-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التدنيس الفرنسي للمقدس

عمار يزلي
  • 1039
  • 2
التدنيس الفرنسي للمقدس

بعد كل محاولات التكسير والهدم والتحطيم لأسس البنية الثقافية الدينية الجزائرية والمغاربية عموميا، شرعت فرنسا الاستعمارية في تدنيس ما لم تتمكن من إزالته، فعمدت إلى التشويه و”التطبيع” مع الثقافة الدخيلة، تماما كما تفعل اليوم القنوات الفضائية الغربية في “تطبيع” صور العري والفجور، وشرب الخمور كيما تبدو فيما بعد أشياء عادية طبيعية.

هكذا بدأت فرنسا تدنيس المقدس بهدف تكسير تلك النظرة للدين وحتى بعض العادات والممارسات التي كانت تراها “متزمِّتة” أمام ضروة “الانفتاح”، هذا الانفتاح الذي لم يكن أكثر من تفسخ وانسلاخ وانفضاح.

الإسلام المرتبط عضويا بالعروبة، كان المستهدَف الرئيس للعمل السياسي الأنثروبولوجي الاستعماري الفرنسي في الشمال الإفريقي، وكل المحاولات لرسم معالم “مغرب بربري” مناهض للعروبة والإسلام، لم يكن في الواقع إلا رسما سيناريوهيا، كانت نتائجه قد أعلنت عن نفسها من موقف المغاربة من “الظهير البربري” سنة 1930، ببروز التيار الديني الإصلاحي سنة 1931، وذلك بالإعلان عن الثالوث الهوياتي: “الجزائر وطننا، الإسلام ديننا، العربية لغتنا”.

في هذا الصدد، نفى “شارل أندري آجرون”، ما أشاعته الأطروحات الاستعمارية عن “عداء البربر” المزعوم للإحتكام إلى قوانين الشريعة الإسلامية وتفضيلهم قوانينهم العرفية عبر كامل التراب المغربي، وأكّد أنّ “.. هذه القبائل مسلمةٌ وبشكل عميق وقد بقوا مرتبطين بعاداتهم المحلية في كل ما يتعلق بالأمور الجزائية التي هي من صلاحيات “القايد” و”الشيوخ”، غير أن الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية تعود كلها للقاضي (الشرعي)” (Ageron، السياسة الكولونيالية. ص:113)

فرنسا المحتلة، عمدت، كما تفعل اليوم، إلى نعت كل ارتباط بالتراث والهوية، دينا كان أو تراثيا لاماديا، على أنه من أشكال رفض الآخر.. الغير، مع أن هذا “التزمُّت” كان شكلا من رفض الاستعمار وليس النصرانية أو حتى اليهودية، فما يسمونه في لغتهم بـ”اللاتسامح” أو “التزمُّت”، لم يكن إلا شكلا من أشكال النفي عن الآخر الجزائري المسلم هويته وانتماءه، تماما مثل ما هي تهمة “معاداة السامية” على أي قول ضد الاحتلال الصهيوني.

الجزائري المسلم، مسالم ومتسامح، انطلاقا من قناعة دينية وأخلاقية إسلامية، يقبل التعايش مع “أهل الكتاب”، كـ”ذمِّيين”، أي باعتبارهم محميين من طرف الدولة المسلمة وعلى ذمتهم، بشرط ألا يتحول هذا “التسامح” إلى تنازل ويتحول المسلم إلى موقع أدنى، انطلاقا من قناعة قرآنية: “.. ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم” (البقرة-120)، فلقب “الرومي” أو “النصارى” أو “اليهودي”، لم يكن يدخل من قبيل اللاتسامح، بل من قبيل التمييز بين المكونات الدينية والأقليات الدينية؛ فكل مسيحي هو غربي، غير عربي. ذلك أن الإسلام عندنا، مرتبط في المخيال الاجتماعي بالعروبة، كما يربط بدوره المسيحية بالغرب “بلاد الروم”. نفس الالتصاق بصفة “النصارى”: كون لقب “النصارى” مرتبط تاريخيا بمدينة الناصرة، وبأنصار السيد المسيح عليه السلام: “.. فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله..” (آل عمران-52)، ولم يكن له أي معنى عنصري أو متطرف بلغة اليوم. لكن التطرف كان في جبهة المحتل الذي أراد أن يمحي الذاكرة والهوية المغاربية والجزائري خاصة.. من الجذور، فخاب الأمل والمسعى.. رغم أنه لا يزال إلى اليوم يمثل تلك “الحيّة التي تسعى”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • فيصل حمادي ليسانس مالية

    وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً

  • خالد بن الوليد

    المشكلة ان فرنسا تركت عملائها وابناء الحركي بالجزائر وفي كل القطاعات يخدمون مصالحها الي الابد . انهم بالسلطة .