-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجــزائري والوعي: غياب أم تغييب؟

حسن خليفة
  • 558
  • 2
الجــزائري والوعي: غياب أم تغييب؟

هل هنـاك فرق حقيقـي بين “زمن كورونا”، في هذه الفترة التي امتدت فينا على مدار أكثر من سبعة عشر شهرا (بدءا من شهر مارس2020) في أقل تقدير حتى الآن، وبين الأزمنة العادية (الحياة العادية قبل هذا الوباء)… هل هناك فروق عندنا كجزائريين؟

أخشـى أن يكون الجواب: لا فرق.

يكـفي أن تنظر بشيء من التمعّن في شوارع مدننا الكبرى لتعرف إن كان ثمّة فروقا.

..وأستدرك: ربما يكون هناك فرق، فرق بسيط يتمثـل في وجود خرقة قماش على الوجوه تُشبه “العجار” الذي كانت تضعه أمهاتنا وجدّاتنا من قبلُ، التي صارت تسمـّى (الكمّامة ـ اللثام ــ وأكثرها ينطقها بالإفرنجي، للأسف “بافات”) !!

…وحتى هذه الكمامة لا توضع كما يجب، فالإبداع الجزائري، كما نعلم، شامل يمس  كل شيء، فلمَ نستثني هذا “العجار” (المفروض).. والناس في هذا الباب ألوان وأشكال: هناك من يعلق الكمّامة في أذن واحدة، وهناك من يلفها حول رقبته، وهناك من يغطي بها فمه فقط، وهناك ـ وهذا هو التميّز الجزائري ـ من يضعها في ذارعه!! أليس هذا الأمر في ذاته ممّا يحتـاج إلى مركز دراسات لفهم حقيقة هذا الإنسان الجزائري العجيب.

لا، الأمر لا يقف عند هذ ا الحدّ…

–       سيول من البشر في الشوارع، تسيـر في كل الاتجاهات، تمتلئ بهم المحلات، والأسواق، والحوانيت، والمطاعم.

–       انتشار غير عادي في كل الأماكن.

–       أسرٌ بأكملها مع أطفالها تتحرّك في عزّ الحرّ..

–       أمهات مع بناتهـن في محلات الأقمشة، ودكاكين الأواني (“لمّاعن” )، ولا بأس بوجود البعض أمام محالّ المثلّجات أو “البيـتزا”  أو الإطعام السريع… بمختلف أنواعه وهي كثيرة ومتنوعّة، وتشهد ازدحاما رهيبا؛ خاصة من النسـوة والبنات.. وثمّة ما يستدعي ـ هنا ـ التدخل بالدراسة في هذا الانتشار الرهيب للأكل، في الشوارع وفي المحلات من النساء والبنات، فرادى وأسرا وعائلات، فهو مظهر من مظاهر “التغير” السلبي الساحق في المجتمع، إضافة إلى مظاهر تغيّر كثيرة أخرى، في أنساق وسياقات مختلفة متنوّعة في شؤون (الزواج ـ الطلاق ـ الخلع ـ الصداقات ـ نمط الحياة والعيش ـ العلاقات المحرّمة ـ انتشار الفواحش ـ الانفلات الاجتماعي ـ طغيان المادية… إلخ).

إذن..

مما يسجله كل ملاحظ بشأن السلوك الاجتماعي في هذه الجائحة، طويلة المدى، ثقيلة النتائج..

إنـه لا تبـاعد ولا احترام للمسافات، وبالطبع لا خوفَ ولا وجل ولا حذر، بل عفوية تـامة في السّيـر واحتكاك مباشر، واصطـدامات، وتجمّـعات/ والأصح “تكدّسات” بشرية هائلة متناثرة، في الشـوارع والأزقـة، وصُراخ، وكلام عـادي بأصوات مرتفعة عن أي شيء.. دنيـوي، فضلا عن مقادير لا بأس بها من الكلام الذي هو نمـيمة وغيبـة، و… ما تعرفون.

يبدو الأمر على هذ ا النحو تماما… وكأنه ـ فعلا ـ ليس هناك شيء اسمه “كورونا”. ليس هناك شيء اسمه “وباء” وقد حصد حتى الآن أكثر من أربعة ملايين ونصف مليون إنسان، وأرقام المصابين بعشرات الملايين.. وهو يتصاعد يوميا، ويتحركُ وينتقل من دولة إلى أخرى، يفتك بالبشـر شرقا وغربا، شمالا وجنوبا (الكرة الأرضية).

الناس يعيشــون حياتهم، بشـكل مريـح للغـاية، لا يبدو عليها أي أثر لـ”للخوف” من إمكانية التقاط هذا الفيروس المتطوّر اللامرئي.. القـاتل..

