-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التربية والتعليم.. والفصام النّكد!

سلطان بركاني
  • 680
  • 0
التربية والتعليم.. والفصام النّكد!

مع بداية الدّخول المدرسيّ من كلّ عام، نفجع بمظاهر وأحوال تدلّ على أنّ الرّبط بين التربية والتعليم في الوسط المدرسيّ، أصبح لا يتجاوز شعارات تزخرف على جدران المؤسّسات التربوية وكلمات تدوّن على اللّوائح المدرسية.. فلا المؤسّسات التربوية أصبحت تهتمّ كثيرا بالأخلاق، ولا حتّى كثيرٌ من الأسر تجعل الاهتمام بها ضمن أولوياتها.. أصبح الهمّ الأكبر لأكثر المديرين والمراقبين لا يتجاوز مراقبة الالتزام بلبس المآزر، وأضحى الأساتذة والمعلّمون يسابقون الزّمن لإتمام المقرّرات التعليمية، وما عاد الهمّ الأكبر لأكثر الأولياء يتجاوز توفير الكراسات والكتب والألبسة الجديدة لأبنائهم!

مع اقتراب موعد الدّخول المدرسيّ، كلّ عام، تكتظّ محلات الألبسة بالأولياء والطّلبة، ويجدها تجار الملابس فرصة العمر لتحقيق وافر الأرباح، ببيع ألبسة لا يهمّهم أن يصدق عليها وصف اللّباس حقيقة، إنّما يهمّهم أن تلقى الرواج بين شباب وفتيات يكفيهم أن يسمعوا بأنّها موضة العام وأنّ الإقبال عليها كبير! ليقع عليها اختيارهم!

نظرة عابرة إلى تلك الألبسة التي تعرض ليقتنيها ويلبسها أبناؤنا التلاميذ والطلبة تصيب القلوب الحية في مقتل، لكأنّنا نعيش وسط مجتمع غربيّ تباع في محلاته ملابس تزري بمرتديها، وأزياء يحار العاقل كيف يقبل إنسان راشد أن يشتريها لنفسه أو لأحد أبنائه أو ذويه! ثمّ كيف لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أنّ دينه يحرّم التشبّه بالكفّار والمنحرفين ويحرّم لبس الضيّق على الرّجل وحرمته على المرأة أشدّ، أن يرتضي لنفسه أو لمن ولاه الله أمره أن يقتني تلك الأزياء المزرية.

هذ المظاهر والأحوال التي نرى عليها أبناءنا وبناتنا في بداية كلّ دخول مدرسيّ، تدمي القلوب خوفا على فلذات أكبادنا وعلى ذخر الأمّة من المنحدر السّحيق الذي ينحدرون فيه.. قصّات وتسريحات غريبة تزداد غرابة عاما بعد عام.. سراويل ممزّقة وضيّقة ومرقّعة.. أمّا لباس كثير من بناتنا التلميذات والطّالبات فهي المحنة التي ما لها من فواق.. في كلّ عام نفجع بموضة جديدة تتهافت عليها بناتنا إلا من رحم الله، وأيّ موضة؟! موضة تزيد بناتنا تبرّجا وانسلاخا، وتلحق بهنّ وبوالديهنّ لعائن الملائكة، وتُحيق بهنّ سخط الخالق سبحانه.. ووالله إنّه لأمر محيّر حقا: لماذا نخضع للموضة بكلّ هذه السّهولة ولا نجرؤ على عرضها للمناقشة؟ لماذا نناقش أحكام الشّرع وأوامر الخالق، لكنّنا عندما يتعلّق الأمر بالموضة والجديد نقول: سمعنا وأطعنا؟ لماذا لا نتساءل: من الذي قرّر أنّ هذا اللّباس الذي غزا الأسواق موضة؟ من الذي اختاره ليكون موضة هذا العام؟ وعلى أيّ أساس اختاره؟ من الذي يروّج له ويرغّب فيه نساءنا وبناتنا؟ ثمّ لماذا ننساق لما يختاره فلان وعلان ويعجب فلانة وعلانة، ولا نهتمّ لما يختاره لنا العليم الخبير ويرضاه لبناتنا وأبنائنا؟

إنّه لمنكر وبيل وعظيم، وليس يصحّ ولا يجوز أبدا أن نرضى به ونسكت عنه.. ثقافة “راهي ما زالها صغيرة.. منها من بنات جيلها.. هذي هي La mode.. هذا هو الزمان.. كول ما يعجبك والبس ما يعجب النّاس”.. هذه الثقافة هي التي أوصلتنا إلى هذا الذي نراه في شوارعنا، وأنستنا قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون))، وقوله سبحانه: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)).

لماذا يا ترى نسمح لبناتنا اللاتي يدرسن في الإكماليات والثانويات والجامعات بأن يخرجن كاسيات عاريات مائلات مميلات؟ لماذا نسمح لهنّ بأن يلبسن السراويل ويخرجن بالفيزوات والبوديات؟ أين ديننا؟ أين رجولتنا؟ أين قوامتنا؟ لماذا نسمح لبناتنا بإسدال شعورهنّ وصبغ وجوههنّ عند خروجهنّ للإكماليات والثانويات والجامعات؟ هل هنّ ذاهبات إلى المدارس لنهل العلم أم إلى صالات الأعراس أم إنّ وجهتهنّ إلى منصّات عرض الأزياء؟ لماذا نسمح للمظاهر بأن تسيطر على قلوب بناتنا؟ لماذا نسمح بكلّ هذا ونحن نعلم أنّ هذه المظاهر تغري شباب الشّوارع بمعاكستهنّ والتشبّب بهنّ؟

