-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التهكُّم لمقاومة الانتهاك

عمار يزلي
  • 482
  • 1
التهكُّم لمقاومة الانتهاك

المقاومة التي انتهجها الشعب الجزائري ونخبُه الثقافية، ضد المحتل، خاصة ما بعد الحربين العالميتين، كانت حدَّتها تفوق كل أشكال المقاومة الثقافية والرمزية منذ 1871.

هذه المرة، ستعمل المدرسة الفرنسية والإصلاحية معا على إنتاج نخب من المثقفين والعلماء ممن سيعملون على حشد القلم لمواجهة البندقية الفرنسية.. كل الأساليب الثقافية استُعمِلت: ترسانة من المهام والآليات والأدوات، آخرها كان التهكُّم والسخرية التي لم تكن تقلُّ أهمية عن الجدية في تحطيم صنم الاستعمار الكلسي الترابي.

نجد هذا عند معظم الكتَّاب والأدباء والعلماء ولو لم يظهروا أنهم كذلك.

الإبراهيمي، يمثل النموذج الأكبر لذلك؛ إذ أننا نجده يوظف كل الأدوات والأساليب البلاغية بما فيها البلاغة القرآنية وأسلوبه ولغته كأداة لشيطنة الاستعمار من دون أن يعني ذاك المساس بقدسية الآية والقرآن الكريم، فهو يقترض الأسلوب لتكسير الاستعمار لا لتكسير القرآن الكريم، كما في هذا العنوان: “إبليس يأمر بالمعروف” (البصائر. 144/ 1951)، إذ يستهل مقاله بما يلي: “.. ليس من أبواب السخرية بالإسلام، أسمج من هذه الفصول السخيفة التي تقوم بتمثيلها السياسةُ الفرنسية في شمال إفريقيا..”. (عيون البصائر. ص467). الإبراهيمي هنا، يفسر قلب “صورة السورة” والآية التي قد تُقرأ من باب السخرية بالإسلام، فيعتذر، لأنه لم يجد صورة أبلغ من هذه “المسرحية ـ المسْخرة” التي تمثلها “السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا كلها”. يأتي هذا ردّا على من اتهموه بالسخرية من الإسلام من خصومه السياسيين و”الايكليرجية الإسلامية” كما كان يلقّبها، بعد مقاله: “إبليس ينهي عن المنكر” (البصائر.143/1951).

العنوان الذي يطبع به النص الأدبي أو الصحفي، يشكل في واقع الأمر عصارة النص ونصا مقطرا. التكثيف الصوري، عليه أن يُغنِي عن النص بكامله أحيانا أو أن يجمِّله كله في لفظتين أو ثلاث، فإذا كان العنوان مقتبسا من صورة جاهزة ومرسومة لدى المتلقي: حكمة أو مثل، لقب أو واقعة تراثية – تاريخية، صور شعرية من قصيدة مشهورة، حديث نبوي، سورة قرآنية.. إلخ.. فإنها تستنفر عدة صور أخرى لدى المتلقِّي المتمكِّن من التقاط وتفسير الشيفرة. في هذه الحالة، يعمد الناصّ إلى اعتماد الصورة الإيحائية في النص المرجعي، ليقدِّمها مبتورة على قاعدة إملاء الفراغ، كما في هذا العنوان: .. وشهد شاهد.. (البصائر. 177/1951)، والذي جاء عنوانا فرعيا لعنوان رئيسي: “شهادة الشيخ ببرك على رجال الدين”.

الإبراهيمي هنا، وحتى لا يسقط في التصريح والمباشرة، عمد إلى بتر الصورة بغرض إقحام المتلقِّي في رسم الصورة معه وتوريطه في العملية الإبداعية، التي هي تعبيرٌ عن الموقف، فهو يدرك أن هذه الصورة مخزَّنة وموجودة في مدوّنة المتلقي العادي، لأنها موجودة في سورة يوسف في حادثة امرأة العزيز (يوسف.26-27). تعبير النسبة في: من أهلها، له دلالة سيميولوجية أخرى مفادها أن شهادة ببرك، والذي لقّبه بـ”الشيخ” ووضح كلمة الشيخ بين هلالين، سخرية من اعتباره مسيحيا فرنسيا مكلفا بأوقاف المسلمين وشؤونه الدينية والاجتماعية! تورط هؤلاء الأئمة الموظفين، باعتبارهم موظفين تحث إمرته، وبالتالي فهم منه طبقا لقاعدة الحديث النبوي: من عاشر قوما أربعين يوما صار منهم، وبتطبيق القاعدة الفرنسية: قل لي من تعاشر أقول لك من أنت. فهو إذن شاهدٌ من أهلها. هذا المحمول الدلالي في عنوان من كلمتين، إنما يحمله المخزون الدلالي في الصورة القرآنية ذاتها. إذا كان بالإمكان ألا يكون للعبارة أي وقع وأي ثقل لو لم تكن مرتبطة بصورة مسبقة: صورة قدسية منزَّهة بالأساس.

هكذا، كل الأسلحة كانت قد أعِدّت وجُهّزت قبل أن “تقطع جهيزة قول كل خطيب” سنة 54.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • خالد بن الوليد

    فرنسا الارهابية النازية الفاشية الفظيعة