والأسئلة التي ينبغي أن تُطرح هنا:

ـ إذن، تلك الأرقام التي تقـدم يومـيا عن الوفيات والإصابات التي ما تفتأ تتصاعد وتكبر، مع العلم ـ كما يجمع على ذلك الأطباء ـ أنها أرقام غير دقيقة، فالمصابون أرقامهم أكثر مما يُعلن، والوفيات أيضا.

ـ تُرى ما ذا تـعني عند الجزائري أحاديث وتصريحات “البروفيسـورات” والأطباء والحكماء والمرشدين والإعلاميين والأئمة، وماذا تعني التوجيهات والإرشادات الطبية وما يلحق بها… ما هو وقعها في نفوس وعقول هذه الجماهير التي تملأ الساحات والشوارع والحافلات، والمحلات؟

ـ وتحذيــرات الحكومة ومصالح الصحـة واللجان العلمية وغير العلمية، ومصالح الأمن المختـلفة.. أين موقعها في خارطة عيش الجزائريين والجزائريات..؟

ثمّ… الحجـر.. والحجـز… والمنزلي منه خاصة، واحتـرام المعاييـر، وحرص الإنسان على حياته وحيـاة أفراد عائلته.. ما موقعـه هو الآخر في إطار منظومة محاربة الوباء؟

أين هو “الوعي” الذي يعني الإدراك القوي المتبصّر للخطــر بشكل دقيق وحاسم، وفهم ما يجري فهما علميا ـ إنسانيا.

أينَ الاحتياط والاحتراز؟… أين الانضباط والالتزام؟ علما أن الخبراء والحُكماء يؤكدون أن “الوقاية” هي أفضل علاج بالنسبة إلى هذا الوباء متعدد الأوجه ومتعدد الاختصاصات (فتكا بالإنسان) وتحوّرا وتنوّعا واختفاء وتعديلا وفي كل ذلك حكمة أي حكــمة لمن يعقل ويتبصــر.

هل توجد موانـع تجعل الإنسان عندنا يعدّل سلـوكه بعض الشيء؛ لأن ذلك ضروري، في بعض الحالات… وهذه واحـدة من أهم الحالات التي تسـتوجب تغيير نمط تفكيرنا، ومن ثمّ نمط سلوكنا، في كثير من أنماط عيشنا وحياتنا.

هل إن الأمر يتعلـق بما يمكن تسـميته بـ”الهندسة النفسـية” للإنسـان الجزائري… التي يبدو أنها تتأبّـى على “التسيير”، وتتـأبّى على التطبيـق الصحيح لما يجب تطبيـقه، وتتأبي أيضا على الالتـزام الجمعي بأي إجراء أو قانون يجب تطبيـقه لفائدة المجتمع والصالح العام.

شيء مذهـل فينـا يجب أن نجـد له تفسيـرات وتحليـلات، ثم حلـولا حقيـقية؛ لأنه إذا كان الخطـر الحقيـقي لا يردع… فكيـف يرتدع الجزائري (إذن)؟ وهل لذلك صلة بعدم الثقة في الحكومة مثلا؟

مسـؤولية من هذه في النهاية؟

والأمر ـ في واقع الحال ـ أبعد مدى من مجرد التـذرع بالوباء.. الأمر يتعلق بحقيقـة الإنسان الجزائري، وطبيعة المجتمع الجزائري وما صار إليه أو أصبح عليه وانتهى إليه؟ وماذا ينبغي بشأنه بالضبط؟

..الأمر يتعلق بمصفوفـة التغييــر كلها.. والأسئلة كثيرة هاهنا:

  • هل دُجـّن/ وقولب وعُلّب الجزائري بشكل كبير وقاس؛ بحيث يصعب “تعديله”؟ جرّاء مجموع الملابسات والظروف التي مرت به منذ القديم؟
  • هل قُتل التغيير فيه بشكل قاس وجسيـم، فصار يرتضي الاكتفاء بما هو عليه؟
  • هل يصعـب عليه حقا “استبصار” حالته الصعبة، والتقاط ما يجب ليحافظ على صحته ونفسه وعائلته؟
  • هل هناك أمور لا نعرفها ـ بدقة ـ هي التي انتهت بالجزائري إلى هذه الحالة من التسيّب وعدم الاهتمام واللامبالاة؟
  • الأسئلة كثيرة جدا.. ومهمة جدا… والتلكؤ في البحث عن إجابات قد يحيلـنا إلى “نـومــة تخلف” طويلة الأمد.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • Ahmed

    الغاشي لا يهمه شيء يحب الفوضى و لا يريد من ينزعها منه

  • مواطن جزائري

    تغييب بواسطة ألات جهنمية تعمل بلا توقف للقيام بعملية التغييب وحشو الرؤوس بوعي مزيف بعيدة كل البعد عن الاهداف الحقيقية التي يصبوا إليها الجزائريون.