فقه صلاة الجمعة في زمن كورونا

    الحمد لله تقرر رسميا فتح أغلب المساجد في وجه المصلين يوم السبت المقبل ٢٠٢٠/٠٨/١٥، وهو ما انتظرناه طويلا. وقد كشفت الجهات المعنية عن الإجراءات الواجب…

    • 924
    • 3
600

12 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • SoloDZ

    اصعب ما في التعامل مع فرنسا خضناه حرب التحرير ومن ثم فصاعدا كل المواجهات الدبلوماسية والاقتصادية والامنية يسهل خوضها كونها ورغم ضرواتها اقل صعوبة من المعارك العسكرية التي ميزان القوة آنذاك لم يكن لصالحنا ومع ذلك انتصرنا ما اريد قوله هو ان مواجهة فرنسا مباشرة لا تعجز الجزائر وفي اي مجال لأن تعامل الجزائر مع فرنسا سيادي وهذا ما يجعلها تناور بكل حرية ودون اية قيود ولا يوجد اي سبب يمنح فرنسا امكانية العبث في الجزائر إلا ورقة واحدة تستغلها باريس وهي عشاق فرنسا في الجزائر ومشكلة هذه الورقة هي انهم كثر وهذا ما ستركز عليه باريس مستقبلا ولمكافئة هذه الورقة يجب تفعيل ورقة عشاق الجزائر في فرنسا وهم اكثر

  • Algerian Man

    اوراق الجزائر واوراق فرنسا متكافئة استاذ فكما لدى فرنسا عشاق في الجزائر بالآلاف للجزائر عشاق في فرنسا بالملايين لدى فرنسا لوبي صهيوني لدى الجزائر لوبي قومي والاجمل هنا هو ان ساحة المعركة هي فرنسا وليس الجزائر لدى فرنسا المملكة العلوية حليف لدى الجزائر الجمهورية الصحراوية حليف لدى باريس نفوذ سطحي ومترهل في الساحل لدى الجزائر نفوذ ثابت متجذر في الساحل فرنسا رائدة في اوروبا الجزائر رائدة في افريقيا ووو لو فقط تعرف الجزائر كيف توظف اوراقها والتي بعضها اكثر تأثيرا على فرنسا من تأثير اوراق باريس على الجزائر مثل ورقة الطاقة وورقة اللغة الفرنسية وورقة الشركاء اوراق ثلاثة للجزائر التفوق فيها على باريس

  • كلمة انصاف

    لا يتم التحرر الكلي دون تحرر اقتصادي ببناء اقتصاد قوي متنوع نظام بنكي قوي و عملة محترمة و معاقبة شديدة ضد الجرائم الاقتصادية, كذلك اهمية التحرر الثقافي في شتى المجالات و في اجهزة الدولة خاصة. مع القضاء او على الاقل التقليل من دور اذناب الاستعمار.

  • جزائري حر

    التحرير بالهدرة لا يجدي نفعا.

  • يوبا الاول

    الحل الانفع والاوحد هو قطع العلاقات كليا مع فرنسا والي الابد لان البديل موجود دوما .
    علي الجزائر تحويل معاملاتها التجارية والديبلوماسية والعسكرية وغيرها من فرنسا الي المانيا والصين وروسيا واليابان وغيرها من الدول .
    نحن نعلم ان ابناء الحركي والخونة الموجودون بالداخل الجزائري وخارجها -المغتربون وغيرهم كذلك -لا يريدون قطع العلاقات نظرا لمصالحهم الشخصية الكبري مع فرنسا
    حان الوقت لتغيير الاتجاه يا جزائر حان الوقت للتخلي عن خبث ومكر وهمجية وانانية فرنسا الارهابية النازية الاجرامية .
    الجزائر اغلي من الجميع والجزائر اولا وقبل كل شيء
    تحيا بلادي الحبيبة جيشا وشعبا وحكومة والمجد لشهدائنا الابرار

  • إسماعيل الجزائري

    عين الصواب ما قلت . . . و قمّة العدل ما اقترحت.

  • طارق

    حلم رائع، وكما يقال ”الذي يتمنى خير من الذي يقطع اللياس”. لا أظن أن يتحقق هذا في ظل الوجوه الحالية.

  • ابن الجبل

    طلبك مرفوض ، وأمنيتك تذهب هباء منثورا يا سي حبيب !.

  • سامي

    و لعل اخطر صراع مع فرنسا الاستعمارية هو الصراع الثقافي و الذي يتجلى في الصراع الفكري و هو في حقيقته استمرار للاستعمار بطرق اخرى اي استمرار للحرب بطرق اكثر ضراوة حينما واش تراها العين المجردة انها حرب خفية

  • Androméda

    اللغة الأمازيغية من صميم الهوية الأمازيغية الأصيلة الممتدة في الجغرافيا التاريخية لشمال إفريقيا ، و تعزيزها له دور فعال في تعزيز الهوية الأصيلة باعتبارها أساس للشخصية الجزائرية ، و مادام الشعب الجزائري أمازيغي الهوية إذن ليس هناك ازدواجية في الانتماء ، إذ أن تربة الأرض الجزائرية ، و الوافدون إليها كلهم اندمجوا في بوتقة واحدة وهي خصوصية الشخصية الجزائرية ذات هوية أمازيغية ضاربة في العمق .

  • ناصر الجزائريّ

    تُسبّبُ الحوادث صدمات نفسيّة و لذا التكفّل النّفسيّ بالمُصاب أكبرُ أهميّة من مُداواة جراحه و ذالك أنّ جراحَ الجسد سرعان ما تندمل و جراحُ النّفوس أعقدُ بكثير ….. أعظمُ خطإ بعد استرجاع السيّادة – 1962 – هو الحُكمُ العسكريّ للشّعب … لماذا ؟؟ (1) احتكر السيّادة و معنى هذا إبقاء الشعب بنفسيّة قُبول الإستعمار فلم يُعالج هذا الجانب منه, و إن بذل القادةُ ما بذلوا للبناء ( لا أتدخّل في النّوايا) فهم بطبيعة نِظام الحُكم لم يُعالجوا سوى جراحُ الجسم و الشعوبُ كالإنسان تماما لا يكفي في تربيّته إشباعُ بطنه فقط … القذّافي رحمه الله كان يُشبٍعُ بطون شعبه … اللهمّ اجعلنا من المُتعظين بغيرهم.

  • said

    تحرير النفوس قيل تحرير الرؤس هو الحل الامثل .

close
close