الجزائر.. الحراك والإعلام ومال الفساد والدستور – الشروق أونلاين
الأربعاء 22 ماي 2019 م, الموافق لـ 18 رمضان 1440 هـ آخر تحديث 14:47
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

الجزائر.. الحراك والإعلام ومال الفساد والدستور

ح.م
  • ---
  • 0

في “الحراك” لا فصل بين البعدين الوطني والديمقراطي. لقد انقطعت أنفاس الثورات الوطنية في القرن الماضي لاسيما في العالم العربي (وكذلك الثورات الاشتراكية) وبلغت حدودها شيئا فشيئا بسبب افتقارها للبعد الديمقراطي: ثورات من الأعلى، للشعب لكن من دون الشعب، بيروقراطية وتسلطية أو دكتاتورية بالتدريج.

فانتهت بانتفاضات أعوام 1980 في البلدان الاشتراكية سابقا وانتفاضات 2011 في البلدان العربية؛ كما أنها أطلقت ما يشبه سلسلة من ردود الأفعال عبر العالم وصلت إلى عدد من البلدان الغربية، منها فرنسا مؤخرا من خلال المطالبة بديمقراطية جديدة.

في الجزائر، وقع كل هذا بين أكتوبر 1988 وفبراير 2019. ويظهر الحراك على درجة أعلى من الوعي الوطني نتيجة تبني هذا الوعي للبعد الديمقراطي وكأنه تغذى في صمت من كل أوجه التجربة التاريخية السابقة في الجزائر وفي العالم. الحراك ينشد الديمقراطية المباشرة على غرار الحركة الديمقراطية الأوربية ويستند، في نفس الوقت، إلى ميراث النضالات ضد الاستعمار ومن أجل التحرر الوطني، إلى مثل نوفمبر 54 واحترام رسالة الشهداء.

يحدث هذا وكأنه استئنافٌ للعمل المتروك جانبا في 1962 لكي يستكمل. ها هي الشبيبة، التي قال عنها البعض متسرعا ومعوضا الواقع بأمانيه، بأنها “طوت صفحة” حرب الاستقلال، ها هي تعرب عن وفائها للشهداء وعن تقديرها للمجاهدين.

أما أولئك الذين يقولون لها بإلحاح مريب بأن الجزائر “لم تحقق شيئا منذ 1962″، فإنهم لم يلقوا عندها آذانا صاغية لسببين. أولا لأن هذا الكلام غير صحيح، بالطبع، ثم لأن مثل هذه الطريقة في التفكير طريقة اختزالية: إنها تختزل بالفعل حياة شعب بأكمله، حياة بلاد بأكملها طوال مدة تقارب 60 سنة، تختزلها في حياة السلطات المتعاقبة.

والحال أن جزائر اليوم هي، قبل كل شيء، نتاج عمل الجزائريين وتضحياتهم. ثانيا لم تصغ لهم الشبيبة لأن التحرر من الاستعمار هو بحد ذاته وأيضا من الناحية التاريخية عامل إطلاق للتقدُّم، بغضِّ النظر عن تقلبات الحياة السياسية. وعليه، قد يكون ذلك الخطاب مجرد ستار يخفي، في الواقع، محاولات غير صريحة لإعادة الاعتبارلأكبر جريمة ضد الإنسانية عبر اللحن المعروف “قبل 1962 كنا أحسن حالا”.

ظاهرة الأعلام

تتمثل واحدة من السمات المميزة للحركة الديمقراطية الشعبية الحالية، في الجزائر، في الرفض القوي – قوة تثير الدهشة- للنفوذ الاستعماري الفرنسي بمختلف أشكاله (الثقافي والاقتصادي والسياسي) وللقوى السياسية التي يظن أنها تقوم مقامه.

يبدو الوعي الوطني الآن كأنه تعمَّق. يظهر هذا أولا من خلال مشهد الوحدة الوطنية، وحدة لم تتوطد فحسب وإنما أخذت بالنتيجة بعدا آخر، أكثر جاذبية وأكثر حداثة. هكذا نشاهد العَلم، الذي يرمز للأمازيغية، وسط الغابة الكثيفة من الأعلام الوطنية وهو يرفرف بجانبها بصورة طبيعية، كما نشاهد متظاهرين يتدثرون بالعلمين معا..