كيف لأب يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسمح لابنته بأن تكون غرضا للطّائشين والعابثين من الشّباب؟ كيف لأب يعلم أنّه عمّا قريب سيموت ويحاسب على بيته وزوجته وأبنائه وبناته، يسمح لابنته أن تأخذ بيده إلى النّار وهو الذي يصلّي وربّما يحجّ ويعتمر؟ كيف يسمح لزوجته وبناته بأن يحرمنه ريح الجنّة؟

إنّ أهمّ سبب في هذا التبرّج والعري الفاضح الذي ارتضته كثير من بناتنا هو السّكوت عن المنكر منذ أن يكون صغيرا، حتى يكبر شيئا فشيئا ويصبح كالجبل.. تجد الأب يصلّي ويحمل في قلبه خوفا من الله، ويجتنب المحرّمات قدر الإمكان، لكنّه يُغلب على أمره في بيته، ويرخي أذنيه ويغضّ طرفه، ويسمح لزوجته العاكفة على المسلسلات بأن تصبح هي الآمر النّاهي في البيت، هي من تقرّر وهي من تشتري لبناتها اللّباس، وربّما هي من تحرضهنّ على لبس الضيّق ولبس السراويل والفيزوات بحجّة “منهم من بنات جيلهم”! ترى الأمُّ نساء المسلسلات يلبسن الضيّق ويسدلن شعورهنّ ويخالطن الرّجال من دون تحفّظ ولا حواجز، فيعجبها ذلك، وتسعى في تحريض بناتها على تقليد الممثّلات، وهي لا تدري عن حال أولئك الممثلات ومن أين يؤتى بهنّ ليفسدن بيوت المسلمين، لا تعلم أنّ ما لا يقلّ عن 80 % من نساء السينما والتمثيل هنّ من نساء الملاهي.. ترضى لابنتها أن تقلّد نساء الملاهي، وتلبس مثل لباسهنّ وتتخلّق بأخلاقهنّ وهي التي تقول بلسانها أنّها تؤمن بالله واليوم الآخر!

كثير من الآباء استسلموا للواقع وأصبح الواحد منهم لا يأمر في بيته بمعروف ولا ينهى عن منكر، كأنّه غير معنيّ وغير مسؤول عمّا يحدث في بيته وعن حال زوجته وأبنائه وبناته، بل مع الوقت ربّما يألف المنكرات التي يراها في بيته ويرى عليها أبناءه وبناته، فلا يتحرّك قلبه ولا ينطق لسانه، ويتحوّل إلى شيطان أخرس في بيته مع كلّ أسف، لتتولّى زوجته تدبير أمور البيت صغيرها وكبيرها وفق ما تراه في المسلسلات، لتصبح الفنانات والممثلات هنّ القدوات للبنات في لباسهنّ وأخلاقهنّ، ويصبح مغنّو الراب واللاعبون هم قدوات الأبناء في لباسهم وتسريحات شعورهم وحتى في أخلاقهم وتصرّفاتهم.

لقد أفسدت المسلسلات قناعات كثير من النّساء والفتيات اللاتي أصبحن ينظرن إلى الحجاب الواسع السّاتر على أنّه علامة على التخلّف والفقر، وأنّ الفتاة التي تلبس الحجاب الواسع هي فتاة تريد إخفاء دمامتها أو لا تجد المال الكافي لشراء السراويل والفساتين الغالية.. لقد أنست المسلسلات نساء وبنات كثير من المسلمين أنّ الحجاب دين وطاعة لله، وشعار تخاطب به المسلمة كلّ من هم حولها أنّها ليست للعبث واللعب.

إنّها مسؤولية عظيمة وخطيرة.. من كان في بيته ولد لا يصلّي ويصرّ على لبس السراويل المقطّعة والمزرية وعلى القصّات والتسريحات الغريبة، فإنّه في محنة عظيمة، ويفترض في حقّه (أي الأب) أن يقوم بالليل يبكي ويدعو الله أن يصلح ولده، ولا يملّ أبدا من نصح ولده وتذكيره بالنّهار.. ومن كانت له ابنة بالغة ترفض لبس الحجاب أو تتلاعب بحجابها، فهو أيضا في محنة عظيمة وبلاء شديد، ويفترض في حقّه أن يبيت الليل باكيا بين يدي الله يدعوه بهداية وإصلاح ابنته حتى لا تكون سببا في هلاكه في الآخرة، ويظلّ بالنّهار يأمر وينهى ويذكّر ويعظ حتّى لا يحسّ أهل البيت بأنّه راض وموافق على المنكر.

المعلّمون والأساتذة، كذلك، مطالبون بالتحرّك لوقف هذا الانحدار.. فيا إخواننا وتاج رؤوسنا الأساتذة والمعلّمين، لا تنسوا أنّ رسالتكم هي التربية قبل التعليم والتأديب قبل الشّرح والتوضيح.. عشرُ دقائق كلّ أسبوع تُسمعون فيها تلامذتكم كلمات طيّبة ناصحة مشفقة بأسلوب ليّن وحانٍ، قد تفعل بإذن الله فعلها في نفوسهم، خاصّة إذا كانت تخاطب العقول والقلوب، وتعطي نماذج عن اهتمام الناجحين بالأخلاق، لتهدم ما تبنيه المسلسلات من قناعات زائفة.

وأنتم إخواننا التجار؛ تجّار الملابس، اتّقوا الله في أبناء وبنات المسلمين، وكفاكم بالله عليكم ترخّصا وتهاونا واتباعا لما يطلبه الزّبائن أو لما يستورده كبار التجار اللاهثين خلف الأرباح.. اتقوا الله ولا تبيعوا ما يزيد بنات المسلمين تهتكا وسفورا.. ربح قليل من الحلال، خير من أرباح طائلة من الحرام.. يقول الله تعالى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب)).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!