-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التنمية المحلية وتأثرها بعدم استقرار السياسات الاقتصادية

محمد شيدخ
  • 263
  • 1
التنمية المحلية وتأثرها بعدم استقرار السياسات الاقتصادية

إذا كان الاستقرار السياسي في السابق مرتبط اساسا بالمحافظة على كيان الدولة ووجودها، فإنه في الوقت الحالي يشمل كل مناحي الحياة جراء توسع مفهومه وآثاره، سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية، إذ كانت علاقة الاستقرار السياسي بالتنمية المستدامة علاقة تكاملية بحتة، لأن استقرار السياسات الاقتصادية شرط ضروري لتحقيق النمو الشامل في إطار حوكمة رشيدة تسعى لتنفيذ البرامج بعقلانية وإشباع عادل لحاجيات المواطنين، فكان العمل على المطالبة بإصلاح السياسات والنظم الإدارية في مجالات التنمية الاقتصادية المحلية محرّك كل مشروع وبرنامج نهضوي واعد، على اعتبار أنه لا حديث اليوم عن السياسة بعيدا عن الاقتصاديات، ولا يمكن تجسيد أي نمط سياسي مهما كان دون مراعاة الجوانب الاقتصادية للدولة، لأن الاقتصاد السياسي يدرس الإنتاج والتجارة وعلاقتهما بالقانون والعادات وتوجّه الحكومة ويسمح بالانزلاق النمطي نحو سياسة اقتصادية محلية في إطار جهوي يراعي خصوصيات المنطقة وتطلعات ساكنيها وأولوياتهم وفق طابع المنطقة واحتياجاتها.

قد يحتاج تحقيق ذلك إلى تمكين وتكريس الديمقراطية الحقيقية وتدعيم وتأهيل الكفاءة محليا مع تحرير الطاقات الفاعلة وخلق آليات لمرافقة المبدعين والمتميزين وتشجيعهم قصد تأسيس قاعدة معرفية واسعة تكون اللبنة الأساسية لسلسلة الابتكار والإبداع الملازمين لعملية التنمية الشاملة محليا وجهويا ثم وطنيا، ولنا في أدبيات الاقتصاد ودراساته تجارب لبعض الدول والتي أطلقت مبادرات تنموية محلية شاملة في إطار ما أطلق عليه اسم “مدن التغيير” بإطلاق حوار شامل مع الفاعلين وكل أطياف المجتمع المدني وكذا كل النشطاء الاقتصاديين والاجتماعيين في المدينة أو البلدية لأجل خلق الثروة وتحريك عجلة التنمية المحلية بتوفير فرص العمل وتطوير الإنتاج، وقد نسميها عندنا “مدن التنمية” ونسعى إلى ترتيبها وفق تخطيط استراتيجي محكم عبر مراحل وتنظيمات ملائمة من خلال تنظيم الجهود عبر انشاء مجلس المدينة داخل هيئات المجلس البلدي كترتيب مؤسساتي استثنائي لتوحيد الجهود وجمع الشمل وتوجيهه نحو عمل ونشاط عمومي اقتصادي خاص وعام تتجلى من خلاله مهارات وخبرات أبناء البلدية وتتبلور فيه رؤية مشتركة لبلوغ أهداف التنمية، تليها عملية تقييم الاقتصاديات المحلية للتعرف على خصائص الاقتصاد المحلي ثم تحديد إستراتيجية ملائمة وبعدها يتم إعداد هذه الإستراتيجية وبلوغ منهج متكامل للتخطيط مع المرور إلى تنفيذ محاور وخطوات العملية كاملة، وتكون المراقبة هي النقطة المحورية للتأكد من سلامة الإستراتيجية ومدى احترام نصوصها.

إن استلهام خطة مدروسة بعد الاسترشاد بالتجارب الجديدة لاقتصاديات دول التحوّل والدول النامية وتجارب أمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي ومن شبكة “مدن التغيير” لدول الخليج لهي أفضل طريق موضوعي وعلمي لتحقيق نقلة نوعية في اطار التنمية المحلية التشاركية الشاملة، إذ نأمل في هذا الصدد ان يعمل الشركاء من القطاع العام والخاص والحكومة من خلال الإدارة المحلية وكل النشطاء بشكل جماعي تفاعلي ومتكامل من اجل توفير ظروف أفضل لبلوغ النمو الاقتصادي المقصود وخلق الثروة وفرص العمل محليا حيث تكون الإدارات والمؤسسات العمومية المحلية قادرة على التكيف مع آليات اقتصاد السوق الديناميكي على المستوى المحلي من خلال جلب وجذب الاستثمار والمستثمرين وتوليد الاستثمارات والحفاظ عليها.