كيف حوَّلنا هذا إلى مشكلة؟ أمَّا الحراك كحركة تاريخية، فقد سوَّى المشكلة عمليا ضمن فعاليته التاريخية وبعيدا عن كافة الجدالات النظرية والإيديولوجية. نقطة أخرى: شاهدنا، في نفس الوقت وفي كل المسيرات عبر ربوع الوطن، العَلم الفلسطيني خافقا فوق الرؤوس، تعبيرا عن المكوّن الآخر للهوية الجزائرية. هنا أيضا الرسالة واضحة، لا لبس فيها.

بالإضافة إلى ذلك، اغتنى الوعي الوطني ببُعد جديد قد نسمِّيه بالبعد المحسوس، الفضائي، ونقصد منه الوعي بوطن، ببلد نعرف اليوم من خلال ارتياد الطرق السيارة التي تجوبه، كاشفة عن مناظر شاملة وخلابة، كم هو واسع وجميل، جمال وسِعة أكبر بلدان العالم، بلد نفتخر به.

يتنسَّم المجتمع الجزائري حاليا ريحا من التفاؤل، من الثقة بالنفس. فحتى أولئك الذين كانوا يقولون، قبل بضعة أسابيع فقط، بأن لا مستوى للشباب، يفصحون اليوم عن إعجابهم بهم، بمستوى وعيهم. نفس الأشخاص الذين كانوا يقولون بأننا لم ننتج خلال 60 عاما سوى “أمِّيين بثلاث لغات”، ينوِّهون الآن بثراء مواردنا البشرية وبالمستوى المرتفع لطلبتنا. الحمد لله.

التاريخ يزخر بالتناقضات. لقد نتج عن أزمة العهدة الخامسة لرئاسة الجمهورية توطيدُ وحدة الشعب الجزائري. وقد نقرأ الأحسن أو الأسوأ في الأعوام التي سبقتها: الفرز والحكم للمستقبل. إلا أن عددا كبيرا من الناس كانوا يقولون إن الحكم في الجزائر حكمٌ عسكري وبأنه ليس لرئاسة الجمهورية سوى أهمية ثانوية. وها نحن اليوم نلاحظ أن رئاسة الجمهورية تقع في قلب صراعات حادة، وتظهر كما لم يسبق أبدا أن ظهرت على أنها موقع يرهن مصير مستقبل البلاد. إنه دليل لا شك فيه على أن الفترة السابقة أفضت في النهاية، عبر دروب يحفظ التاريخ سرها، إلى رئاسة مدنية.

مال الفساد

هناك نقطة من النقاط المميزة للحراك تتعلق بإدانة “مال الفساد” وبالفساد. إن هذا المطلب المتعلق بإضفاء البُعد الأخلاقي على الحياة السياسية هو مطلبٌ مشترك بين كافة الحركات الديمقراطية الحالية في العالم، مثل “السترات الصفراء” بفرنسا وحركات الاحتجاج الحالية في أوكرانيا وصربيا (حيث المظاهرات جارية منذ ثلاثة أشهر). إنه أحد مكوّنات الديمقراطية الجديدة في كل مكان. هذا المطلب كان مطروحا على الدوام، هذا صحيح، لكن نمو اقتصاد السوق وانتصاره إلى حد الساعة بلا منازع في العالم بأسره، يجعلان اليوم أكثر من أي وقت مضى الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة ضرورة ملحَّة، ضرورة تنمية دولة القانون إذن على نحو جديد وأوسع حتى تتمكن من أداء دورها في الديمقراطية الاجتماعية، بمعنى إعادة توزيع الثروات وتقليص أشكال اللامساواة الاجتماعية. هذا ما توصلت إليه البلدان الاسكندينافية بدرجة أحسن من غيرها ويفسِّر إيجابية صورتها لدى الرأي العام.

شرعت العدالة في مباشرة تحقيقات تخصُّ عددا من رجال الأعمال الجزائريين. ويُعتقد بأن هذه التحقيقات سوف تسمح بتسليط الضوء على مسألة الفساد، ولاسيما التمييز بين الصحيح والخاطئ، بين الوهم والواقع، في ظل جوٍّ تتفوق فيه، في أحيان كثيرة، الأهواء والإشاعة بل وحتى روح الانتقام، على الروح النقدية والعقلانية. هكذا يتقدم التاريخ إلى الأمام، لا على نحو مثالي، كما نحلم بذلك دائما، ولكن في خضم التوتر المُرافق للصراعات وتناقض المصالح السياسية والاجتماعية، والحسابات والألاعيب الناجمة عنها وكذا الدوافع والطموحات المختلفة. أما الحاصل النهائي فهو دائما، حسب إنجلس، شيء ساهم فيه الجميع ولكن “لا أحد أراده”.

