الإثنين 19 أوت 2019 م, الموافق لـ 18 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 23:57
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

الحراك الذي عرفته الساحة السياسية الجزائرية المفتوحة، لم يكن من قبيل الصدفة أو المفاجأة، رغم أنه بدا للكثيرا مفاجئا.

فالجزائر مقبلة حتما، على تحولات وانتقال من حالة سياسية إلى حالة أخرى مختلفة بشكل كبير.. لن تكون هناك قطيعة بالمعنى المعروف، لأن الدولة الجزائرية باقية وستستمر على الاقل إلى غاية 2070.

يقول ابن خلدون إن الملك في هذه الحالة، سيشعر بأن “ملكه هذا، لم يتأتّ نتيجة جهده وعمله، سوف يعتبر هذا “الملك كله”، ملكيّة خاصة له ولعائلته، ولن يفرط فيه ببساطة. وهكذا، سيتشبث بالملك إلى آخر قطرة من دمه ودماء من حوله”.

هذه القاعدة، قاعدة بشرية، تنطبق على كل الأنظمة الشمولية، العائلية والقبلية الجهوية. وعليه، فقد كان متوقعا في تصورنا أن يحدث تحول بعد أربعين سنة من الثورة المسلحة. وهذا ما حدث.

على هذه القاعدة، رأينا أنه بعد 40 سنة من الاحتلال، حدث التغير الأول، وتمثل في التحول النوعي في سياسة الاحتلال: من الاحتلال إلى الاستعمار الاستيطاني بداية من 1870 (40 سنة بعد الاستقلال)، تلتها بداية من 1911ـ1912 (40 سنة) انتفاضات التجنيد الإجباري الفرنسي للجزائريين لمحاربة إخوتهم المسلمين الأتراك المتحالفين مع ألمانيا. بعد ذلك، ستغير نتائج الحرب العالمية الأولى كثيرا في أساليب الاحتلال للالتفاف على المطالب الأساسية للشعب الجزائري، خاصة بعد رسالة الأمير خالد إلى ويلسون، الرئيس الأمريكي، وبداية تجذر المواقف الوسطية. سيحدث على إثر هذا، تغيرات في المناخ السياسي بداية من 1930: تاريخ “فعل” الاحتفال بالذكرى المئوية لاحتلال فرنسا للجزائر سينجم عنه تجذر آخر وتصلّب في المواقف لدى “الاندماجيين” وهذا بعد 8 ماي 1945. عندها سينشأ جيل جديد بتصورات ومواقف وعمل ثقافي وديني وعلمي وإعلامي جديد. بل بنفَس غير مسبوق. أربعون سنة بعد انتفاضة رفض التجنيد الإجباري، (1951) سيفتح الباب واسعا على الانفجار الثالث والنهائي في حياة الاستعمار في الجزائر: ثورة أول نوفمبر 1954.

أربعون سنة بعد ذلك، التي ستكون تاريخ جيل “أسرة ثورية” حاكمة، سيحصل تغير جديد أول بعد الاستقلال (1991): تحول في مسار نظام الحكم وظهور “عصبيات” جديدة، مستعدة للمغامرة. وهذا ما شهدناه طوال ما سمي بالعشرية السوداء من أعمال عنف وتخريب للممتلكات وجرائم من جهة وتحول على مستوى التوجه السياسي والاقتصادي والأيديولوجي، بانتقال السلطة السياسية إلى عمل إصلاحي وتحرير الاقتصاد وتهوية المناخ السياسي من خلال دسترة المادة 40 (المادة 42 في الدستور الحالي)، التي تسمح بالتعددية السياسية والإعلامية والخروج من “الشمولية” التي عطلت الاقتصاد والموارد البشرية.

هذه المرحلة، التي دخلت فيها الجزائر منذ 1988، نتوقع أنها ستطول نسبيا وهذا بفعل الإصلاحات، ولو غير المكتملة والمتسرعة وغير المدروسة أحيانا بسبب كثرة الأولويات وتزاحم أجندة التغيير على أجندة نظام الحكم الراغب في التحكم في مقود القيادة إلى آخر يوم. هذا لن يكون من دون ضريبة في المال العام والنفوس، غير أننا نتوقع تغيرا كبيرا ينهي عهد عصبية “الأسرة الثورية” وهذا قبيل 2030، على اعتبار انتهاء الدورة “الحضارية” الثانية للجيل الأول بعد نحو 40 سنة من تاريخ ثاني هزة اجتماعية ضمن مسار حاكمية “الأسرة الحاكمة”. غير أن بوادر هذا التغيير الكبير والانتقال من نظام “أسرة سياسية عقائدية” إلى نظام آخر، قد تكون أكثر ليبرالية وانفتاحا، غير أنه لن يحيد عن الإيديولوجيا الهوياتية : التوجه العربي الإسلامي. هذا لن يكون في الجزائر ، ولكن في دول الشمال الإفريقي. الطرف الثاني “العلماني اللبرالي الفرنكو ـ بربري”، سيعمل على تقويض هذا التوجه “الشعبوي” بكل الوسائل ـ بما في ذلك، التعاون مع “الأجنبي” ـ كما كانت الحال دائما في تشكل بنى الحكم في الدول المغاربية على امتداد الزمن. هذا ما سيطيل عمر الخلافات إلى غاية ما بعد 2070، تاريخ التغيير الكبير الذي لا يمكن توقع شكله لطبيعة ما سيتولد عن المرحلة المقبلة وطريقة “تسيير الخلافات والأزمات”، وما سيتولد عن التغيرات العالمية.

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close