إن خلق شراكة سلسة بين مختلف القطاعات هو تدعيم للحوكمة المحلية الراشدة. وعلى هذا الأساس يكون طلب تكييف وإصلاح السياسة الاقتصادية الكلية والاصلاحات المالية النقدية بما يتلاءم والتطلعات المحلية أكثر من ضرورة، فلا يمكن تغافل دور العوامل الخاصة والبنية التحتية أو الخدمات الاساسية لأنها الوحيدة التي تحدد الى درجة كبيرة الميزة النسبية الخاصة بالمجتمع، إذ تشكل كفاءة وحجم هذه البنية والخدمات حجر الزاوية في الاقتصاد المحلي الناجح مثل توسيع شبكات الكهرباء والغاز، تدعيم وسائل النقل المختلفة، تحديث وسائل المواصلات بشتى أشكالها وضمان التزوّد بالماء مع جرد كل الأراضي التي يمكن تطويرُها واستغلالها.. إلى غير ذلك من توفير دائم لكل الهياكل الضرورية تحقيقا للنقلة المرجوة في المرور من القلة والندرة إلى الكثرة والوفرة. إن التحوّلات السياسية والاقتصادية العميقة والمتميزة والتي كان على رأسها الانتقال من اشكال الحكم التسلطي إلى الديمقراطية الحقيقية والمرور السلس من الاقتصاد المسيَّر والمركزي إلى الاقتصاد الذي تحكمه قواعد السوق وتنافسية القطاع الخاص والانفتاح على التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي وتنفرد الدولة بمهام التخطيط والتوجيه والتطوير والحماية والمراقبة.

إن استقرار الخيارات الاقتصادية يسمح ببلوغ وتحقيق الأهداف على مستوى كل البرامج سواء أكانت ذات مدى قريب أو على مستوى المدى البعيد، ما يسمح بضمان قوة ونجاعة المشاريع وديمومتها، ويتجلى ذلك محليا على مستوى فاعلية المبادرات والنشاطات التنموية المحلية بتحقيق ثباتها وتطورها، مع العلم أن التغيير نحو الأحسن لا يمكن أن يكون إلا مشروعا ثقافيا بعيدا عما سماه المفكر مالك بن نبي رحمه الله عن الاقتصادانية ( تجميع كل مشكلات الأمة في البعد الاقتصادي)، وأرجع الاهتمام بكيفية التعاطي النفسي والفكري مع الأشياء فيقول إن المانيا لما انقسمت في الستينيات من القرن الماضي الى دولتين لكل منهما نظام سياسي مستقل واقتصادي مختلف لكنهما حافظتا على الفاعلية الاجتماعية الالمانية بكل سماتها الثقافية الموحدة والتي أضاءت الطريق أمام الالمانيتين لكي تنجحا اقتصاديّا، ونحن اليوم نعول على دور المجتمع المدني كحاضنة لمشروع السلطة الجديدة في بُعده السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تحريك التنمية المحلية بالتشارك الايجابي مع الإدارة المحلية بخلق دوافع ومحفزات وفق منظومة فكرية معرفية تعبّر عن موقف وطموح المجتمع في تحقيق النجاعة والبحبوحة في إطار المصلحة العامة بعنوان التشاركية ومحاربة الفساد وفق عملية اصلاحية تحركها دوافع نفسية خاضعة لآليات التفكير والتوجّه العقلي حسب مقتضيات وحاجيات المجتمع محليا قوامها تحديد وتركيز الجهود على هدف واحد في وقت واحد لما له من فاعلية حسب علماء النفس الاجتماعي، لأن تحقيق الهدف الأول يفسح المجال مشجعا على انجازات أخرى مع مقاومة الاندفاع والتهور ومحاربة الارضاء النفسي الذات والفوري في الوصول الى الأهداف بتحكيم التريث والصبر، وهذا جزءٌ من قاعدة الانطلاق الحضاري لمالك بن نبي من خلال تحديد اللزوميات الشرطية في عملية البناء الحضاري الذي يتحقق في ظل إصلاح عامّ تؤسس له الفكرة الدينية والقيم الأخلاقية التي تؤلف الانسجام بين العناصر المكوِّنة للحضارة المنتِجة بدل حضارة التكديس والاستهلاك.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • يوغرطة

    الخيار الاقتصادي الياباني الماليزي هو الافضل والانجع والانفع لحالة الجزائر انه الطريق الوحيد لخروج الجزائر من ازماتها المتكررة منذ الاستقلال . الحل هو الخيار الياباني الماليزي للجزائر والانسب واسرع تنفيذا