الاتهامات الموجهة لرجال الأعمال هؤلاء وكذا الكيفية التي تطورت بها، تثير مع ذلك عددا من الأسئلة.

على الصعيد القضائي، يُؤمل أن يكون للحركة الديمقراطية الشعبية التاريخية التي يعيشها بلدنا شرف فتح طريق المستقبل بعزم، وذلك بعدم السماح بتحريف سخطها أو استغلاله ضد مبادئ دولة القانون التي تتصدر مطالبها.
للمتهمين المعنيين إذن الحق، كما لكل مواطن الحق، في الاستفادة من التقيد بهذه المبادئ، من أولاها المبدأ القائل بأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته. خارج هذا الشرط، كل حملة اتهام تكون بلا حق. يجب أن نسجل بهذا الصدد قيام بعض الوسائط وكذلك بعض المواقع الإلكترونية بحملات إعدام إعلامية حقيقية. يجب التنبيه كذلك إلى خطر تغليب المقاربة السياسية على المقاربة القضائية في هذه المسألة بما أن واحدة من نقاط الاتهام المشتركة هي قرب هؤلاء من السلطة. والحال أن دولة القانون تتطلب بالضبط الفصل بين السياسي والقضائي وعدم بناء الاتهامات على دوافع سياسية عامة أو حزبية. يجب التقيد بالوقائع بدقة وصرامة. يجب ألا تحل الإشاعات والأقوال، سواء كان مصدرها الشارع أو الإنترنت، محل الوقائع وتُستخدم كقرارات اتهام؛ فيبدو منذ الآن مثلا أن سبب توقيف واحد من المعنيين، المتمثل في حيازة جواز سفر بريطاني، والذي جرى الترويج الإعلامي له على نطاق واسع، يكون قد انكشف زيفه. كما أن هزال الوقائع التي تكون قد بررت توقيفه، مقارنة مع ما أورده بعض الوسائط، يطرح منذ الآن مشكل الاحترام الدقيق لفصل السياسي عن القضائي ويدعو إلى الحذر والتبصُّر.

على الصعيد المعنوي، يجب التفكير في الآثار المدمرة على الشخص، على سمعته، على عائلته، جرَّاء توجيه مثل تلك الاتهامات له، وبالتالي، يجب التحلي بروح المسؤولية. هنا ينبغي أن نتحدث عن القذف. القذف جريمة يعاقب عليها القانون في كل مجتمع متحضر؛ فهو ليس مُخلًّا بالأخلاق فقط ولكنه يمس بكرامة الإنسان أيضا، وبالحقيقة، وبالحرية. خلال السنوات الفائتة، جرى تلويث الجو السياسي مرارا بواسطة اتهامات خطيرة بقيت بلا رد من المعنيين. هل كانت صحيحة إذن؟ هذا هو السؤال الذي كان الرأي العام يطرحه. قلة قليلة فقط وضعت الدفاع عن شرفها فوق كل اعتبار. أما أولئك الذين آثروا السكوت وكذلك مسؤولو الأحزاب الذين تخصصوا في القذف، فإنهم احتقروا، سواء بسواء، الرأي العام أو حطوا من قدره، فساهموا في فقدان ثقة المواطنين. اليوم يظهر الرأي العام بكامل قواه، قوة جبَّارة من خلال الحراك. لكن هذا قد يزيد من إغراءات توظيفها لغايات حزبية أو مشبوهة، الشيء الذي يجعل استقلال العدالة أمرا ملحا أكثر من السابق.

روح المسؤولية ضرورية لأسباب اقتصادية أيضا. يجب تقدير الانعكاسات المحتملة لمثل تلك الاتهامات لا على الأشخاص وسمعتهم فحسب وإنما على المؤسسات كذلك وبالتالي، على آلاف العمال. يمكن الحديث عن انعكاساتها حتى على الاقتصاد الجزائري برمَّته، لأن الحملة، بالنظر إلى العدد المطاطي على ما يبدو لرجال الأعمال المتهمين، قد تسلك منعرجا خطيرا – مهما كانت احتياطات التعبير عنه- هو التراجع عن الانتقال الضروري إلى اقتصاد السوق، الأمر الذي قد يؤدي إلى حلول الريبة، لاسيما بين المستثمرين الجزائريين والأجانب.

