الثلاثاء 16 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 14 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 17:05
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

الجرّاح والبرّاح

ح.م
  • ---
  • 14

في سنة 1999 المشؤومة على الجزائر والجزائريين، وبمناسبة الاستعدادات لأكذوبة “الانتخابات” الرئاسية، المعروفة النتائج قبل إجرائها، التقيت أحد الأصدقاء فخضنا في حديث المترشحين للرئاسة و”المرشّح” لها.

سألني صديقي – “وبراءة الأطفال في عينيه” – كما يقول نزار قباني في قصيدته “لا تكذبي”، سألني عن الرفق بين الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وبين أحد “السياسيين”. أجبت صديقي على الفور ودون إنعام تفكير، معتمدا على ما أعرفه عن الإثنين:

الفرق بينهما كالفرق بين “الجرّاح” و”البرّاح”.

تبسم صديقي ضاحكا من قولي، وطلب مني أن أوضح له جوابي..

فقلت له: إن ميزة “الجرّاح الأولى هي “العلم”، وكفى به ميزة ونعمة، حتى إن الله – سبحانه وتعالى- سمى ذاته “العليم”، ووصف نفسه بـ”العلم”، و”الجرّاح” لا يعمل – في الظروف العادية – إلا في بيئة نظيفة، وفي مكان معقّم، لأنه في مهمة إنقاذ حياة، ويحتاج إلى هدوء تام، ويساعده أطباء مثله، في عدة اختصاصات، مع ممرضين وممرضات مؤهلين ومؤهلات.. وقبل ذلك فالجرّاح لا يباشر العمل إلا بعد فحوصات والقيام بتحاليل، والتقاط صور..

وأما “البرّاح” فلا يحتاج إلا إلى حنجرة قوية، وصوت جهير، وبندير كبير، للفت الأنظار إليه، وهو لا يعمل إلا في الأسواق، حيث الغبار المتطاير، والأصوات العالية من البائعين والمشترين، والذباب من جميع الأصناف، والأوساخ المتراكمة، والروائح القذرة.. وهو لا يحتاج إلى مساعدين.. فضحك صاحبي وافترقنا..

ومنذ عدة أيام التقيت هذا الصديق، فتجاذبنا أطراف الحديث، الذي كان محوره هو هذا “الحراك” المبارك، الذي زلزل عروض الطغاة، والفاسدين، والمفسدين، والمرتشين، والغشاشين، والسارقين، وقذف في قلوبهم الرعب، وأطار النوم من عيونهم فلا ينامون إلا بالمنوّمات، وألقى بعضهم في السجن، ونطمع أن يزيد..

ثم قال لي صديقي، وهو يرسم ابتسامة على شفتيه: إن الدكتور طالب صار “مطلوبا”، وأسرع إلى القول إنه ليس مطلوبا للتحقيق فما عهدناه من اللصوص والظالمين، ولكنه “مطلوب” من أغلب الجزائريين، وعلى المباشر لإخراج الجزائر من “الدهليز” الذي أدخلها فيه من حسبه السفهاء أنه “رسول”، وظن نفسه أنه لم يخلق ولن يخلق مثله في البلاد..

قلت لصديقي: إن الدكتور أعلم منك ومني، وأعرف بظواهر الأمور وخوافيها، ولا أود له أن يتحمل تنظيف عشرين سنة من القذارات التي لا ينظفها حتى نهر “ألفيه” (Alphee)، الذي استعمل في تنظيف “اسطبلات أوجياس” (les écuries d’Augias) كما تقول الأسطورة الإغريقية.. لأن القوم أفسدوا كل شيء في الجزائر … فحسبنا الله فيهم..

مقالات ذات صلة

  • الرهان على الزوج "النوفمبري الباديسي"

    بكل أمانة وموضوعية، فإن إدارة السلطة الفعلية للأزمة باتت تفرض علينا قدرا من الاحترام والتقدير، سواء من جهة قدرتها على استيعاب حَراك شعبي غير مسبوق،…

    • 1554
    • 18
  • مقامات الأدب مع الله عند الإمام ابن باديس

    ظهرت يقظة المصلحين ورجال العلم في الجزائر، كما ظهرت طبقة من المثقفين يؤمنون بضرورة الإصلاح الديني الشامل بوصفه الأساس في بناء الدولة والعمران، فأدى ذلك…

    • 388
    • 0
14 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close