-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التغيير.. هل وصل محطة النهاية؟

التغيير.. هل وصل محطة النهاية؟

بطيّ موعد الاستحقاق المحلّي تستكمل الجزائر مسار البناء المؤسساتي الجديد المنبثق عن حراك 22 فبراير 2019، لتنطلق نحو آفاق جديدة من التغيير الهادئ، أو على الأقل ذلك ما نتمناه، وتفتح طريقها نحو أولويات التنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين في كل المجالات.

لا يمكن الإدعاء بأنّ الانتخابات منذ رئاسيات 12 ديسمبر إلى محليات 27 نوفمبر، مرورا بالاستفتاء الدستوري والبرلمانيات، كانت شفافة ومثاليّة وفق معايير الديمقراطيات العريقة، لكن الإنكار بأن لا شيء تحقق في الاتجاه الصحيح قول يرقى إلى منزلة الجحود السياسي، وعلينا الاقتناع الجماعي بأنّ التغيير عملية متكاملة، يتداخل فيها مستوى الإرادة السياسية مع عمق الثقافة الاجتماعية وجاهزيّة النخب للانتقال الديمقراطي.

لذلك سنعتبر ما تحقق حتى الآن على طريق الإصلاح العام والتطهير الانتخابي على وجه الخصوص، مع كل المؤاخذات والانحرافات المحدودة، سنعتبره مكاسب أساسيّة ينبغي تثمينها والبناء عليها في تجاوز الأخطاء والنقائص، لأنّ الأهم مرحليّا، وفي ظل رهانات داخلية وإقليمية كثيرة، قد يكون امتلاك هيئات تمثيلية وطنيّا ومحليّا في حد ذاتها، ومهما كانت الانتقادات الموجهة إليها، على أن يتواصل العمل الرسمي والنضالي المدني لتجذير التغيير، ثقافة وممارسة، في كافة المستويات ومن جميع الأطراف.

إنّ ما ينبغي الانتباه إليه الآن هو أنّ التجديد المؤسساتي، على أهميته في ضمان الاستقرار للدولة بتجنيبها حالة الفراغ والفوضى، يبقى عمليّا المحطة الأولى في مسار التغيير المنشود، حيث العبرة في النهاية بمخرجات تلك الهيئات المنتخبة وفق تطلعات الشعب.

 لذلك لا معنى للتجديد المؤسساتي إذا لم نُصلح ممارسات المنتخب من أعلى مستوى إلى أدناه، لأنّ المطلوب هو تغيير الجواهر قبل الواجهات، وإحداث القطيعة مع السلوكات البالية بتكريس المجالس المنتخبة في خدمة المواطن والتنمية المحليّة.

إنّ المواطن مسؤول عن خياراته الشخصية والجماعيّة، سواء من آثر التصويت أو الامتناع، وعليه مواصلة تحمّل مسؤولياته في مرافقة المجالس البلدية والولائية، لمراقبتها في تنفيذ الالتزامات ومحاسبتها على كل التعهدات الانتخابية، خاصة عن طريق تفعيل دور المجتمع المدني.

لقد أقرّ رئيس الجمهورية بمحدودية صلاحيات البلديات ضمن دوائر صناعة القرار التنموي وإنجازه، والمرتقب من تعديلات قانون البلدية والولاية هو تعزيز سلطات المنتخب، بما يحقق مبادئ التنافسيّة والمكافأة وفق الأداء، حتى يتسنّى للمجالس المحليّة تلبية حاجيات سكانها وفق الخصوصية المناطقيّة ونتائج عملها الميداني.

إنّ التفرغ من المواعيد الانتخابية، وهي صفحة طويناها بكل محاسنها ومساوئها، يضع الجزائريين بكل قواهم أمام رهانات أخرى أكثر أهميّة من حيث الخطورة والاستعجال، ويبرز بهذا الصدد إنجاز الانتقال الاقتصادي ومجابهة التحديات الإقليمية.

لقد رسم رئيس الجمهورية الأولويات بوضوح، بإعلانه مخطط الإنعاش الاقتصادي ثمّ تعيين “رجل مالية” على رأس الوزارة الأولى، لأنّ تبعية الخزينة العمومية لموارد الريع النفطي ظلت نقطة ضعف ملازمة لوضع الدولة الوطنية منذ الاستقلال، وحان الوقت لتصحيح الاختلالات الكبرى، بالتوجه تدريجيا نحو اقتصاد عصري ومتوازن، ولعلّ التركيز على قطاعات الرقمنة والابتكار والذكاء الاصطناعي والصيرفة الإسلاميّة والمؤسسات الناشئة والتطوير الفلاحي نحو شعب زراعيّة استراتيجية والصناعة الصيدلانيّة وتحفيز الصادرات خارج المحروقات ومراجعة آليات الدعم الاجتماعي التقليدي وغيرها من المبادرات من بوادر التحوّل الإيجابي، وعلى السلطة التنفيذية الاستمرار في خطتها الطموحة بنفس الشغف والجديّة بعيدا عن حسابات السوق النفطية المتقلبة.

أمّا تحديات بلادنا في محيطها الإقليمي، ومقارباتها في السياسة الخارجية بشكل عام، فهي محلّ إجماع بين الجزائريين، ولا شك أنّ هذا من عوامل التلاحم الوطني التي وجب الاستثمار فيها، لتمتين الجبهة الداخلية، باعتبارها صمام الأمان الأول في ردّ المخاطر الخارجية.

على الجزائريين الإدراك بأنّ تركة الماضي بتراكمات الفساد وقصور التسيير تشكل اليوم عقبة كبيرة أمام الإصلاح، كما أنّ أحلامهم في اللحاق بالعالم المتحول بشكل خيالي على مشروعيتها تبقى محفوفة بالعوائق الكثيرة، لذلك لا خيار أمامهم سوى تجميع كافة قواهم الوطنية عبر تكريس التوافق على أوسع نطاق ممكن حول مشروع الإصلاح الوطني بكلّ أبعاده وتجنيد المجتمع وراءه، بانخراط مؤسسات الدولة والطبقة السياسيّة والنخبة الثقافية والإعلاميّة، حتى نصل بالجزائر إلى شاطئ التغيير الآمن الذي ينطلق قطاره للتوّ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!