المُفسد والفاسد

أبدت صحفية أجنبية ملاحظة بشأن الكلام الإعلامي الدائر حاليا حول الفساد في الجزائر، قائلة: “يجري الحديث عن المفسدين لكن دون الفاسدين”. إنها ملاحظة صحيحة تماما. وفي الحالة التي نتحدث عنها هنا، يكون الفاسدون حتما داخل الإدارة وهكذا نصل إلى لب الموضوع. ما دام الكلام يجري حول “النظام”، ما هو بالضبط هذا النظام الذي يحمل في صلبه هذا النوع من الفساد؟ رجال الأعمال المعنيون متهمون، على ما يبدو، بالاستفادة من قروض بنكية ضخمة بفضل الدعم السياسي لدوائر في السلطة. ولكن، إذا وقع ذلك بالفعل، فإنه لم يكن ممكنا سوى لأنَّ تسيير بنوك الدولة، بغضِّ النظر عن الأشخاص الذين يقودونها ويعملون فيها، يخضع في أحيان كثيرة جدا إلى تسيير سياسي أكثر منه اقتصاديا، نظرا لخضوعها خضوعا لا مفر منه لنفوذ مالكها، الدولة، وبالتالي لنفوذ سلطة الدولة.

النظام المدان هنا هو نظام اقتصاد الدولة إذن، إذ لا يُعقل تصوُّر بنك خاص يمنح قروضا بلا ضمانات ودون توقع الحصول على أرباح هامة. هل يمكن أن يحدث تهريبٌ للعملات بهذا الحجم، تزوير للفواتير وتهريب لرؤوس الأموال دون وجود سوقين للعملات، واحدة بنكية والأخرى موازية؟ الأمثلة عديدة: إنها أمثلة اقتصادين، اقتصاد دولة واقتصاد سوق، الثنائية الملائمة لكل الألاعيب. وعليه فإنَّ بناء اقتصاد وطني منسجم هو جزءٌ من برنامج إكمال الثورة الوطنية.

يجب إذن أن نتساءل: من هم الذين يستفيدون من إدامة هذا النظام ذي الرأسين والذي يمثل السبب العميق لعرقلة نمو الاقتصاد في الجزائر، وسبب تبذير اقتصادي ضخم (نحو 25 مليار دولار أو 2.400 مليار دينار هي القيمة الهائلة للديون المستحقة على المؤسسات العمومية عام 2019) وذلك عن طريق اختلالات تسيير شركات للدولة لا جدوى منها، سواء من الناحية الاستراتيجية أو الخدماتية. هذه الاختلالات لا تقلّ خطورة عن الفساد، في الواقع.

الناس يستغربون الإبقاء على هذا الضلال المبين المتجسد في سوقين للعملات، في سوق للدولة تغذي سوقا موازية. المسألة بسيطة في الحقيقة: النظام الحالي، القائم على اقتصاد خاص خاضع لإدارة ولاقتصاد الدولة، يجد فائدته في ذلك. رؤساء شركات كثيرون يصفون الأمر بطريقتهم أو بصريح العبارة التالية: “إنهم يريدون أن يحتفظوا برقابة الدولة على الاقتصاد حتى نأتي في كل مرة لنبوس أيديهم”. هنا يكمن تفسير المعادلة بين المفسد والفاسد.

فضلا عن ذلك، يجوز لنا أن نتساءل إذا لم نكن نشاهد مرحلة جديدة من مراحل المعركة الحامية الوطيس، منذ بضع سنوات، بين بورجوازية الدولة والبورجوازية الخاصة ((** ولكن هذه المرة من خلال واحد من أشكال الصراع المتعددة لبسط النفوذ على الحركة الشعبية. نسجل بهذا الصدد أن البلدان التي عرفت اقتصاد الدولة هي التي شهدت وتشهد أقوى الاحتجاجات على الفساد، مثل أوكرانيا حاليا أو صربيا، خلافا لبلدان اقتصاد السوق كالمغرب، مثلا، وهذا بالرغم من مستوى المعيشة فيها المنخفض مقارنة بنظيره الجزائري وبالرغم من حجم الفروق الاجتماعية الأكبر أيضا. قد يرجع هذا لكون بلدان اقتصاد الدولة تمتاز بوجود شكل من “الفساد” المتفشي الذي يمس بصورة مباشرة قسما أكبر من الشعب – تدخلات، محسوبية، إلخ- من أجل الحصول على المقتنيات والخدمات العامة. ففي النظام البيروقراطي حيازة “المعارف” أفضل من حيازة المال. وعليه، يتكون عند الناس شعورٌ بوجود فساد معمَّم مع أنهم غير متصلين اتصالا مباشرا بكبرى قضايا الفساد.

