-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التخزين.. الطريق نحو التمكين

عمار يزلي
  • 877
  • 0
التخزين.. الطريق نحو التمكين

كل العالم صار على دراية تامة بأن التمكُّن من التحكُّم في التخزين هو أحد عوامل التمكين الاقتصادي للأمم والدول. غير أن التخزين يتطلب بدوره القدرة على الإنتاج ومضاعفة المحصول، لتجنّب شح السنوات العجاف مناخا. هذا المناخ الذي اتسع اليوم عقوبات اقتصادية وحظرا وتقويضا للسيادة والأمن الغذائي، بحسب لغة العصر والمناخ السياسي العالمي الجديد المتجدد. وعليه، لا يمكن فصل وفرة الإنتاج عن وفرة التخزين.

هذه القاعدة الاقتصادية نجد أولى إشارات وعلاماتها مجسدة في رؤية ورؤيا النبي يوسف- عليه السلام- بشأن البقرات العجاف السبع والبقرات السمان، وما تبع ذلك من وفرة اقتصادية لسبع سنوات في مصر، والاستفادة الاقتصادية الاستراتيجية من الرؤيا الإلهية، لتمكين سيدنا يوسف وشعب مصر من أن تصبح مصر، وهو على رأس “خزائن الأرض” قوة اقتصادية في المنطقة بلا منازع، في ظل صراع استراتيجي بين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية وقتها، بين بلاد فارس وحضارة ما بين النهرين، وصولا إلى الجنوب مع إمبراطورية الروم. أربع قوى منافسة على السلطة والنفوذ العالمي وقتها، ومصر الفرعونية كانت أحد أهمِّ ركائزها.

بفضل نظرية التخزين والطريقة العلمية في “تحصين” الدولة ضمن حصونها المترامية الأطراف، كانت النتيجة بعد 15 سنة: صارت مصر قوة اقتصادية بفعل وفرة المنتج سنوات الرخاء السبع للسنوات العجاف اللاحقة. تمكّنت الدولة من بسط نفوتها على أقاليمها القريبة والبعيدة، شمالا وجنوبا وشرقا وباتجاه الغرب، ولم تعرف البلاد انتفاضة جوع ولا ثورات خروج عن الطاعة في ظل رخاء اقتصادي في عز الجفاف في كل مناطق الجوار تقريبا، لاسيما شمالا وجنوبا.

طريقة تخزين الحبوب التي نصح النبي يوسف وعمل بها، المتمثلة في تخزين القمح في سنبله، التي تتيح للحبوب علميا أن تخزَّن لفترة طويلة، من دون خشية من الفساد، هو ما جعل سيدنا يوسف يربح رهان التنمية ويتجاوز أزمة الجفاف، بل ويؤسس لقوة اقتصادية، حتى صارت مصر في عهده وفي عهد أخناتون محجَّ التجارة العالمية بالمنطقة، ومجيء إخوة يوسف من شمال مصر، من جنوب فلسطين، حيث منطقة النقب حاليا، إلى مصر للتمون بالحبوب، يؤكد كيف أصبحت مصر في عهد النبي يوسف- عليه السلام- قطب اجتذاب اقتصادي مركزي في المنطقة.

نذكر هذا اليوم، ونحن ننجز أول خطوة في طريق ضمان الاستقلال الاقتصادي عبر تكثيف العملية التنموية في كل المجالات، وفي كل مناطق البلاد المترامية الأطراف، بما فيها جنوبنا الكبير. هذا الجنوب المعطاء، الذي حاول المستعمِر الفرنسي عبر جهازه الأيديولوجي المدرسي ومؤسساته المختلفة أن يغرس في أذهاننا لعقود وأحقاب أن “الصحراء هي أرض قاحلة جرداء ومنطقة جذب وفقر وجفاف دائم لا حياة ممكنة فيها”. هذا ما تعلّمناه من المدرسة الفرنسية، التي واصلت للأسف “غرس” فكرة الجدب الصحراوي فينا إلى اليوم… قبل أن تفجر صحراؤنا عطاءات جناتها من فيض حبوب لم تشهدها الجزائر منذ وجودها جغرافيًّا.

اليوم، ومع التجربة الجديدة التي دشَّنها عهد رئيس الجمهورية في عهدته الأولى، ومع تحقيق هذه الوفرة غير المسبوقة في محصول الزراعات الاستراتيجية، بات علينا أن نعمل على تحقيق الجزء الثاني من عملية التمكين الاقتصادي، المتمثلة في مواكبة وموازاة الحفرة مع الحصن والتحصين: ربح معركة التخزين وتشييد الصوامع وترشيدها وعقلنة النقل والتوزيع. ليس هذا في مجال الحبوب وحده، بل في كل الشُّعب الزراعية.. وهذا ما يحرص رئيس الجمهورية على تحقيقه والوفاء به.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!