المقاربة الأخلاقية وحدها، بل والدينية أيضا، لمسألة الفساد قد تخفي المصدر الحقيقي للمشكل ألا وهو “نظام” لا يزال مبنيا على اقتصاد دولة يُنتج ثم يعيد باستمرار إنتاج بورجوازية دولة. المقاربة الأخلاقية قد تدفع إلى تبني نظرة ساذجة تبسيطية للمشاكل الراهنة للاقتصاد الجزائري، مفادها أن “وضع حد لنهب المال العام” يكفي لـ”تحويل الجزائر إلى جنة فوق الأرض”. هذه المقاربة تؤدي إذن إلى الشطط حتما، إلى المطاردات العمياء وإحداث نوع من “محاكم التفتيش” من أجل “تطهير المجتمع”، وبالتالي يصعب على دولة القانون أن تفرض نفسها في جو مشبع بالانفعالات.

تلك المقاربة قد تخفي الجذور الحقيقية، العميقة، البنيوية للمشكل، فتؤدي في النهاية إلى العودة الكارثية لاقتصاد الدولة، وإلى نفس “النظام” إذن، الذي انتقل من البيروقراطية الاقتصادية إلى البيروقراطية السياسية، فتؤدي بالنتيجة إلى وضع العراقيل أمام الديمقراطية وروح المبادرة في كل الميادين: الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. فإذا كان الحراك مصحوبا بتحرير الإبداع، فلأنه تصدَّى أساسا للبيروقراطية السياسية.
لنلاحظ عند هذه النقطة أن الأمور مترابطة. البيروقراطية السياسية لم تطل السلطة والأحزاب الداعمة لها فقط، ولكن أيضا أحزاب المعارضة. هذا يفسر الارتجاجات التي تعرضت لها، هي كذلك، جراء الحراك، ومن المرجح أن تشهد تغييرات.

على غرار ما يحدث في العالم اليوم، الحراك هو تعبير عن إرادة ديمقراطية مباشرة. ساحة “البريد المركزي ” بالعاصمة، حيث يحاول كل واحد تقديم شعاراته أو مطالبه، تشبه ساحة أثينا العامة، وميدان روما أو تجمعات المسلمين الأوائل في المدينة المنورة. لكن الديمقراطية المباشرة تمتلك اليوم وسائل التكنولوجيا العصرية: وسائل الإنترنت وما تحمله، ككل تكنولوجيا، من مشاكل وحلول.

للحراك مهمة يحتمل أنها جديدة تاريخيا بهذا الشكل، مهمة الانتقال من حركة شارع إلى حركة شعب، من الاضطراب إلى النظام، من حركة ضغط واحتجاج إلى حركة بناء.

النقاشات المكثفة التي جرت، منذ بدء الحركة، والتي تتواصل حتى الآن عن المواد 102، 7 و8 وغيرها، ضمن الحراك وحوله، تشهد على الوعي بهذه المهمة. إن الشعب بأكمله يدستر! ومهما نتج عن الحوارات الساخنة حول الدستور في شكلها الجماهيري هذا، وسواء أدَّت إلى مخرج يحترم نصه أو روحه، فإنها تبشر بالخير بالنسبة للمستقبل، إذ كشفت الحاجة، الواسعة الانتشار، إلى إيجاد حل للأزمة الراهنة يتصل بصورة أو أخرى بمسعى دستوري. وإضفاء المشروعية على الحل المرتقب ليست ضرورية الآن فقط ولكنها ضرورية من أجل المستقبل كذلك: هنا دولة القانون فورا، منذ الآن.

مقالات ذات صلة

  • لن يغيِّروا سنة الله

    الاستعمار الفرنسي تكسّر على صخرة الجزائر ولملم ذيوله مدحورا من أرض لم تستقر له يوما.. ومهما أبقى من بعض أشلائه إلا أن المجتمع والبلد ينموان…

    • 390
    • 1
  • نحو تمديد الفترة الانتقالية الدستورية

    من نفس الناحية العسكرية الرابعة التي اقترح منها تفعيل المادة 102 جدَّد رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي تمسُّك المؤسسة بالدستور، وبواجب ابتكار حلٍّ توافقي تحت…

    • 551
    • 2

التعليقات في هذا الموضوع مغلقة!

close
close